فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 2431

أي: فاعل ما يلام عليه، وظن أن الله لا يضيّق عليه في بطن الحوت، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فأقرّ لله تعالى بكمال الألوهية، ونزّهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته، {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} أي الشدة التي وقع فيها {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بيونس عليه السلام 97.

ثانيًا: التوبة على الثلاثة الذين خلّفوا:

أخبر سبحانه وتعالى عن توبته على الثلاثة الذين خلّفوا من الأنصار، قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] .

يخبر سبحانه وتعالى عن الثلاثة الذين خلّفوا عن غزوة تبوك -وهم كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الربيع- حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بسعتها غمًا وندمًا على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضاقت عليهم أنفسهم بما نالهم من الوجد والكرب بذلك، وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينجّيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم؛ لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه، إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفّق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه 98.

قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} لما كان هذا القول في تعديد نعمه بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز وجل؛ ليكون ذلك منبّهًا على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره، ولو كان القول في تعديد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي عن المذنب، كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ؛ ليكون هذا أشد تقريرًا للذنب عليهم، وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه .. وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك؛ لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب منازلهم منه وتقدّمهم فيه؛ إذ هم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين، إذ كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر. وفي هذا ما يقتضي أن الرجل العالم والمقتدى به أقل عذرًا في السقوط من سواه 99.

وفي الآية: دليل على أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد.

وقد ذكر البخاري في صحيحه حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالكٍ عن أبيه قال: سمعت أبي كعب بن مالكٍ وهو أحد الثّلاثة الّذين تيب عليهم أنّه لم يتخلّف عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ غزاها قطّ غير غزوتين، غزوة العسرة، وغزوة بدرٍ، قال: فأجمعت صدقي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضحًى، وكان قلّما يقدم من سفرٍ سافره إلّا ضحًى، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين، ونهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبيّ، ولم ينه عن كلام أحدٍ من المتخلّفين غيرنا، فاجتنب النّاس كلامنا، فلبثت كذلك حتّى طال عليّ الأمر، وما من شيءٍ أهمّ إليّ من أن أموت فلا يصلّي عليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو يموت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأكون من النّاس بتلك المنزلة، فلا يكلّمني أحدٌ منهم ولا يصلّي ولا يسلّم عليّ، فأنزل اللّه توبتنا على نبيّه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثّلث الآخر من اللّيل، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند أمّ سلمة، وكانت أمّ سلمة محسنةً في شأني معنيّةً في أمري، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (يا أمّ سلمة، تيب على كعبٍ) . قالت: أفلا أرسل إليه فأبشّره، قال: (إذًا يحطمكم النّاس فيمنعونكم النّوم سائر اللّيلة) . حتّى إذا صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة اللّه علينا وكان إذا استبشر استنار وجهه حتّى كأنّه قطعةٌ من القمر، وكنّا أيّها الثّلاثة الّذين خلّفوا عن الأمر الّذي قبل من هؤلاء الّذين اعتذروا حين أنزل اللّه لنا التّوبة، فلمّا ذكر الّذين كذبوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من المتخلّفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشرّ ما ذكر به أحدٌ، قال اللّه سبحانه: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} 100.

ثالثًا: توبة حفصة وعائشة رضي الله عنهما:

أخبر سبحانه وتعالى عن حفصة وعائشة رضي الله عنهما أنه وجد منهما ما يوجب التوبة حيث مالت قلوبهما إلى محبة ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إفشاء سرّه.

قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 3 - 4] .

«يقول تعالى ذكره: إن تتوبا إلى الله أيتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبة ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحريم ما كان له حلالًا مما حرمه على نفسه بسبب حفصة» 101.

فلما سمعن -رضي الله عنهن- هذا التخويف والتأديب، بادرن إلى رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

-تنوعت أساليب القرآن في الحث على التوبة على النحو الآتي:

أولًا: أسلوب الطلب:

قال تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في طلبهما التوبة من الله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] .

قوله تعالى: {وَتُبْ عَلَيْنَا} استتابة لذريتهما وحكايتها عنهما لترغيب الكفرة في التوبة والإيمان، أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهوًا، قالاه هضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذريتهما، {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وهو تعليلٌ للدعاء، ومزيد استدعاء للإجابة، قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له فليدع الله عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاته 102.

ففي هذا الدعاء إرشاد للمؤمنين للاقتداء بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في طلب التوبة من الله تعالى.

ثانيًا: أسلوب الأمر:

قال تعالى آمرًا عباده بالتوبة مما يقع منهم من تقصير: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] .

أي: وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم، من غضّ البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غير بيوتكم من غير استئذان ولا تسليم، وغير ذلك من أمره ونهيه 103.

قوله تعالى: {وَتُوبُوا} أمر. ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، وأنها فرض من فرائض الدين 104.

وهو دعوة للمؤمنين والمؤمنات إلى التوبة إلى الله، والرجوع إليه من قريب؛ حيث إن الإنسان في هذه المواقف معرّض للزلل والعثار، من خطرات نفسه، أو نظرات عينه، أو فحش لسانه، إلى غير هذا مما لا يكاد يسلم منه أحد، وليس لهذا من دواء إلا التوبة إلى الله من كل زلّة أو عثرة .. فإن هذه التوبة هي التي تصحّح للمؤمن إيمانه، وتبقي على ما في قلبه من جلال وخشية لله رب العالمين 105.

وفي الآية: أمر بالتوبة مطلقًا من كل شيء صغير وكبير.

وأمر الله المؤمنين بالتوبة النصوح، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8] .

أمر بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان 106.

قال العلماء: التوبة النصوح هي: أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه 107.

وكان من أساليب الرسل في دعوة أقوامهم أمرهم بالتوبة: قال موسى عليه السلام لقومه: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] . أي: خالقكم.

وقال هود عليه السلام آمرًا قومه بالتوبة: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] .

وقال: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] .

وقال صالح عليه السلام آمرًا قومه بالتوبة: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61] .

وقال تعالى: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 74] .

قال الفراء: «هذا أمر في لفظ الاستفهام» 108.

ثالثًا: أسلوب الترغيب والترهيب:

قال تعالى في سياق الحديث عن المنافقين مرغّبًا لهم في التوبة، ومرهّبًا لهم إن أعرضوا عنها كعادة القرآن في ذكر الترهيب بعد الترغيب والعكس: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74] .

هو تنبيه لهؤلاء الضالّين، وإشارة مضيئة تطلع في ليلهم المطبق عليهم؛ رجاء أن يتوبوا إلى الله، ويستقيموا على طريق الحقّ، فإن فعلوا رشدوا وأمنوا، وإن أبوا، ضلوا وهلكوا، وأخذهم الله بالعذاب الأليم في الدنيا، بما يصيبهم على يد المؤمنين من خزى وبلاء، وبعذاب السعير في الآخرة، حيث لا ولىّ لهم، ولا نصير، يردّ عنهم بأس الله الواقع بهم 109.

رابعًا: الأسلوب الخبري:

أخبر سبحانه وتعالى أنه يتوب على عباده كما قال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] .

وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26] .

{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] .

وقال تعالى: {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 73] .

وإظهار اسم الجلالة في قوله: {وَيَتُوبَ اللَّهُ} وكان الظاهر إضماره؛ لزيادة العناية بتلك التوبة؛ لما في الإظهار في مقام الإضمار من العناية 110.

ومن أمثلة الأسلوب الخبر: الإخبار عن محبة الله للتائبين.

فقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه يحب من يرجع إليه تائبًا من ذنوبه، وهذا من لطفه بعباده، وحثًّا للاقتداء بهم.

قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] .

أي: من ذنوبهم على الدوام 111.

فهي دعوة إلى التزام الطريق القويم لمن كان قد انحرف عنه، وأتى المرأة من غير المأتى الطبيعي لها، فباب التوبة مفتوح لمن أناب إلى الله والتزم حدوده، فالتوبة تغسل الحوبة .. وليس مصيبة الإنسان في أن يخطيء ويزل، فالإنسان بحكم أنه بشرٌ عرضة للخطأ والزلل، ولكن المصيبة ألّا يتأثّم من الإثم، ولا يتحرج من الانحراف، فيقيم على إثمه، ويصر على انحرافه، وليس يستنقذ الإنسان من أن يحيط به ذنبه إلّا أن يرجع إلى الله من قريب، وأن يلقاه نادمًا تائبًا، هنالك يجد من ربه رحمة ومغفرة، ورضى ورضوانًا 112.

وقد روى مسلم بسنده عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم (للّه أشدّ فرحًا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالّته إذا وجدها) 113.

ومن أمثلة الأسلوب الخبري: الثناء على التائبين.

فأخبر الله سبحانه وتعالى أن من صفات المؤمنين الذين لهم البشارة بدخول الجنة أنهم الراجعون عما كرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه؛ وذلك حثًّا لعباده على الاقتداء بهم.

قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] .

التائبون: هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله، والتائب هو الراجع. والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين 114. «والتوبة شعور بالندم على ما مضى، وتوجّهٌ إلى الله فيما بقي، وكفٌّ عن الذنب، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك. فهي طهارة وزكاة، وتوجّهٌ، وصلاح» 115.

وفي سياق تهديد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالطلاق وإبداله خيرًا منهن من النساء اللاتي من صفاتهن أنهن راجعات إلى ما يحبه الله من طاعته، حثًّا للمؤمنات على الاقتداء بهن في الخيرية، قال تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ا} [التحريم: 5] .

والتوبة هي الندم على ما وقع من معصية، والاتجاه إلى الطاعة 116.

-للتوبة إلى الله ثمرات، وللمعرضين عنها عاقبة، نتناولهما فيما يلي:

أولًا: ثمرات التوبة:

ذكر القرآن ثمرات للتوبة؛ لحض العباد على المسارعة إليها، منها:

1.الفلاح في الدنيا والآخرة.

علّق الله سبحانه وتعالى الفلاح على التوبة، فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31] فمن سبل الفلاح التوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، ودل هذا أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة؛ لأن الله خاطب المؤمنين جميعًا، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ} أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة 117.

2.دعاء حملة العرش للتائبين.

ذكر سبحانه وتعالى دعاء الذين يحملون عرش الرحمن من الملائكة ومن حول العرش ممن يحف به منهم، بالمغفرة للذين تابوا من الشرك والمعاصي.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7] .

أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات 118.

3.المتاع الحسن.

ذكر الله سبحانه وتعالى أن هودًا عليه السلام دعا قومه أن يسألوا الله أن يغفر لهم ذنوبهم، ثم يرجعوا إليه نادمين يمتعّهم في دنياهم متاعًا حسنًا بالحياة الطيبة فيها، إلى أن يحين أجلهم.

قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] .

أي: استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا، ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت 119.

وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة، كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون. والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهًا حقيقيًا لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبيء عن خشية الله، ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعًا، إلا فاضت فيها الخيرات، ومكّن الله لها في الأرض، واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء 120.

ووصف المتاع «بالحسن» إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه وفرحه بالتقرب إليه بمفترضاته والسرور بمواعيده 121. وفي الآية دلالة على أن ثمرة الاستغفار والتوبة سعة الرزق ورغد العيش.

4.إبدال السيئات حسنات.

ذكر الله سبحانه وتعالى أن من تاب من الذنوب توبة نصوحًا وآمن إيمانًا جازمًا مقرونًا بالعمل الصالح، فأولئك يمحو الله عنهم سيئاتهم ويجعل مكانها حسنات؛ بسبب توبتهم وندمهم.

قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70] .

أي: تتبدل أفعالهم وأقوالهم السيئة تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيمانًا، ومعصيتهم طاعة، وتتبدل نفس السيئات التي عملوها ثم أحدثوا عن كل ذنب منها توبة وإنابة وطاعة تبدّل حسنات 122، وهو فيض من عطاء الله لا مقابل له من عمل العبد إلا أنه اهتدى ورجع عن الضلال، وثاب إلى حمى الله، ولاذ به بعد الشرود والمتاهة 123.

وفي الآية دلالة على أن باب التوبة دائمًا مفتوح، يدخل منه كل من استيقظ ضميره، وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد، ولا يغلق في وجه لاجئ، أيًا كان، وأيًا ما ارتكب من الآثام.

وقد روى مسلم بسنده عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم (إنّي لأعرف آخر أهل النّار خروجًا من النّار، وآخر أهل الجنّة دخولًا إلى الجنّة، يؤتى برجلٍ فيقول: نحّوا كبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإنّ لك بكلّ سيّئةٍ حسنةً، فيقول: يا ربّ عملت أشياء لا أراها هاهنا) قال: فضحك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه 124.

5.الإمداد بالمطر وقت الحاجة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت