فهرس الكتاب

الصفحة 1622 من 2431

ولم يقتصر القرآن الكريم على إباحة عفو كلٍّ من الزوجين عما له، أو عليه للآخر، بل ذهب إلى حثهما على ما هو أكمل، فرغبهما جميعًا في العفو فقال: (وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ?) [البقرة: 237] .

خطاب للرجال والنساء جميعًا إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى، أما في اللفظ فلأنك تقول: قائم، ثم تريد التأنيث، فتقول: قائمة. فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل، والدال على المؤنث فرع عليه، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث؛ فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلبًا.

ومعنى الآية: عفو بعضكم عن بعض أقرب إلى حصول معنى التقوى، وإنما كان الأمر كذلك لوجهين:

الأول: أن من سمح بترك حقه فهو محسن، ومن كان محسنا فقد استحق الثواب، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله.

والثاني: أن هذه الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة؛ لأن من سمح بحقه -وهو له معرض- تقربا إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق.

ثم قال تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) وليس المراد منه النهي عن النسيان؛ لأن ذلك ليس في الوسع، بل المراد منه الترك، فقال تعالى: ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سببا لتأذيها منه، وأيضًا إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرًا من غير أن ينتفع بها البتة صار ذلك سببا لتأذيه منها.

فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذي عن قلب الآخر، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجري مجرى التهديد على العادة المعلومة، فقال: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) 169.

فمن عفا كان أقرب لتقواه؛ لكونه إحسانًا موجبًا لشرح الصدر؛ ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة؛ لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب، وإعطاء الواجب، وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجبٍ والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصًا لمن بينك وبينه معاملة أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم؛ ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) 170.

ومن مجالات العفو الاجتماعية التي ينبغي أن تسود بين الرجل وزوجته في حال ارتباطهما: العفو في النفقة وهو ما يمكن أن نطلق عليه «إنفاق العفو» ؛ لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: 219] .

فيجب على الزوج أن ينفق على زوجته حسب قدرته، وعليها أن ترضى بذلك، وإن قصر في ذلك فينبغي لها أن تعفو عنه، وكذلك ينبغي للرجل أن ينفق على أقربائه الفقراء بحسب قدرته، وليس هذا فحسب، بل ينبغي له أن ينفق في وجوه الخير، سواء كان ذلك واجب عليه أم مندوب إليه.

وهذا هو التكافل الاجتماعي الذي حث القرآن عليه، ورغب فيه، كما دلت على ذلك نصوص كثيرة جدًا.

قال تعالى: (إِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن: 14] .

فقد استدل بها على أنه لا ينبغي للرجل أن يحقد على زوجه وولده إذا جنوا معه جناية، وأن لا يدعو عليهم 171.

ومن مجالات العفو الاجتماعية: عفو الغني عن الفقير، والقريب عن قريبه؛ لقوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ?) [النور: 22] .

فقد نزلت في حث أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مواصلة نفقته على مسطح بعد أن منعها عنه؛ بسبب ولوغه في عرض ابنته الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، كما سبق أن ذكرنا ذلك.

قال ابن سعدي عند تفسيره لهذه الآية: «وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم» 172.

فقد جاء عن بعض السلف: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] .

قال أبو العالية: يريد المماليك.

قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن على جهة المثال، إذ هُم الخَدَمة، فهم مذنبون كثيرًا، والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل؛ فلذلك مثل هذا المفسر به 173.

وكذلك عفو الإنسان عن جلسائه وخلطائه عموما، كما تدل على ذلك عمومات سياق الآيات الواردة في الحث على العفو.

وبالجملة فإن العفو خلق نبيل ينبغي أن يسود بين الناس جميعًا، وفي الحياة كلها، وإلا لتكدرت الحياة، ولنغصت المعيشة، ولأصبحت جحيمًا لا يطاق.

ثانيًا: العفو في مجال العقوبات:

شرع الله العقوبات لما يترتب عليها من الفوائد العظمية، والمصالح القويمة؛ كإقامة العدل، وزجر الجاني، وإصلاحه، وحجزه عن غيه، وردع غيره ممن تسول لهم أنفسهم أن يسلكوا مسلكه، وما أشبه ذلك.

والعقوبات التي شرعها الله كثيرة، ومنها: عقوبة القصاص فيما إذا كان القتل عمدًا.

ومع أن الله تبارك أوجب عقوبة القصاص على الجاني الذي قتل عمدًا، فقد حث على العفو عن هذه العقوبة مقابل الدية، سواء كانت هذه العقوبة عقوبة قتل، أو ما دون ذلك من الجراحات فقال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] .

قال ابن عباس رضي الله عنه: «أن يقبل الدية في العمد {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان» 174.

وهذا المعنى رجحه كبار أئمة التفسير كابن جرير، فقد قال: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فمن صفح له من الواجب كان لأخيه عليه من القود عن شيء من الواجب على دية يأخذها منه {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ} من القاتل ذلك {بِإِحْسَانٍ} » 175.

وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فيها أربع تأويلات:

أحدها: أن {مَنْ} يراد بها القاتل {عُفِيَ} يتضمن عافيا هو ولي الدم والأخ هو المقتول، ويصح أن يكون هو الولي على هذا التأويل، وهي أخوة الإسلام، و {شَيْءٌ} هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية والعفو في هذا القول على بابه والضميران راجعان على {مَنْ} في كل تأويل.

والتأويل الثاني: أن {مَنْ} يراد بها الولي، و {عُفِيَ} بمعنى يسر لا على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، و {شَيْءٌ} هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الإسلام، ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا التأويل المقتول أي: يسر له من قبل أخيه المقتول وبسببه، فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام.

والتأويل الثالث: أن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها، وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة حسبما ذكرناه آنفا، فمعنى الآية فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات، ويكون عفي بمعنى فضل من قولهم: عفا الشيء إذا كثر، أي: أفضلت الحال له أو الحساب أو القدر.

والتأويل الرابع: في الفضل بين دية المرأة والرجل والحر والعبد، أي: من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف، و {عُفِيَ} في هذا الموضع أيضًا بمعنى أفضل، وكأن الآية من أولها بينت الحكم إذا لم تتداخل الأنواع ثم الحكم إذا تداخلت، و {شَيْءٌ} في هذه الآية مفعول لم يسم فاعله، وجاز ذلك و {عُفِيَ} لا يتعدى الماضي الذي بنيت منه من حيث يقدر {شَيْءٌ} تقدير المصدر، كأن الكلام: عفي له من أخيه عفوٌ، و {شَيْءٌ} اسم عام لهذا وغيره، أو من حيث تقدر: {عُفِيَ} بمعنى ترك فتعمل عملها، والأول أجود، وله نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى: {وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} [هود: 57] .

قال الأخفش: التقدير: لا تضرونه ضرًا، ومن ذلك قول أبي خراش 176:

فعاديت شيئًا والدريس كأنما

يزعزعه وردٌ من الموم مردم

فإن قيل: لِمَ قيل شيء من العفو؟

والجواب: من وجهين:

أحدهما: أن هذا إنما يشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط، فحينئذ يقال: القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله: {شَيْءٌ} فائدة، أما إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضًا؛ لأن له أن يعفو عن القود دون المال، وله أن يعفو عن الكل، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} .

والجواب الثاني: أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة؛ لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر في سقوط القود، إلا أن يكون عفوًا عن جميعه، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود، وعفو بعض الأولياء عن حقه، كعفو جميعهم عن حقهم، فلو عرف الشيء كان لا يفهم منه ذلك، فلما نكره صار هذا المعنى مفهومًا منه؛ فلذلك قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} 177.

فإن قيل: لم قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ولم يقل: «فمن عفا له أخوه شيئا» ؟

قيل: العدول إلى هذا البناء للطيفة، وهي أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم واحدًا، فعفا أو جماعة فعفا واحد منهم أنه يبطل حق القصاص ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} ليدل على هذا المعنى.

وقيل: {فَاتِّبَاعٌ} هو أمر للعافي بحسن المطالبة، والهاء في قوله: {أَخِيهِ} يجوز أن يكون للمقتول، ويكون لولي المقتول، وجعله أخًا لولي الدم لا للنسبة ولا للموالاة الدينية، ولكن للإحسان الذي أسداه إليه وأجرى العهد مجرى الخطأ في الرضا منه بالدية 178.

وإذا عفا ولي الدم عن القصاص مقابل الدية فله أخذها، وإن لم يرض بذلك القاتل، وهذا مذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين 179 ورجح ذلك القرطبي 180.

ولم يقتصر القرآن على الحث على العفو عن عقوبة القصاص مقابل الدية فيما إذا كان القتل عمدًا، وإنما حث على ما هو أولى وأكمل، وهو العفو عن عقوبة القصاص والدية معًا.

وهذا فيما إذا كان القتل عمدًا، أما إذا كان القتل خطأ فإنه لا يجب القصاص «والحالة هذه» ، بل الواجب الدية فقط، وقد حث القرآن أيضًا على العفو عنها فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] .

قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «وقوله: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} إلى أهله هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم وقوله: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب» 181.

والعفو عن عقوبة القصاص في قتل العمد مقابل الدية، أو عنهما جميعا أيضًا، أو العفو عن الدية في قتل الخطأ مقيد بما إذا كان الجاني أهلًا لذلك، وأما إذا لم يكن أهلًا لذلك فالأولى أن لا يعفى عنه، بل يعاقب على فعله؛ حتى يرتدع؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] .

فقيد العفو بالصلاح، أما إذا كان ليس أهلًا للعفو فلا يعفى عنه.

وبعد هذا كله ننبه إلى أن العفو المندوب إليه في مجال العقوبات مقتصر على العقوبات المختصة بالأبدان والأموال، كعفو أولياء الدم عن عقوبة القصاص مقابل الدية، أو عنهما معا؛ لما في العفو عن ذلك من المصالح العظيمة التي تعود على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، وأما العقوبات المتعلقة بالأعراض فلا يعفى عنها كعقوبة الزنا، أو عقوبة القذف، فلا يعفى عنها بحال من الأحوال، بل يجب أن تقام مثل هذه العقوبات حتى يرتدع الناس؛ لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] .

فهذه الآية بينت حكم الزاني والزانية البكرين، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة، وأما الثيب، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة، أن حده الرجم، ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة بهما في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه فلا نرحمه من هذا الجانب، وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين؛ ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع؛ وليشاهدوا الحد فعلا، فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل مما يقوي بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة الصواب فلا يزاد فيه ولا ينقص 182.

فهذه العقوبات لا يعفى عنها بحال من الأحوال بل يجب أن تقام؛ لأنه لا فائدة من العفو عنها بل في العفو عنها والتساهل في إقامتها مفاسد عظيمة، وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة.

وأيضًا لا يعفى عن العقوبات المتعلقة بحقوق الله تعالى، أو حقوق رسوله صلى الله عليه وسلم، كعقوبة حد الردة، وما أشبه ذلك، فليس لأحد من البشر كائنًا من كان أن يعفو عنها، بل يجب على أولياء الأمور تنفيذها؛ لأن الله سبحانه قد استخلفهم في الأرض ليقوموا بذلك حق القيام، وعليهم أن يحذروا من التهاون في ذلك.

للعفو آثار جليلة في الدنيا والآخرة نتحدث عنها فيما يلي:

أولًا: آثار دنيوية:

للعفو آثار عظيمة دنيوية وأخروية، فمن آثار العفو الدنيوية:

1.سقوط القصاص.

فإذا عفا جميع أولياء المجني عليه، أو عفا بعضهم، وذلك فيما إذا كان القتل عمدًا.

وبذلك يكونون قد عصموا دمه، وأنقذوه من القتل كما دل على ذلك قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .

قال بعض المفسرين: «ومن أحياها بالعفو عن القاتل أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعًا» 183.

وإذا عفا أولياء المجني عليه أو بعضهم عن القصاص من الجاني وجب على عاقلة الجاني أن يدفعوا لأولياء المجني عليه الدية؛ لقوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] .

وكذلك إذا عفوا عن القصاص والدية معا في العمد سقط ذلك كله، وكذلك لو عفوا عن الدية في الخطأ سقط ذلك.

2.التيسير والتخفيف.

والتيسير اختص الله به هذه الأمة دون ما سواها من الأمم السابقة؛ لقوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا 184.

قال سعيد بن جبير: «كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد، ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه دية، فرخص الله لأمة محمد، فإن شاء ولي المقتول عمدًا قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية» 185. فإذا عفا أولياء المجني عليه عن القصاص مقابل الدية فقد حققوا هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة.

3.إصلاح المعتدي والمسامح.

فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة، ولم يجئ ضعفًا فإنه سيخجل ويستحي، ويحس بأن خصمه الذي عفا عنه هو الأعلى، والمسامح حينما يعفو تصفو نفسه وتعلو، فالعفو عندئذ خير لهما معًا.

4.حل المشاكل الأسرية.

قال تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14] .

قال الشنقيطي: «أي: إن عداوة الزوجة والأولاد لا ينبغي أن تقابل إلا بالعفو والصفح والغفران، وأن ذلك يخفف أو يذهب أو يجنب الزوج والوالد نتائج هذا العداء، وإنه خير من المشاحنة والخصام» 186.

5.تطهير النفس من الحقد.

بوب الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح بابا بعنوان: «باب الانتصار من الظالم؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} » [الشورى: 39] .

قال إبراهيم النخعي: «كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا» 187.

6.التغلب على النفس.

قال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .

فالذي يعفو يتغلب على نفسه، ولا يستجيب لرغبتها في الانتقام والانتصار.

فإذا عفا الإنسان فقد ارتقى بنفسه إلى المراتب العلية، وإلى الأخلاق النبيلة، والمثل الفاضلة.

7.حفظ الدماء.

فالعفو يقضي على النعرات الجاهلية، والعصبيات المقيتة، ويخمد فتنة الثأر.

8.حصول التقوى.

قال تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا، فقل: يا أخي، اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور» 188.

9.يصلح بين المتخاصمين.

قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .

10.الأجر والمثوبة.

العفو من الأعمال الصالحة التي يأجر الله العبد عليها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] .

أي: إن الله يأجره على ذلك، قال مقاتل: «فكان العفو من الأعمال الصالحة» 189.

11.نيل محبة الله.

قال تعالى: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسنا فقد أحبك الله» 190؛ لقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .

فإذا عفا الإنسان عمن أساء إليه، وهو قادر على إنفاذ العقوبة؛ نال بذلك محبة الله تبارك وتعالى، فهو تبارك وتعالى عفو يحب العافين، وإذا أحب الله العبد وضع الله القبول في الأرض.

ثانيًا: آثار أخروية:

للعفو آثار أخروية منها:

1.تكفير ذنوب العافي.

فإذا عفا عن الجاني جنايته، وخاصة إذا عفا عن القصاص؛ لقوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] شرط وجوابه، أي: تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي: لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وأجر المتصدق عليه.

قال ابن العربي: «والذي يقول: إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل، فلا معنى له» 191.

{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} أي: بالقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا عمن جنى، وثبت له الحق قبله. {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} أي: كفارة للجاني؛ لأن الآدمي عفا عن حقه والله تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه، وكفارة أيضًا عن العافي، فإنه كما عفا عمن جنى عليه، أو على من يتعلق به فإن الله يعفو عن زلاته وجناياته.

وقد سئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن قوله تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .

فقال: «يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به» 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت