وقد وردت آية كريمة ذات صلة بموضوع اختصاص الذات الإلهية بعلم ما في النفس، وهي قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ? قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ?85?) [الإسراء: 85] .
عن عبد الله رضي الله عنه، قال: (إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرثٍ بالمدينة، وهو متكئٌ على عسيبٍ، فمر بنا ناسٌ من اليهود، فقالوا: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون، فأتاه نفرٌ منهم فقالوا له: يا أبا القاسم ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام فأمسك بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه. فأنزل الله عليه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ? قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ?85?) 35.
والمعنى: ويسألك يا محمد صلى الله عليه وسلم قومك -بإيعازٍ من اليهود- عن حقيقة الروح، قل لهم: الروح من علم ربي، الذي استأثر به، وما أوتيتم من العلم إلا شيئًا قليلًا في جانب علم الله تعالى 36.
يترتب على علم الله تعالى المطلق آثارٌ، منها:
4.معرفة حسن تقدير الله تعالى لما ينفع العباد.
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى: (? إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ(22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ? وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) [الأنفال: 22 - 23] .
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن شر الناس عند الله تعالى من يصم أذنيه عن الهدى، ويخرس لسانه التكلم بخير، ويكون ليس متعقلًا للإيمان وحقيقته، وقد وردت تلك الآية في بني عبد الدار، وغيرهم من الكفار، الذين لم يسلموا بعد، ثم تأتي الآتية؛ لتبين أنه جل جلاله لو علم فيهم صدقًا لأعطاهم الإيمان وأكرمهم به، ولو أكرمهم بالإسلام لأعرضوا عن الإيمان، بما سبق في علم الله تعالى فيهم 37.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الدعوة تقتضي الإعراض والانشغال عمن طبع الله تعالى على قلبه؛ فلا يصغي ولا يتكلم بالحق، فهو لا يسمع آيات الله تعالى سماع تفهمٍ وتبصر، وإن سمعها فإنه يبحث في سماعه هذا عن ثغرةٍ ينال من خلالها من الإسلام.
5.الحذر من عقاب الله تعالى.
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ? عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَ?كِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ? وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى? يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: 235] .
فبعد أن بين الله تعالى في رأس هذه الآية رفع الحرج عن التعريض بخطبة النساء اللاتي في عدة وفاة أزواجهن دون تصريحٍ لهن، وذلك بالنهي عن المواعدة سرًا، وتحريم عقدة النكاح قبل انقضاء العدة، ثم عقب ذلك بما جاء في قوله تعالى: «واعلموا» علمًا يزول الشك من خلاله أن الله تعالى يعلم ما في أنفسكم فاحذروا أن تتعدوا ما حد لكم؛ فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون، ثم بينت فاصلة الآية الكريمة أنه لولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت؛ فإنه سبحانه مطلعٌ عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون 38.
وفي هذه الآية دليل أن الإنسان المؤمن يجب أن يستشعر علم الله تعالى المطلق؛ فيحذر من عقابه وغضبه، فلا يكتم في نفسه إلا كل خير، وفق شرع الله تعالى فضلًا عن القول والعمل.
6.الاعتقاد الجازم أن الشدائد المقدرة من الله تعالى خيرٌ للمسلمين.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ? وَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? وَعَسَى? أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216] .
حيث يبين الله تعالى في هذه الآية فرضية الجهاد، فيأمر -بأسلوب الإلزام الذي يلحق تاركه إثم- المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله تعالى من الكفار، والحال أن هذا الفرض مكروه في الطباع النفسية، لكن عسى أن يكرهوا ما في الجهاد من مشقة، وهو خيرٌ كله، فالمؤمنون بالتزامهم الجهاد يغلبون ويغنمون ويؤجرون، ومن مات فهو شهيدٌ، وعسى أن يحبوا الدعة وترك القتال وهو شرٌ كله، في كون المؤمنين يغلبون ويذلون ويذهب أمرهم 39.
وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن العاقل هو من يستسلم لعلم الله تعالى وتقديره؛ إذ إن علم الإنسان قاصرٌ مهما بلغ من تطور، وفي الآية دليلٌ على أن المسلم ينبغي أن يستشعر بالعجز والتسليم لعلمه تعالى من جهة، وأن يلتزم أمره جل جلاله مهما ظهرت في قشوره الهلكة؛ لأن باطن ذلك الرحمة والخير، ثم إن من رضي بعلم الله تعالى وبما قسمه له فهو من الراضين بقضاء الله تعالى، الذين يستحقون أن يبلغوا المنازل العليا في الجنة.
7.تحصين المجتمع المسلم من الفاحشة.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور: 19] .
وهذه الآية عامة لكل من يحب أن تذيع وتشتهر الفاحشة والرذيلة في الذين آمنوا وإن كان ظاهر الآية يتحدث عن أم المؤمنين عائشة وصفوان وآل أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، حينما قال بعض الناس من المؤمنين لبعضهم: أما بلغك كذا وكذا من خبر عائشة، فإن هذه الآية تبين أن هذا له عذاب حد القذف في الدنيا، وعذابٌ في الآخرة وهو النار، وهذا خاصٌ بمن أحب إشاعة الفاحشة، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن الله تعالى يعلم براءة عائشة رضي الله عنها، وأنه خلقها طاهرة طيبة؛ حتى إن لم يعلم الجميع فإن الله تعالى وحده هو الذي يعلم 40.
العلم وصف للمخلوقات
إن الله تعالى قد وصف المخلوقات من الملائكة والرسل والمؤمنين والجن والشياطين بأنهم يعلمون؛ فمنهم يَعْلَمُ ويُعَلِّمُ سواء أكان هذا العلم خيرًا كما عند الملائكة والنبيين والمؤمنين، أو كان هذا العلم شرًا كعلم الشياطين، أو كان متوقفًا على ضابطٍ يحله أو يحرمه، كعلم الجن، ثم جاء في وصف المخلوقات من الحيوانات والطيور أنهم يسبحون ولا يعلم أحدٌ تسبيحهم إلا الله تعالى.
وسيتم الحديث عنها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الملائكة:
وقد برز ذلك واضحًا في آيات، منها:
قال تعالى: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ?32? ڑ) [البقرة: 32] .
فإن هذه الآية الكريمة تبين عظيم تأدب الملائكة مع ربهم جل شأنه؛ حيث ينزهون الله تعالى عن أن يعلم الغيب أحدٌ سواه، وهذا جوابٌ عن قوله: (انبئوني) في الآية السابقة، فقد أجابوا بأنهم لا يعلمون إلا بما أعلمهم به، ولا يتعاطون بما لا علم لهم به كما يفعله بعض الجهال 41.
وفي الآية دليلٌ على أنه يتوجب على من يسأل عن علمٍ لا يعلمه أن يقول: الله أعلم ولا أدري، اقتداءً بالملائكة 42، كما أنه يستفاد بأن الملائكة لما علمت عجزها عن الإنباء بأسماء الخلق كلهم من دواب، وطيور وغيرهم، عندها بدأت الملائكة جوابها لله تعالى بتنزيهه عن كل نقص، فهو الذي لا يعجزه شيء، ومن ثم فإن أي علمٍ أو قدرةٍ أو تقديرٍ وصلت الملائكة إليه، إنما هو مما علمهم الله تعالى وقدرهم له، ومما أعطاهم الله تعالى به من وجوه الاستطاعة.
وقال تعالى: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ) [الصافات: 164] .
وفي هذه الآية إخبارٌ عن الملائكة، بأنه ما منهم ملكٌ إلا له مكانٌ في السماوات مخصوص، يعبد الله تعالى فيه، وعلى هذا فإن المعلوم هنا يعني المخصوص؛ حيث يضاف إلى استعمالات العلم في القرآن الكريم هذا المعنى 43.
وفي الآية دليلٌ على أن الملائكة لهم تخصصات في العمل، ومقامات في المرتبة، وهم جنود الله تعالى العظماء الذين هم أكثر الخلق -فيما نعلم- عبادةً لله تعالى، والتزامًا بأوامره، وانضباطًا بما يوضعون به من مكان، أو مهام.
وقال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ?10?كِرَامًا كَاتِبِينَ ?11?يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ?12?) [الانفطار: 12] .
وفي هذه الآية تعجب من حال المكذبين بيوم الدين، فكيف يكذبون بيوم الدين، وهو يوم الحساب والجزاء؟! وملائكة الله تعالى موكلون بكم، يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا عليها يوم القيامة 44.
وفي هذه الآيات دلالةٌ على وجوب الاستشعار بجنود الله تعالى مما يحمل ذلك المسلم على مزيد من الخوف من الله تعالى، فإذا كان على يقينٍ بأنه (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ?18?) [ق: 18] ، فعندها يتقرب إلى الله تعالى، ويرتدع عن فعل المنكرات فضلًا عن القول بها، فلا يتفاجأ ذلك المسلم الذي يراقب الله تعالى في كل حركة من حركاته، وفي كل سكنة من سكناته حينما ينصب الميزان، ويوضع الكتاب، فيقول أولئك الموحدون الذين استحقوا دخول الجنة برحمةٍ من الله تعالى حال ندائهم لأصحاب النار: (قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ? قَالُوا نَعَمْ ? فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ?44?) [الأعراف: 44] .
أما المجرمون فإن المفاجأة تتملكهم حين ينصب الميزان، ويوضع الكتاب؛ إذ إنهم كانوا لا يستشعرون جنود الله تعالى الملائكة الحافظين، وعندها يقول هؤلاء المجرمون: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَ?ذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ? وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ? وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدً) [الكهف: 49] .
ولا شك أن هذا الكتاب قد أحصى كل شيء بتقدير الله تعالى وعلمه؛ إذ إن الله تعالى سخر جنودًا لذلك، هم الملائكة الذين هم موكلون بذلك.
ثانيًا: الرسل:
وقد ورد في القرآن الكريم نماذج من الأنبياء والمرسلين الذين آتاهم الله تعالى علمًا يكفيهم لتبليغ رسالة الله تعالى، ومن هؤلاء الأنبياء الذين ورد ذكرهم ما يأتي:
8.أبو البشر آدم صلى الله عليه وسلم.
ومنه قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَ?ؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 31] .
حيث تفصل هذه الآية الكريمة ما أجمله قوله تعالى: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30] .
في الآية السابقة حين أجاب الملائكة عن حكمة خلق آدم؛ فتبين هذه الآية أن الله تعالى علمه الأسماء كلها مما فيه معرفة للخلق من حيوان ودواب وكافة المخلوقات على الأرض، ثم عرضهم على الملائكة؛ ليظهر بذلك كمال فضل آدم عليه السلام، وقصور الملائكة عنه في العلم الذي أعطاه الله لهم، فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي في الآية السابقة بهذا الجواب التفصيلي في هذه الآية 45.
9.أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم: 43] .
أي: إني قد آتاني الله تعالى من العلم -أي: من اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت- ما لم يؤتك به فاقبل مني نصيحتي؛ حتى تبصر هدي الطريق المستوي، الذي لا تضل فيه إن لزمت، وهو الدين الذي لا اعوجاج فيه 46.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الداعية إذا كان عالما في مسائل الدين ينبغي أن ينبه الناس بهذه المسائل، ويحذرهم من مغبة الحيد عنها، واتباع الشيطان.
10.لوط عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) [الأنبياء: 74] .
حيث تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن الأنبياء عليهم السلام؛ فبينت أن الله تعالى آتى نبيه لوطًا عليه السلام القول الفصل والسداد في الحكم، والعلم النافع، ونجاه من القرية التي أهلها يعملون الأعمال الشاذة الخبيثة، وجاءت فاصلة الآية؛ لتبين أن قوم لوطٍ عليه السلام كانوا أهل سوء وخروج عن حد الإنسانية؛ فهم بهيميون في إتيانهم الذكران، وهي فاحشةٌ ما سبقهم بها أحدٌ من العالمين 47.
11.يوسف عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 22] .
حيث إن النبي يوسف صلى الله عليه وسلم لما بلغ منتهى قوته وشبابه أعطاه الله تعالى فهمًا في الحكم وعلمًا نافعًا، وإن مثل هذا الجزاء الذي جوزي به النبي يوسف عليه السلام إنما هو لإحسانه، وفي هذا تسليةٌ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالله تعالى معه، يؤيده وينصره، ويعطيه من مدعمات انتشار الدعوة، والحفاظ عليها، ما يكفيه للاستمرار في ذلك 48.
12.داود عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ? فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ?80?) [الأنبياء: 80] .
حيث ألهمه الله تعالى بصناعة اللبوس الذي تعنيه العرب بأنه السلاح كله، درعًا كان، أو سيفًا، أو رمحًا، أو غير ذلك 49.
13.موسى عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى? آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ?14?) [القصص: 14] .
فإن هذه الآية الكريمة تبين أنه لما اشتد بدن النبي موسى صلى الله عليه وسلم وأعطاه الله تعالى من القوة، وتناهي مرحلة التكوين الشبابية، وتم خلقه، واستحكم في سنين معدودة -ذكر بعضهم أنها أربعون عامًا 50 - عندها آتاه الله تعالى حكمًا وعلمًا، أي: عقلًا وفهمًا في الدين، فعلم وحكم قبل أن يبعث نبيًّا.
وتأتي الفاصل القرآنية؛ لتبين العلة من هذه المكرمة الربانية لموسى صلى الله عليه وسلم، وهي أن هذه الكرامة جزاء المحسنين الذين أحسنوا وأطاعوا 51.
14.محمد صلى الله عليه وسلم.
فقد قال الله تعالى في حقه: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] .
وردت هذه الآية في معرض الحديث القرآني عن قصة بني أبيرق، حيث تبين عظيم فضله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم رحمته به؛ إذ لولا فضل الله تعالى عليه ورحمته لهمت فرقةٌ من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، وإن كانوا أهل إيمان، أن يزلوك عن طريق الحق؛ وذلك لتلبسهم أمر الخائن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم أن هذا الخائن ادعي عليه ظلمًا، بل وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعذره، وأن يقوم بمعذرته في أصحابه.
لكن الله تعالى يبين أن هؤلاء المختانين يأخذون أنفسهم في غير ما أباح الله تعالى لهم الأخذ بها فيه من سبله.
ثم تبين الآية على وجه التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الناس لا يضرون الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى مثبته ومسدده في أموره، ومبينٌ له أمر من سعوا في إضلاله عن الحق في أمره، وأمرهم، ففاضح من ارتكب جريمة السرقة، وفاضحٌ من ستر هذا السارق.
وتبين الآية أيضًا أن الله تعالى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة، بما في ذلك من حلالٍ وحرام، وأمرٍ ونهيٍ وأحكام، ووعدٍ ووعيد، وأن الله تعالى علم نبيه ما لم يكن يعلم من خبر الأولين والآخرين، وما كان وما هو كائنٌ، فكل ذلك من فضل الله تعالى العظيم عليه 52.
ثالثًا: المؤمنون:
وقد ورد ذلك في آياتٍ، منها:
قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247] .
إن هذه الآية خبرٌ عن قوم بني إسرائيل -كما بينت الآية السابقة- نالتهم ذلةٌ وغلبة عدوٍ، فطلبوا الإذن في الجهاد، وأن يؤمروا به، فلما أمروا نكص أكثرهم على أعقابهم، وصبر الأقل، وهذا كله مثالٌ للمؤمنين؛ ليحذروا المكروه منه، ويقتدوا الحسن 53، وتأتي هذه الآية؛ لتفصل ما جرى بين نبيهم صلى الله عليه وسلم وبين قوم بني إسرائيل من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير حالهم، حيث قال لهم -بعد ما أوحي إليه- إن الله تعالى أوحى إلي أن يكون طالوت ملكًا عليكم، وتستأنف الآية؛ لتبين حقيقةً ألا وهي أنهم ردوا بقولهم: من أين يكون وكيف يكون ذلك؟
والحال أنه لا يستحق التملك علينا؛ لوجود من هو أحق منه؛ ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال، فلما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه، وبفقره، رد نبيهم عليهم بأن ذلك اصطفاء من الله تعالى، وزيادةٌ منه جل جلاله لطالوت بوفور العلم؛ ليتمكن من معرفة أمور السياسة، وزيادة في جسامة البدن؛ ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء، ومكابدة الحروب، وقد خصه الله تعالى في العلم والجسم بحظٍ وافر 54.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن وفرة العلم منحةٌ من الله تعالى يمنحها من يشاء من عباده، ومن ثم فإن تقدير العلماء ليس مربوطًا بنسب ولا حسب.
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] .
فإن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن صفات المتقين، فتبين أن من صفاتهم إذا فعلوا فعلةً قبيحةً صغيرةً كانت أم كبيرةً ذكروا الله تعالى المنتقم الغيور خائفين من بطشه وانتقامه، فاستغفروا منه تعالى على الفور راجين منه العفو والستر لذنوبهم، التي صدرت عنهم، ثم إنهم بعد ذلك يعلمون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله تعالى، مما يجعلهم غير مصرين على الذنب، أو العودة إليه، ويعلمون قبح وخامة الإصرار.
وفي هذه الآية دليلٌ على أنه من التحصينات التي يتحصن بها المتقون من الذنوب هو علمهم بربهم من خلال فهم الدين.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] .
حيث بينت هذه الآية الكريمة أن المحكم هو بمعنى الإحكام والإتقان والمنع عما لا ينبغي، بمعنى أنه ما لا يحتمل التأويل ولا النسخ ولا التخصيص ولا التدرج، ويكون معناه واضحًا وضوحًا قويًا، وأما المتشابه فقد اختلف فيه العلماء، وليس هذا هو مقام عرض الخلاف، بل يكفي القول: إن المتشابه هو ما استأثر الله تعالى بعلمه، فيكون المعنى: فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه طلبًا منهم لفتنة الناس في دينهم، والتلبيس عليهم، وإفساد ذات بينهم، ولتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة 55.
ثم يستأنف الرب تعالى مقررًا لحقيقةٍ، ألا وهي أنه ما يعلم المراد من المتشابه إلا الله تعالى، ثم تستأنف الآية مقررةً لحقيقةٍ أخرى، وهي أن الراسخين في العلم يقولون آمنا بالمتشابه رغم أننا لا نعلم كنهه؛ إذ إنه كلٌ من المحكم والمتشابه من عند ربنا، وفي هذه الآية دليلٌ على أن كل من يتصف بالعقل، وأنه صاحب لبٍ ينبغي أن يسلم بالمتشابه، ولا يقحم عقله بفهم مراده.
رابعًا: الجن:
وقد برز ذلك واضحًا في آيات، منها:
قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14] .
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق ذكر قصة النبي سليمان صلى الله عليه وسلم، فتبين أنه لما جاء قضاء الله تعالى على هذا النبي صلى الله عليه وسلم بالموت، عندها لم يستدل الجن على موته إلا بعد أن أكلت الأرضة عصاه، فلما سقط على الأرض علمت الجن -بعد التباس الأمر عليهم- أنهم لو كانوا يعلمون الغيب -كما زعموا- لعلموا موته ساعة مجيئه، ولم يلبثوا بعده حولًا مسخرين إلى أن خر على الأرض، أي: ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين 56.
وقال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 158] .
حيث بين الله تعالى أن من مفتريات الكافرين على الله تعالى أن جعلوا بينه سبحانه وبين العالم الخفي غير المنظور لهم -وهو عالم الملائكة والجن- نسبًا وقرابةً، حيث نسبوا إليه سبحانه الولد، والولد لا يكون إلا من زواج، ولا يكون زواجٌ إلا بين متناسبين متقاربين في الصورة والطبيعة، وهذا العالم الخفي يعلم أنه محضرٌ بين يدي الله تعالى، ومحاسبٌ على ما كان منه، فهم خلق الله، ولم يخرجوا على خلقه، فسبحان الله عما يصفه به هؤلاء المشركون 57.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الجِنَّةَ من ملائكةٍ وجنٍ يعلمون علم اليقين أنهم سيحضرون بين يدي الله.
خامسًا: الشياطين: