جاء القرآن بالعلم الذي يحيي موات القلوب، ويصلح فسادها، ويجلّيها ويوقد سراجها، جاء بمنهجٍ وطريقٍ وركائز لبناء أسمى الحضارات وأنقاها، لم تقم تلك الحضارة على أنقاض حضارةٍ أخرى، ولم تكن وريثةً أو ربيبة لحضارةٍ أخرى، بل قامت على رمال الصّحراء الشّاسعة، وأوقدت شعلتها وأشرقت شمسها بعد ظلام ليلٍ طويلٍ حالكٍ؛ لتنثر ضياءها في ربوع الكون، ولتبدأ البشريّة عهدًا جديدًا في ظلال الإسلام، الذي تولّى قيادة موكب الإنسانيّة قرونًا عديدة، جاء بالرّوح التي تسري في الأمة، فإذا هي حيّةٌ نابضة بعد أن كانت راقدةً خامدة، فالإيمان هو القداح الذي أذكي شعلتها.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .
بينما كانت الجزيرة العربية غارقةً في جاهليةٍ جهلاء، راقدة في سباتٍ عميق، عاطلةً عن لآلئ المعالي جاء الإسلام، وسرت روح الإيمان في جسدٍ هامدٍ سرعان ما دبّت فيه الحياة، وبسقت شجرة الحضارة التي تنبت جذورها في تلك الصّحراء المقفرة، وامتدّت أغصانها في كلّ النّواحي.
إن الحاجة إلى العلم ضروريّةٌ للإنسان، فهو أساس النهضة والتقدم، وعماد الحضارة، وقوام الحياة، وقد قام الإسلام على أساس متين من العلم، وحسبنا أن أول آيات نزلت من الوحي الإلهي إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشارت إلى فضل العلم، حيث أمر بالقراءة، وهي مفتاح العلم، ونوّهت بـ (القلم) ، وهو رمز العلم وأداته التي يدوّن بها.
قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] .
فلا يعرف دين -مثل الإسلام- ولا كتاب -مثل القرآن- أشاد بالعلم، وحثّ عليه، ورغب في طلبه، ونوه بأهله ومكانتهم، وأعلى من قدرهم، وبيّن فضل العلم وأثره في الدنيا والآخرة، وحض على التعلّم والتعليم.
العلم نورٌ وضياءٌ، وهدايةٌ وعصمةٌ، وفضلٌ من الله ونعمةٌ، ومنحةٌ ورحمةٌ، به تنكشف الظلمات، وتنقشع غيوم الفتن، وينجلي غبار الشّبهات، وهو نبراس الحضارة وأساسها، وروحها وملهمها.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] .
قال القرطبي رحمه الله: «وفي الآية دليلٌ على شرف العلم، وإنافة محلّه وتقدّم حملته وأهله، وأنّ نعمة العلم من أجلّ النّعم وأجزل القسم، وأنّ من أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من عباد اللّه المؤمنين» 29.
وقال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .
«أي: في الثّواب في الآخرة، وفي الكرامة في الدّنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمنٍ والعالم على من ليس بعالمٍ. .. ويرفع العلماء منهم خاصة درجاتٍ بما جمعوا من العلم والعمل» 30.
فالرفعة في الدنيا بسموّ المراتب وتبوّء المناصب، وتقلّد الأمور، وتصدّر المجالس، وفي الآخرة بعلوّ المراتب في الجنان.
وقال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] .
قال السعدي رحمه الله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} «كما رفعنا درجات إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة، فإن العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجاتٍ، خصوصًا العالم العامل المعلّم، فإنه يجعله الله إمامًا للناس، بحسب حاله ترمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره، ويمشى بعلمه في ظلمة ديجوره» 31.
ومن البراهين القاطعة والحجج الساطعة على فضل العلم وأدواته ووسائله: افتتاح الله عز وجل كتابه الكريم بصدر سورة العلق: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [1 - 5] .
فكما أنعم الله سبحانه وتعالى على الإنسانية بنعمة الحياة كذلك أنعم عليهم بنعمة العلم الذي يخرج الناس به من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة.
ومن شرف العلم وفضله: أن الله سبحانه وتعالى حثنا على الاستزادة منه وأمر بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .
وبيّن القرآن أن العالم وغير العالم لا يستويان.
قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] .
فالعلم نورٌ وحياةٌ، وغرسٌ وبناءٌ، وسموٌّ وانطلاقٌ، وتقدّمٌ وابتكارٌ، وتحضّرٌ وازدهارٌ، أما الجهل فهدمٌ ودمارٌ، وحيرةٌ وانحدارٌ، وغبشٌ وظلامٌ، وخرافاتٌ وأوهامٌ، وتخبّطٌ وضلالٌ، فأظهرت لنا الآية الكريمة المفارقة العظيمة بين حال العالم، وحال الجاهل، بين بيئة العلم وبين بيئة باض فيها الجهل وأفرخ.
قال الرازي: «هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهّال، لا يعرفه إلا أولو الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء؟ فأجاب العالم بأن هذا أيضًا يدل على فضيلة العلم؛ لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهّال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه» 32.
وقال ابن القيم: «لو لم يكن من فوائد العلم إلا أنه يثمر اليقين الذي هو أعظم حياة القلب، وبه طمأنينته وقوته ونشاطه، وسائر لوازم الحياة» 33.
وبالعلم تسمو الهمم وترقى الأخلاق والقيم، وتضبط المعايير، وتعتدل الموازين، وتتضح الرؤى قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] .
فدعا أهل العلم إلى تسامي الهمم، والتنافس في ميدان الخير والفضيلة، والتسابق إلى عمل الآخرة وثوابها، لا إلى أعراض الدنيا الفانية وملذاتها المنقضية.
والعلم الذي تنهض به أمتنا هو كل علم نافع، سواء كان من علوم الشريعة أم من علوم الطبيعة، أقصد كل العلوم التي يحتاجها الناس في حياتهم؛ كالطبّ والهندسة والزراعة والكيمياء وعلم الأحياء وعلم الفيزياء وعلم الإحصاء وسائر العلوم التي تعدّ من المقومات الأساسية للنهضة الحضارية، العلوم التي توجّه الإنسان وتأخذ بيده وتيسّر له القيام بمهمته في الوجود.
ولقد تحدث العلماء عن فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم بها أحد أثم كلّ قادر على القيام بها، ومن هذه الفروض تعلّم العلوم التي تستغني بها الأمة عن أعدائها، وتدافع بها عن كيانها، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة الأنفال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] .
فكل قوة يستطيع المسلمون إعدادها ثم يقصّرون فإنهم آثمون، والعلوم الحديثة بكل جوانبها واجبة على الأمة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكل ما يحتاج إليه المسلمون من العلوم ليحقق لهم التفوق على غيرهم ولتكون لهم القوة على عدوهم، فهو فرض كفائي عليهم، تأثم الأمة إذا فرّطت فيه.
من أهم الأسباب إلى التقدم والنهوض والحضارة والرقي: التوكل على الله تعالى، فبيده مقاليد كل شيء، وهو المدبر لهذا الكون المصرّف له، وبيده مفاتيح الرحمات والبركات والعطايا، مع الأخذ بالأسباب الموصلة للتقدم والنهوض، فالله تعالى جعل الأخذ بالأسباب وتأثيرها سنةً في هذا الكون لابد من أخذها بعين الاعتبار ومراعاتها من أجل إصلاح الكون وعمارته، فالتوكل على الله تعالى من عوامل النجاح ومفاتح التيسير والقبول.
قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
ومن أحبه الله أيّده وسدّده.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] ، فاعبده حق العبادة، وتوكل عليه حقّ التوكّل، وما ربك بغافل عن أعمال العباد، بل مطّلعٌ عليها ومحصيها؛ ليجازيهم بها.
والتوكل من أسباب النصر والتمكين.
قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) } [آل عمران: 160] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 41 - 42] .
فالتضحية والبذل والعطاء مع لزوم الصبر والتوكل من أسباب السعادة والهناء والاستقرار في الدنيا مع حسن المكانة والمنزلة.
والسبب في اللغة كل شيء يتوصل به إلى غيره 34.
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 83 - 93] .
فذو القرنين هيأ الله له الأسباب ومكّن له فارتقى بالأسباب وطوّر من ملكاته وإمكاناته، حتى ملك ما بين المشرق والمغرب، ونشر العدالة والرحمة بينهما بإيمانه وتوكله ومراعاته لسنَّة الأخذ بالأسباب، واجتهاده ومهارته في الأخذ بالأسباب وإتباع بعضها بعضًا، قال الزمخشري: السبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة 35.
فقانون السببية، أي: ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها، هذا القانون عام شامل لكل ما في العالم، ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة. وقد زعم البعض أن من تمام التوكل ترك الأسباب حتى التي جرت عادة الناس بها كحمل الزاد في السفر مثلًا حتى قيل: إن من تمام التوكل أن لا يحمل المتوكل الزاد في سفره للحج، بل وفي غيره من الأسفار، فيدخل إلى الصحراء بلا زاد ولا ماء.
قال ابن تيمية رحمه الله في ردّه على هذا القول: «وهذا القول وأمثاله من قلّة العلم بسنّة الله في خلقه وأمره، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب، وشرع للعباد أسبابًا ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة، فمن ظنّ أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه، وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسبابًا لها فهو غالط» 36.
وقال ابن القيم: «والله أمر بالقيام بالأسباب، فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضادّ الله في أمره، وكيف يحلّ لمسلم أن يرفض الأسباب كلّها؟» 37.
رابعًا: التقوى والاتباع:
تقوى الله تعالى من أهم أسس البناء الحضاري، وحصونه المنيعة، فتقوى الله زادٌ وسراجٌ وعصمةٌ ومنهاج، وتقوى الله تعالى دافعٌ لعمل الصالحات واجتناب المحرمات وإتقان الأعمال ومراقبة الله تعالى في جميع الأحوال، والمبادرة إلى البرّ، والحرص على الخير، والأتقياء هم الصادقون الناصحون، الأوفياء الصالحون، العاملون المتقنون، العابدون المحسنون، الرحماء المتسامحون.
وقد عرّف التقوى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في تفسيره لقول الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .
فقال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر 38.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات، ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه أوامر الله في حركاته، وسكناته، وكلماته فيمتثلها، وذكره نواهيه في ذلك كله فيجتنبها 39.
ومن صفات المتقين وأحوالهم كما بيّن القرآن: الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والإنفاق في وجوه البرّ الخير والإيمان بالقرآن وبما قبله واليقين بوعد الآخرة، والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وفي القتال: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 1 - 5] .
وقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .
والمتأمل في هذه الصفات يجدها تجمع بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، استقامة في الدين والحياة، كما يلمس التلازم بين هذه الصفات فلا تنفكّ عن صاحبها ولا تتحقق ثمارها إلا بمجموعها، وأن الإيمان والعبادة تبدو ثمارها ويظهر آثارها في معاملة الناس، وأن العقيدة والعبادة والشريعة والأخلاق منظومةٌ واحدةٌ وعقدٌ واحدٌ لا تنفرط حبّاته، وأن للتقوى ثمراتها التي تعود على النفس والمجتمع، وأنها السبيل إلى تزكية النفوس وطهارة القلوب وارتقاء الأخلاق وسموّ الأرواح وبناء المجتمعات.
ومن ثمرات التقوى:
-الفلاح في الدارين، والفلاح: التوفيق لتحقيق الغايات وتيسير الوصول إليها: (? ? ? ?) [البقرة: 189، وآل عمران 130، 200] . وقال تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 35] .
-العصمة من الزيغ والانحراف، والنجاة من مكائد الأعداء: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 120] .
-الأمن والسعادة: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 35] .
-حصول البركات من السماء والأرض: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 96] .
-الزيادة في العلم: (? ? ? ? ? ?) [البقرة: 282] .
-التوفيق والسداد وصلاح الأعمال: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 70 - 71] .
-البصيرة وقوة الإدراك والتمييز: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [الأنفال: 29] . وقال تعالى: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحديد: 28] .
-حسن العاقبة: (ہ ہ ھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 128] . وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [طه: 132] .
-معية الله تعالى في الدارين: ومعية الله تعالى سبيل للتوفيق والعصمة والسداد وتسهيل الصعاب والنصر والتمكين: (? ? ? ? ? ? ں) [البقرة: 194] .
ولا شك أن اجتماع هذه الثمرات واجتناءها يعود بالمصلحة على المجتمع المسلم، ويدفعه إلى النهوض والتقدم والارتقاء الحضاري.
والاتّباع: من أهم أسس البناء الحضاري والانطلاق نحو التقدم والنهوض، فالقرآن كتاب النهوض والارتقاء وشريعة الإسلام ومنهاجه دستور الحضارة، وقد أمرنا الله تعالى باتّباع كتابه ففيه الخير والبركة، والهداية والرشاد.
وحين يأتلف الناس على اتّباع منهج واحد ففي ذلك الخير العميم للإنسانية.
وقد جعل الله تعالى شرعة ومنهاجًا وهدى للإنسانية تتبعه وتنتهجه وتسير عليه، هذا الهدى فيه الخير والفلاح والرضا والنجاح، وفيه الأمن والعافية وفيه السعد والهناء.
قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] .
وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] .
وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام: 153] .
ولما أمر الله باتّباعه أمر باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم الذي بلغ عن ربه بلاغًا قوليًّا وتطبيقيًّا، فبين تعالى أن من مقتضيات محبته اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ} [آل عمران: 31] .
والذين يتبعون ما أنزل الله هم الذين ينتفعون بالنذر، فلهم البشرى، قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11] .
وقال تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الأحزاب: 2] .
وأمر الله تعالى باتّباع صراطه المستقيم، ففيه وحدة الصف ولمّ الشمل والحفاظ على الطاقات والأوقات من التخبط والحيرة والاختلاف والتفرق وتبديد الجهود، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام: 153] .
وبين تعالى أن للهداية طريقًا واحدًا طريقًا واضحًا هو طريق الاتباع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] .
والاتّباع لابد وأن يكون مصحوبًا بإتقانٍ ومراقبة لله تعالى، وتحرٍّ للصواب.
قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] .
ولقد كان سلفنا الصالح -رحمهم الله- متجاوبين مع القرآن الكريم؛ امتثالًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، وتصديقًا ويقينًا بوعده ووعيده، واعتبارًا وانتفاعًا بمواعظه وأمثاله، قد أشربت قلوبهم حبّه، حتى جرى في أرواحهم وعقولهم مجرى الدّم في العروق، وانعكست آدابه وأخلاقه على سلوكهم وحياتهم كلها، فكانوا صورًا حية لهداية القرآن.
خامسًا: توظيف المال: