وحري بالآباء أن يقتدوا بإبراهيم في محاورة أبنائهم في شؤون حياتهم، وأن تكون العلاقة بينهم وبين أبنائهم قائمة على الحوار البناء.
قال ثم إن إبراهيم عليه السلام دائم الدعاء لربه أن يحفظ له ذريته من الغواية والضلال.
قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ? قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ? قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ? قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: 124] .
وقال تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم: 37] .
ليقيموا الصلاة يعني: وفقهم ليتموا الصلاة، وإنما ذكر الصلاة خاصة؛ لأن الصلاة أولى العبادات وأفضلها 89.
وقال تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ? رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) [إبراهيم: 40] .
وعلى الآباء في هذا المقام أن يتعلموا من إبراهيم دوام الدعاء لأبنائهم في كل فرصة وخلوة.
••محاورًا في دعوة الكفار إلى الإله الحق.
ذكر القرآن الكريم نماذج من حوار إبراهيم عليه السلام مع المشركين من قومه، وفيها دروس وعبر لمن أراد أن يسلك طريق الدعاة في كل عصر وزمان، ومن ذلك: حواره مع قومه بشأن الإله الحق.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) [البقرة: 25] .
وقال تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ? قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ? وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ? وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ? أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) [الأنعام: 80] .
وحواره معهم بشأن تحطيم الأصنام، قال تعالى: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَ?ذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: 63] .
••شجاعًا ومفاصلًا في العقيدة.
لم يكن إبراهيم عليه السلام جبانا ولا خوافا بل اتصف بالشجاعة رغم انعدام النصير من الناس، فقد خذله في دعوته أقرب المقربين إليه، وكان يتحدى بمفرده ويعلن البراء من الشرك وعبادة الأوثان، ويعلنه لقومه بكل صراحة ووضوح: (. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَھ)
[الأنبياء: 67] .
وأعلن البراء من الأوثان: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) [الزخرف: 26] .
وتجاوز القول إلى الفعل فكان فردا عن أمة يتهدد ويتوعد أصنامهم: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) [الأنبياء: 57] .
إنها دروس في الشجاعة وقول الحق بلا خوف ولا وجل.
ومعالم الاقتداء بإبراهيم عليه السلام كثيرة جدا، وهي تتجلى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمر بالاقتداء بأبيه إبراهيم، فكان نعم المقتدي لخير مقتدى، فحاز أخلاق القرآن كلها.
ورد في شأن ذي القرنين روايات إسرائيلية كثيرة، والأصح الذي عليه الأكثرون أنه كان ملكا قويا صالحا عادلا، وأن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال والجنوب، وهذا هو القدر المعمور من الأرض 90.
قال مجاهد: «ملك الأرض أربعة: اثنان مؤمنان واثنان كافران. أما المؤمنان: فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران: فالنمرود بن كنعان وبختنصر» 91.
إن ذا القرنين مثال للشباب المثابر في الجد والاجتهاد، في الصبر والمصابرة، في الجلد والقوة، في العلم والحكمة، فقد ذكر بعض المفسرين أنه كان في حدود العشرين من عمره 92.
مجالات الاقتداء بذي القرنين كثيرة، منها:
••عدم الفتنة بالملك.
فقد أنعم الله تعالى على ذي القرنين بملك عظيم.
قال تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ? قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) [الكهف: 84 - 86] .
فظاهر الآية يشير إلى أن الله تعالى مكن له في الأرض، فأعطاه سلطانا وطيد الدعائم ويسر له أسباب الحكم والفتح. وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكنوا فيه في هذه الحياة 93. وهو مع ذلك لم يفتتن بملكه ولم يصب بالبطر والغرور وسائر أمراض القلوب، بل ظل متذكرا للآخرة راجيا رحمة ربه.
••إقامة العدل بين الناس.
كان عادلًا بين الناس بما يحقق لهم الأمن والاستقرار.
قال تعالى: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ?87?وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى? ? وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ?88?) [الكهف: 87 - 88] .
لقد أعلن أن للمعتدين الظالمين عذابه الدنيوي وعقابه، ثم ذكرهم بعذاب الله الذي لا نظير له فيما يعرفه البشر. أما المؤمنون الصالحون فلهم الجزاء الحسن، والمعاملة الطيبة، والتكريم والمعونة والتيسير 94.
لقد كان ذو القرنين يعامل المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته فما حكي نهاية في العدل وغاية الإنصاف 95.
وهذا هو دستور الحكم الصالح. فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم.
والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء، وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاءً حسنًا ومكانًا كريمًا وعونًا وتيسيرًا، ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة عندئذ يجد الناس أن عدل الحاكم يحفز الرعية إلى الصلاح والإنتاج. أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون.
فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد. ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد 96.
ولرفع الهمم يذكر ذو القرنين المحسنين بجزاءين: أخروي: فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) وهو بذلك يربطهم بالعقيدة. ودنيوي: (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) وهو بذلك يقيم فيهم الشريعة، وهذا تمام العدل.
وقد ذكر المفسرون أن الحسنى: الجنة، والقول اليسر أي: الخير، أو المعروف، أو القول الجميل 97.
••التواضع وعدم التكبر.
إن مجرد خطاب الناس له بـ (يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ) [الكهف: 94] .
يشير إلى تواضعه بين الناس، وأنه لا يفرض عليهم ألقابًا يحبها كل من ملك.
فذو القرنين يعد النموذج الطيب للحاكم الصالح الذي يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب فيجتاح الأرض شرقا وغربا ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ثم هو بعد ذلك يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله 98.
••الاستعفاف عما في أيدي الناس.
فعندما عرض القوم على ذي القرنين المال مقابل حمايتهم من بطش يأجوج ومأجوج لم يستغل ضعفهم وحاجتهم، بل استغنى بما آتاه الله.
قال تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى? أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ?94?قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) [الكهف: 94 - 95] .
أي: ما قواني به ربي خير من جعلكم (فَأَعِينُونِ) يعني: لا أريد منكم المال، بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) أي: سدًّا 99.
قال السعدي: «فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركًا لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده الإصلاح؛ فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره» 100.
إن من يستغني عما في أيد الناس يحبه الناس، وحتما سيكونون له عونًا وسندًا.
••إشراك الناس معه في القيام بالأعمال.
قال تعالى: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) [الكهف:95] .
أي: ما قواني عليه ربي خير من جعلكم، فأعينوني بأبدانكم وقوتكم، أجعل بينكم وبينهم ردما، والقوة التي طلبها منهم: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل 101.
فلم يعمل ذو القرنين لهم ذلك الردم، ولكن علمهم كيف يصنعون الردم، وذلك حتى لا يعيشوا مع الإحساس بالعجز 102.
••العلم، والقوة، والإصلاح، والإشراف على العمل بنفسه، وعدم الاتكال على الغير.
تظهر قوته من تمكين الله له في الأرض، ويتجلى إصلاحه بين الناس في إقامة الحق، ومحاربة المفسدين، وبناء السد، وأما العلم فتجليه الآية الكريمة: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ? حَتَّى? إِذَا سَاوَى? بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ? حَتَّى? إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 96] .
إن صناعة الفولاذ الذي أشارت إليه عمل فريد أشرف عليه ذو القرنين بنفسه فقد «قال للعملة: انفخوا بالكيران في زبر الحديد التي وضعت بين الصدفين ففعلوا، ومازالوا كذلك حتى صارت كالنار اشتعالا وتوهجا، فصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض، وسد الفجوات التي بين الحديد وصار جبلا صلدًا» 103.
«وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية الحديد فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته. وكان هذا الذي هدى الله إليه ذا القرنين، وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا الله» 104.
وتظهر حكمة ذي القرنين في التعامل مع متطلبات المرحلة، فمن العجيب أن القرآن عندما يحكي أمرًا فهو لا يحكيه إلا لهدف، فهم طلبوا من ذي القرنين أن يبني سدًّا، لكنه اقترح أن يجعل لهم ردمًا، وثمة فرق بين الردم والسد، لقد تبين من العلم الحديث أن السد قد تحدث له هزة من أي جانب فينهدم كله، أما الردم فإن حدثت له هزة يزدد تماسكًا 105.
••الشكر لأنعم الله.
يعترف ذو القرنين بالفضل لله عز وجل قائلا: (هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي) [الكهف: 98] .
أي: هذا السد والاقتدار والتمكين من تسويته نعمة من الله ورحمة على عباده 106.
ويتعلم المرء من هذا الشكر لأنعم الله، فبالشكر تدوم النعم، وبالجحود والكفران تنزل النقم.
ضرب الله تعالى بها مثلا للذين آمنوا، وما ضرب المثل بالصالحين في القرآن الكريم إلا لأخذ العبرة والعظة والتأسي والاقتداء الحسن (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [التحريم:11] .
وامرأة فرعون هي آسية بنت مزاحم ذكرها الله في مجال القدوة والأسوة لغيرها: «قال يحيى بن سلام: قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) مثل ضربه الله يحذر به عائشة وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضرب لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران؛ ترغيبًا في التمسك بالطاعة والثبات على الدين» 107.
ومن معالم الاقتداء بها:
••الصبر على البلاء، والثبات على المنهج.
قال المفسرون: كانت تعذب في الله لأجل إيمانها 108.
••التضرع إلى الله وقت الشدائد.
فقد وصفها الله بالإيمان والتضرع لربها، وكان سؤالها لربها من أجل المطالب، وهو دخول الجنة، ومجاورة الرب الكريم، وسؤالها أن ينجيها الله من فتنة فرعون وأعماله الخبيثة، ومن فتنة كل ظالم، فاستجاب الله لها، فعاشت في إيمان كامل، وثبات تام، ونجاة من الفتن 109.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء: إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران) 110. وقولها: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) «قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار» 111.
••إنكار المنكر والتبرؤ من الكفر والضلال.
إن امرأة فرعون، لم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه في قصر فرعون وحدها عن التبرؤ من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتا في الجنة. وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه. وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به: (ونجني من فرعون وعمله) وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم: (نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) 112.
قال ابن كثير: (ونجني من فرعون وعمله) «أي: خلصني منه، فإني أبرأ إليك من عمله» 113.
••الترفع عن متاع الدنيا.
ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صوره. فقد كان فرعون أعظم ملوك الأرض يومئذ، وكانت امرأته في قصر هو أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي، ولكنها استعلت على هذا بالإيمان. ولم تعرض عن هذا العرض فحسب، بل اعتبرته شرا ودنسا وبلاء تستعيذ بالله منه، وتتفلت من عقابيله، وتطلب النجاة منه 114.
••قوة شخصية المرأة.
وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية وهذا فضل آخر عظيم. فالمرأة أشد شعورا وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته. ولكن هذه المرأة وحدها في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، والمقام الملوكي، في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء وحدها في خضم هذا الكفر الطاغي، وهي نموذج عال في التجرد لله من كل هذه المؤثرات وكل هذه الأواصر، وكل هذه المعوقات، وكل هذه الهواتف. ومن ثم استحقت هذه الإشارة في كتاب الله الخالد. الذي تتردد كلماته في جنبات الكون وهي تتنزل من الملأ الأعلى 115.
••العطف والرحمة.
(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ? لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى? أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [القصص: 9] .
عن قتادة (لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى? أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) قال: ألقيت عليه رحمتها حين أبصرته 116.
••الإخلاص والتوقير للزوج.
ففي قولها لزوجها: (لَا تَقْتُلُوهُ) فخاطبت المفرد بلفظ الجمع تعظيم لزوجها ولمقامه الملكي. ويستفاد إخلاص آسية بنت مزاحم لزوجها من قولها له: (عَسَى? أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) فهي لم تنظر لمصلحتها فحسب في رعاية الطفل بل نظرت لمصلحة زوجها أيضا، وكان هذا قبل إيمانها وقبل أن تتبرأ من زوجها وعمله.
وذكر بعض المفسرين 117 أن التي قالت: (لا تقتلوه) غير امرأة فرعون التي آمنت بموسى عليه السلام، غير أن الطبري أورد روايات متعددة أن التي أشارت إلى تبنيه هي آسية بنت مزاحم 118.
ورد ذكر فرعون في القرآن الكريم أربعا وسبعين مرة، ولم يكن ذكره لمجرد سرد القصص بل كان لأخذ العبرة والعظة والتحذير من السير على طريقه في الظلم والاستبداد والكبر والغرور، وللإشارة إلى أن السير في هذا الدرب مصيره الهلاك والخسران، حتى إن الله تعالى نجى بدنه بعد إهلاكه ليكون عبرة لكل من اقتدى به (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ?92?) [يونس: 92] .
يعني: عبرة وموعظة، فأظهره الله لهم حتى يشاهدوه وهو ميت فيعتبروا به؛ لأنه كان في غاية العظمة فصار إلى نهاية الخسة والذلة ملقى على الأرض لا يهابه أحد 119.
وذكر بعض المفسرين عند قوله تعالى: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، أو لمن يأتي بعدك من القرون، ومعنى كونه آية أن يظهر للناس عبوديته، وأن ما كان يدعيه من الربوبية محال، وأنه مع ما كان عليه من عظيم الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ربه، فما الظن بغيره؟! 120.
قال أبو حيان: «وقرئ: لمن خلفك بفتح اللام أي: من الجبابرة والفراعنة ليتعظوا بذلك، ويحذروا أن يصيبهم ما أصابك إذا فعلوا فعلك» 121.
لقد حذر القرآن الكريم أشد تحذير من اتخاذ فرعون وأمثاله قدوة وأسوة، وبين أن الاقتداء بهم مصيره الوبال والخسران، وكان هذا التحذير صراحة في آيات مخصوصة تحذر من اتباعه، وجاء التحذير من السير وفق منهجه أيضا عقب ذكر قصته: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) ) ،وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ، (بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى? بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) ، وسيأتي عرض هذه الآيات بعد قليل في مجالات القدوة بفرعون.
ومن الآيات التي جاء التحذير فيها صراحة من الاقتداء بفرعون قوله تعالى: (لَقَد أَرسَلنا موسى بِآياتِنا وَسُلطانٍ مُبينٍ?96? إِلى فِرعَونَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعوا أَمرَ فِرعَونَ وَما أَمرُ فِرعَونَ بِرَشيدٍ ?97? يَقدُمُ قَومَهُ يَومَ القِيامَةِ فَأَورَدَهُمُ النّارَ وَبِئسَ الوِردُ المَورودُ?98? وَأُتبِعوا في هذِهِ لَعنَةً وَيَومَ القِيامَةِ بِئسَ الرِّفدُ المَرفودُ?) [هود: 96 - 99] .
قال ابن كثير: «يقول تعالى مخبرا عن إرسال موسى، عليه السلام، بآياته وبيناته، وحججه ودلائله الباهرة القاطعة إلى فرعون لعنه الله، وهو ملك ديار مصر على أمة القبط فَاتَّبَعوا أَمرَ فِرعَونَ) أي: مسلكه ومنهجه وطريقته في الغي والضلال (وَما أَمرُ فِرعَونَ بِرَشيدٍ) أي: ليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال، وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا، وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم، فأوردهم إياها، وشربوا من حياض رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر، من العذاب الأكبر» 122.
أما نماذج القدوة السيئة في شخصية فرعون فكثيرة جدا أذكر منها:
••العلو.
العلو 123: ضد السفل، والعلوي والسفلي المنسوب إليهما، والعلو: الارتفاع، وقد علا يعلو علوًا وهو عالٍ، و (علا) يقال في المحمود والمذموم، و (علي) لا يقال إلا في المحمود، والوارد بشأن فرعون هو من الأول، ومنه: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) [القصص:4] .
وقوله: (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) [يونس: 83] .
وقوله: (إِلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) [المؤمنون:46] .
أي: إن فرعون تجبر في أرض مصر وتكبر، وعلا أهلها وقهرهم، حتى أقروا له بالعبودية 124.
وقال تعالى: (اذْهَبْ إِلَى? فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى?(17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى? أَن تَزَكَّى? (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى? رَبِّكَ فَتَخْشَى? (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى? (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى? (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى? (22) فَحَشَرَ فَنَادَى? (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى? (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى? (25) إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى?) [النازعات: 17 - 26] .
لقد أعلن فرعون عن نفسه أنه إله من دون الله علوًا واستكبارًا في الأرض، فأهلكه الله (عبرةً لمن يخشى) أي: عظة لمن يريد أن يعتبر، ويسلم 125.
وفيه تبصرة للمقتدين بأمثال فرعون والمتمسكين بعراهم أن هذه القدوة إلى بوار.
••الإسراف والغرور.
«السرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر» 126.
و «الغرور: هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب» 127.
قال تعالى: (مِن فِرْعَوْنَ ? إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ) [الدخان: 31] .
أي: إن فرعون «مرتفعا على العالم، أو متكبرا مسرفا من المسرفين» 128، أي: من المتجاوزين الحق إلى الباطل، وذلك كفره بالله، وتركه الإيمان به، وجحوده وحدانية الله، وادعاؤه لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء بغير حلها 129.
وذكر المفسرون: أنه كان مسرفا لأنه كان من أخس العبيد فادعى الإلهية 130.
••الإفراط والطغيان.
والإفراط: أن يسرف في التقدم، ومنه (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28] .
أي: إسرافًا وتضييعًا 131.
طغوت وطغيت طغوانًا وطغيانًا، وأطغاه كذا: حمله على الطغيان، وذلك تجاوز الحد في العصيان 132.
قال تعالى: (اذْهَبْ إِلَى? فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى?) [النازعات: 17] .
وقال تعالى: (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى?) [طه: 45] .
وقال تعالى: (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ?11?) [الفجر: 11] .
وأما الإفراط: «فهو الإسراف والإشطاط والتعدي، يقال منه: أفرطت في قولك: إذا أسرف فيه وتعدى» 133.
ومعنى (ان يفرط) هنا: «أن يبادر بعقوبتنا» 134 أو «أن يطغى يتكبر ويستعصي علينا» 135.
قال الرازي: «يفرط علينا بأن لا يسمع منا: أو أن يطغى بأن يقتلنا» 136.
وقال سيد قطب: «والفرط هو التسرع بالأذى للوهلة الأولى، والطغيان أشمل من التسرع وأشمل من الأذى. وفرعون الجبار يومئذ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما» 137.
••الاستكبار.
والتكبر: هو أن يرى المرء نفسه أكبر من غيره، والاستكبار: طلب ذلك بالتشبع وهو التزين بأكثر ما عنده، وإنما يستعمل الاستكبار حيث لا استخفاف، بخلاف التكبر فإنه قد يكون باستخفاف 138.
والكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره. وأعظم التكبر التكبر على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. والاستكبار المذموم، أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له،139 وبالنظر في أحوال فرعون فإننا نجده قد تمثل الأنواع الثلاثة.
قال تعالى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ?39?فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ?40?وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ?41?) [القصص:39 - 41] .
وكان استكبار فرعون وجنوده بامتناعهم عن قبول الإيمان ترفعًا وتكبرًا 140.
وكان استكبارهم في أرض مصر بالباطل والظلم، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون إلى الله بالبعث للجزاء.
وقد جعلهم الله قدوة وأئمةً وقادة في الكفر يأتم بهم العتاة يدعون إلى النار، لأن من أطاعهم دخلها 141.
إن الاستكبار بالحق لا يكون إلا لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة أي: المبالغ في كبرياء الشأن، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق 142.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحدًا منهما، ألقيته في جهنم) 143.
وفي هذا عظة وعبرة لكل مستكبر قال ابن جرير: «وجعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على الله والكفر به، يدعون الناس إلى أعمال أهل النار» 144.
وقال الرازي: «وإنما جعلهم الله تعالى أئمة في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب أقص النهايات، ومن كان كذلك استحق أن يكون إماما يقتدى به في ذلك الباب» 145.
ومن الآيات الواردة في ذكر استكبار فرعون قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى? وَهَارُونَ إِلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ(75 ) ) [يونس: 75] .
وقال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى? وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ(45) إِلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ [المؤمنون: 45 - 46] .
••الظلم.
والظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، وهو على ثلاثة أنواع:
الأول: ظلمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشرك.
والثاني: ظلمٌ بينه وبين الناس.
والثالث: ظلمٌ بينه وبين نفسه 146.
والملاحظ أن فرعون حاز الأنواع الثلاثة بلا منازع.
قال تعالى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ?39?فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ?40?وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ?41?وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ?42?وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى? بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ?43?) [القصص: 39 - 43] .
لقد كان فرعون وجنوده قاهرين غيرهم بالظلم 147، والاستبداد، فأهلكهم الله وجعلهم بصيرة للناس وعبرة 148.
والمعنى: «فانظر أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم فاحذر أن تفعل مثل فعله» 149.