الأول: أنهم هاجروا وأخرجوا من ديارهم فهم هجروا مغانيهم التي تربوا فيها غير راغبين ولا محبين للخروج، بل ملجئين مضطرين، ولذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخاطبًا مكة عندما خرج منها: (إنك أحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت) 67، ويروى أن ورقة بن نوفل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ليتني أكون جذعًا إذ يخرجك قومك» . فقال له عليه الصلاة والسلام: (أو مخرجيّ هم) ؟! قال: (ما أوتى أحد بمثل ما أوتيت إلا عودي) 68.
والله تعالى يقول: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ?) ، فكان الإخراج سبب الهجرة.
الثاني: الذي استحقوا به الجزاء الأوفى هو أنهم تحملوا الأذى في سبيل الله تعالى، فهم أوذوا في مكة قبل الهجرة، واستمر الإيذاء بعدها، وكل ذلك في سبيل الله، وفي سببل الحق وإعلائه، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، وإن هذا يزكي الخير فيهم، فإنهم ما أخرجوا من ديارهم، وهجروا أحباءهم وذويهم إلا في سبيل الله تعالى.
الثالث: أنهم قاتلوا في سبيل الله تعالى فجاهدوا الأعداء واستشهدوا في هذا القتال، فلهم فضلان: فضل القتال والتقدم، وفضل الاستمرار فيه والشهادة في سبيل الحق 69، وإليه الإشارة (وقاتلوا وقتلوا) .
وقد ذكر الله صفات المؤمنين هكذا، لينبّهنا إلى أن نرّوض أنفسنا ونختبرها، فإن رأيناها تحتمل الأذى في سبيل الله حتى القتل فلها الرضوان من ربها، وإلا فلنروّضها حتى تصل إلى هذه المنزلة، والسر في هذا التكليف الشاق أن الحق لا يقوى إلا إذا وجد من ينصره ويؤيده، ويقاوم الباطل وأعوانه؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى، فيجب على أنصار الحق ألا يفشلوا ولا ينهزموا، بل يثبتوا مهما لاقوا من المحن والأرزاء، فقد كتب الله النصر لعباده المؤمنين 70.
وقد بيّن سبحانه وتعالى الجزاء والثواب بقوله تعالت كلماته: (لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) .
قلنا: الثواب والمثوبة يرادبه الجزاء، وقد جعله الدين أثرًا طبيعيًّا للعمل، فللأعمال تأثير في نفس العامل بتزكيتها فتكون منعمة في الآخرة، أو تدسيتها فتكون معذّبة فيها.
وقد وعد الله تعالى من فعل ذلك بأمور: هي بمثابة الإثابة على أعمالهم: فأثابهم بمحو السيئات وغفران الذنوب، ودل على ذلك بقوله: (لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) ، ووعدهم كذلك بإعطائهم الثواب العظيم المتمثل في الجنة، وهو المشار إليه بقوله: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وهذا الثواب مقرون بالتعظيم والإجلال، وهو قوله: (مِّن عِندِ اللّهِ) والمعنى لأكفرنّ عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم الجنات، ولأثيبنهم بذلك ثوابًا من الله لا يقدر عليه غيره.
(وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) أي: هو ثواب من عنده مختص به، بحيث لا يقدر عليه غيره، وهذه الجملة تأكيد لشرف ذلك الثواب؛ لأنه تعالى قادر على كل شيء، غني عن كل أحد، فهو لا محالة في غاية الجود والكرم والإحسان 71.
ففي قوله تعالى: (ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ) إشارة إلى أن هذا الجزاء والثواب الذي يجزونه، هو فضل عليهم من الله سبحانه وتعالى، إذ هداهم إلى الإيمان، ووفّقهم للعمل الصالح من الجهاد وتحمل الأذى في سبيل الله، الذي أنزلهم منازل الرضا والقبول عند الله.
روي عن جعفر الصادق أنه قال: «من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، قال: لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات: ربنا، ثم أخبر أنه استجاب لهم.
ثم قال: (وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) وهو تأكيد؛ ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف؛ لأنه تعالى لما كان قادرًا على كل المقدورات، عالمًا بكل المعلومات، غنيًّا عن الحاجات، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والإحسان، فكان عنده حسن الثواب» 72.
قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ?79? وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) [القصص:79 - 80] .
يبين الحق سبحانه أن الإيمان بالله والصبر عن طلب زينة الحياة الدنيا خير من طلب الزينة والتكبر والغرور على الخلق.
إن الناس لما رأوا قارون على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون من هذه الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا، وأما العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا: ويلكم ثواب الله خير من هذه النعم؛ لأن للثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاث، قال صاحب الكشاف: «ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى» 73.
فقال: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) بالله، حين رأوا قارون خارجًا عليهم في زينته، -للذين قالوا: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) : ويلكم اتقوا الله وأطيعوه، فثواب الله وجزاؤه لمن آمن به وبرسله، وعمل بما جاءت به رسله من صالحات الأعمال في الآخرة، خير مما أوتي قارون من زينته وماله لقارون.
وقوله: (ولَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) يقول: (ولَا يُلَقَّاهَا) ، أي: ولا يوفّق لقيل هذه الكلمة، وهي قوله: (ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا) والهاء والألف كناية عن الكلمة. وقال: (إِلَّا الصَّابِرُونَ) يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها، فجدّوا في طاعة الله، ورفضوا الحياة الدنيا.
أو (ولَا يُلَقَّاهَا) أي: لا يؤتى الجنة، ولا يدخلها، أو لا يوفّق للأعمال الصالحة (إِلَّا الصَّابِرُونَ) على الطاعات، وعن المعاصي 74.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا ?30? أُولئِكَ لَهُم جَنّاتُ عَدنٍ تَجري مِن تَحتِهِمُ الأَنهارُ يُحَلَّونَ فيها مِن أَساوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلبَسونَ ثِيابًا خُضرًا مِن سُندُسٍ وَإِستَبرَقٍ مُتَّكِئينَ فيها عَلَى الأَرائِكِ نِعمَ الثَّوابُ وَحَسُنَت مُرتَفَقًا) [الكهف: 31] .
لقد جعل اللّه تعالى سبب ما يستقبلهم من النعيم والثواب أمرين:
الأول: إيمان صادق وإخلاص يعمر القلوب، فإنه لا ثواب من غير قلب منيب.
الثاني: عمل صالح نافع بأداء ما أمر اللّه به واجتناب ما نهى اللّه عنه في استقامة قلب، وكمال قصد واتجاه إلى النفع 75.
(أولئك) خبر (إن) (إِنّا لا نُضيعُ) اعتراض، ولك أن تجعل (إِنّا لا نُضيعُ) و (أولئك) خبرين معًا. أو تجعل (إِنّا لا نُضيعُ) كلامًا مستأنفًا بيانًا للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت (من أحسن عملا) خبرًا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: (الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ) ينتظمهما معنى واحد، فقام (من احسن) مقام الضمير. أو أردت: (من احسن عملا) منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين 76.
وتنكير (عدن) لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الاستبرق: وهو الغليظ منه؛ جمعًا بين النوعين. وخص الاتكاء؛ لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرّتهم 77.
وإحسان العمل: أن يريد العبد العمل لوجه الله، متبعًا في ذلك شرع الله. فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئًا منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر، بحسب عملهم وفضله وإحسانه، وافتتاح الجملة باسم الإشارة لما فيه من التنبيه على أن المشار إليهم جديرون لما بعد اسم الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة، وهي كونهم آمنوا وعملوا الصالحات 78.
فبيّن الحق جزاء وثواب السعداء، الذين آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين فيما جاءوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فيقول في شأن الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح: أن لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها، فأجنت من فيها، وكثرت أنهارها، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة، وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس، وهو الغليظ من الديباج، والإستبرق، وهو ما رق منه.
وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) 79.
وقد قالوا: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء والخضرة والوجه الحسن.
ولفظ: (عدن) بمعنى: إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول. وأصله من عدن فلان بالمكان. إذ أقام به واستقر فيه.
(متكئين فيها على الارائك) ، وهي السرر المزينة، المجملة بالثياب الفاخرة، فإنها لا تسمى أريكة حتى تكون كذلك، وفي اتكائهم على الأرائك، ما يدل على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون، وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية، فهذه الدار الجليلة (نعم الثواب) للعاملين أي: نعمت الجنة ثوابًا لهم على أعمالهم (وحسنت مرتفقا) أي: حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور، والفرح الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة، وأي مرتفق أحسن من دار، أدنى أهلها، يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة، ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم، قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه، وزيد من المطالب، ما قصرت عنه الأماني، ومع ذلك، فنعيمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان.
ودلت الآية الكريمة وما أشبهها على أن الحلية عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأحاديث الصحيحة؛ لأنه أطلقها في قوله: (يحلون) وكذلك الحرير ونحوه 80.
ونحو الآية قوله: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ?75? خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: 75 - 76] .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد اشتملت على ألوان متعددة من التكريم والثواب لأولئك المؤمنين الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح. فقد بشّرهم سبحانه بجنات عدن، ثم بشّرهم ثانيًا بأن (الانهار تجري من تحتهم) ، ثم بشّرهم ثالثًا بأنهم (يحملون فيها من اساور من ذهب) ، ثم بشّرهم رابعًا بأنهم (ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق) ، ثم بشّرهم خامسًا، بأنهم يتكئون في تلك الجنات (على الارائك) .
وفي هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح، الذي يرفع درجات المؤمن إلى أعلى عليين، وذلك (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21] .
نسأل الله تعالى أن يرزقنا هذا الفضل، فهو أكرم مسئول، وأعظم مأمول.
ويقول تعالى -في شأن بعض أهل النصارى الذين آمنوا- على لسانهم: وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ?84?فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: 84 - 85]
قال الإمام الطبري: «هذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآيات» 81، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب الله، وقالوا: (وَمَا لَنَا لَا) نقرّ بوحدانية الله (وَمَا جَاءَنَا) من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن (ونطمع) بإيماننا بذلك (أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) .
فالمقصود بـ (الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) : المؤمنون بالله، المطيعون له، الذين استحقّوا من الله الجنة بطاعتهم إياه. وإنما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يدخلنا ربّنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنته يوم القيامة، ويلحق منازلنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم في جنّاته 82.
فجزاهم الله بقولهم: (رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ?83? وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) [المائدة: 83 - 84] .
(فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: 85] .
يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار (خَالِدِينَ فِيهَا) يقول: دائمًا فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحوّلون عنها (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) ، فيقول الحق: فهذا الذي جزيت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا، من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاء كل محسنٍ في قيله وفعله.
فقد بيّنت هذه الآية الكريمة أنه سبحانه قد أجابهم إلى ما طلبوا، بل أكبر مما طلبوا، فقد كانوا يطمعون في أن يكونوا (مع القوم الصالحين) ، وأن يكتبهم مع الشاهدين، فأعطاهم سبحانه جنات تجرى من تحتها الأنهار، وسماهم محسنين، والإحسان أعلى درجات الإيمان، وأكرم أوصاف المتقين.
هذا جزاء الذين (سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وقالوا ما قالوا مما يشهد بصفاء نفوسهم 83.
و (إحسان المحسن) في ذلك، أن يوحّد الله توحيدًا خالصًا محضًا لا شرك فيه، ويقرّ بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب، ويؤدّي فرائضه، ويجتنب معاصيه. فذلك كمال إحسان المحسنين «الذين قال الله تعالى ذكره أنه أثابهم بما قالوا جنات ... » 84.
ثانيًا: ثواب الشر:
قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34 - 36] .
تأتي تلك الآيات من سورة المطففين في إطار حديث القرآن عن المقارنة بين أعمال الكفار وأعمال المؤمنين، وما يستحقه المؤمنون من الثواب العظيم والسعادة في الدنيا والأخرة والجنة التي عرضها السماوات والأرض، وما أعدّه الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة من نعيم دائم؛ حيث يتتعمون في الجنة بكل ما يشتهون.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) 85.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ أدنى أهل الجنّة منزلةً لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنةٍ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوةً وعشيّةً) 86.
وبعد أن بيّن الحق سبحانه ثواب المؤمنين المتمثل في الجنة ونعيمها، أردف ذلك ببيان ما يستحقه الكفار من ثواب الشر الذي جنته أيديهم وعملته جوارحهم من الإنكار والمكابرة، وعدم الإيمان، والاستهزاء بالرسول والرسالة، وأتباع النبي من المؤمنين، فهؤلاء الكفار كانوا يسخرون من المؤمنين ويحتقرون من شأنهم، ويتهمونهم بالضلال لإيمانهم بسيدنا محمد، وتركهم شهوات الدنيا وملاذتها.
وبعد بيان حالة هؤلاء الكفار الذين كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا، يقول لهم الحق سبحانه وتعالى: {فَالْيَوْمَ} يعني: ففي هذا اليوم يوم الجزاء والعدل والحساب وهو يوم القيامة {الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} أي: يضحك المؤمنون على الكفار في مقابلة ما ضحك بهم أولئك في الدنيا 87.
وقوله: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} حال، أي: يضحكون منهم، ناظرون إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم على الأرائك -أي: على الأسرّة في حجالها آمنون-، وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: هلموا إلى الجنة، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم 88.
فهذا بيان للحال التي عليها المؤمنون، وهم يضحكون من الكفار، إنهم يضحكون وهم جالسون، مستريحون على الأرائك، على حين يتقلب المجرمون على جمر جهنم 89.
فالمقصود من الآية الكريمة تسلية المؤمنين، وتبشيرهم بأنهم سيأخذون بثأرهم من المشركين عما قريب، وأنهم -أي: المؤمنون- سيكونون يوم القيامة على سرر قد فرشت بأجمل الفراش، وأنهم لا ينظرون إلا إلى ما يسرّهم ويبهج نفوسهم 90.
وقوله: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله 91.
فالاستفهام للتقرير كأنه خطاب للمؤمنين؛ تعظيمًا لهم وتكريمًا وزيادة في مسرتهم. أي: هل رأيتم كيف جازى الله الكافرين بأعمالهم، أي: أنه فعل. و {مَا} مصدرية أو موصولة.
وثوّبه وأثابه بمعنى جازاه، وهو من (ثاب) بمعنى: رجع. فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله. ويستعمل في الخير والشر، وهو هنا مستعمل في الشر؛ لأننا في سياق الحديث عن أحوال الكافرين وما يستحقونه من الجزاء 92.
فهم قد جوزوا يومئذ بأسوء الجزاء بسبب {مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} من الاستهانة والاستهزاء بالمؤمنين، ومن ضحكهم بأعمالهم، وتغامزهم فيما بينهم بعيونهم تهكّمًا عليهم.
وجاء الجزاء بأسلوب الاستفهام لتأكيد هذا الجزاء، حتى لكأن المخاطب هو الذي نطق بهذا الجزاء العادل الذي استحقه الكافرون، ولبيان أن عدالة الله تعالى تقتص من المعتدين مهما طالت بهم الحياة.
والتعبير بـ {ثُوِّبَ} -مع أنه أكثر ما يستعمل في الخير- إنما هو من باب التهكم بهم، كما في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} 93.
وهكذا تشير تلك الآيات إلى مجموعة من الومضات والإشارات الربانية، فتشير إلى أنّ المؤمنين المخلصين الذين تمسكوا بكتاب الله وسنة نبيه يرزقهم الله النعيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة. وتوميء إلى خبث الكافرين، وسوء أخلاقهم، وتعمدهم الاستهزاء بالمؤمنين، والتنكيل بهم، والنيل منهم بكل الوسائل والطرق. كما تشير إلى عدل الحق سبحانه وتعالى في الجزاء والعقاب، فمن يحسن يكون نصيبه الخير والفلاح، ومن يكون غير ذلك يكون نصيبه الخزي والندامة في الدنيا والآخرة، {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] .
فـ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] .
-للثواب في القرآن مقاصد عديدة، يمكن إجمالها فيما يلي:
أولًا: تحفيز العباد على الأعمال الصالحة:
الأصل في المسلم أن يؤدي ما كلّفه الله من العبادات والمعاملات والأخلاق، وأن يجتهد في أداء ذلك على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، إلا أنّ الحق سبحانه وتعالى عالم بأحوال عباده الذين قد يصيبهم ضعف في الهمة، وتكاسل عن أداء المطلوبات الشرعية، فحضّهم على الأعمال الصالحة من خلال مجموعة من المحفّزات التي تجعل الإنسان المسلم يسارع في أداء ما كلّف به بهمة ونشاط، ومن ثمّ يحصل على الثواب والأجر من الله.
فالتحفيز معناه أن تدفع الشخص لعملٍ ما، وتحثه عليه بإثارته لفعل هذا الشيء وحثه عليه، من خلال الترغيب والترهيب أو الوعد أو البشارة، وغيرها من أساليب التحفيز المختلفة المعروفة لدى علماء التربية والسلوك، وسواء أكان الثواب العظيم من الله تبارك وتعالى في الدنيا أو الآخرة، أو في الحال أو المآل، وسواء أكان الثواب ماديًّا أو معنويًّا.
فمن أولى أساليب التحفيز التي انتهجها القرآن، إخبار الحق أنّ عمل العبد لن يضيعه الله، وسيثيب العبد عليه، ويجازيه على عمله، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] .
فالمراد بقوله: {لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} أنه لا يترك أعمال العباد تذهب ضياعًا، بل يجازي الإنسان عليه بالثواب.
فأولى المحفزات نحو العمل والعبادة بيان الحق سبحانه للعباد أنّ أي عمل يعملونه في هذه الدنيا لن يضيع عند الله، بل يجازي الحق عباده، ويثيبهم عليه أحسن الجزاء والثواب.
وجعل القرآن من وسائل وأساليب التحفيز الترغيب في فعل الخير والعمل الصالح؛ ابتغاء الثواب من الله وأجره في الآخرة، والفوز بالحياة الكريمة الطيبة في الدنيا، فقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] 94.
قال الإمام الشوكاني: «هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح، وجعل سبحانه الإيمان قيدًا في الجزاء المذكور؛ لأن عمل الكافر لا اعتداد به؛ لقوله سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] .
ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك العمل الصالح فقال: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة بماذا تكون؟ وأكثر المفسرين على أن هذه الحياة الطيبة هي في الدنيا لا في الآخرة؛ لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} » 95.
وقال الإمام الطبري: «وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدّر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها» 96.
فجعل سبحانه وتعالى من المحفزات لمن آمن وعمل الصالحات الحياة الطيبة في الدنيا، مما يدفع نحو العمل الصالح؛ لنيل تلك الحياة، ولنيل القرب والثواب من الله تبارك وتعالى.