فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 2431

ولذلك جاء الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم بألا يلتفت ولا يأبه بذلك، وأن يلتزم الوحي واتباعه، ويعرض عن المشركين، ولايلتفت لأقوالهم.

2.جاء الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم باتباع الوحي في خاصة نفسه، وإذا كان اتباع الوحي أمر به وطبقه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، فلأن يأمر به الناس من باب الأولى.

قال تعالى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى? إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يونس: 109] .

3.قد يجيء الأمر بالاتباع بعد بيان أهمية الدين الذي هو عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى? شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ?18?) [الجاثية: 18] .

«وبين قوله: (فَاتَّبِعْهَا) ، وقوله: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) محسن المطابقة بين الأمر والاتباع، والنهي عن اتباع آخر» 94.

4.إن الله قد اختصنا بأن أنزل علينا أفضل الكتب، وجعل هذا كتاب مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، وكتابٌ هذه صفاته؛ لا بد من اتباعه.

قال تعالى: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?155?ہ) [الأنعام: 155] .

أثنى الله على هذا الكتاب، ولما «بين أن إنزال الكتب رحمة منه، لأن غايتها الدلالة على منزلته، فتمتثل أوامره وتتقى مناهيه وزواجره؛ بين أنه لم يخص تلك الأمم بذلك، بل أنزل على هذه الأمة كتابًا، ولم يرض لها كونه مثل تلك الكتب، بل جعله أعظمها بركة وأبينها دلالة» 95، فقال: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) ولما كان هذا شانه أمر باتباعه.

5.وما دامت هذه الشريعة أفضل الشرائع وهذا الكتاب أفضل الكتب؛ فلا بد من اتباعه، ولا يتصور سوى ذلك، حيث لا يحيد عن اتباعه إلا مفتونٌ أو جاهل، لأنه يؤدي إلى الصراط المستقيم، ولا عجب أن نؤمر باتباعه في آياتٍ كثيرة، منها قوله تعالى: (وَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ?) [الأنعام: 153] .

قال الزمخشري: «ولأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه» 96، كما جاء في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه قوله: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ?43?) [مريم: 43] .

وقوله صلى الله عليه وسلم لقريش: (وَاتَّبِعُونِ ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [الزخرف: 61] وقوله تعالى:(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ? إِنَّكَ عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?43?) [الزخرف: 43] .

6.ومادام أن هذا النوع من الاتباع يؤدي إلى الصراط المستقيم؛ فهو بالتأكيد يؤدي إلى محبة الله ومغفرته، إضافة إلى هداية العباد للصواب، فأما المحبة والمغفرة؛ فقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?31?) [آل عمران: 31] .

وأما الهداية للصواب، ففي قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: 158] .

ثانيًا: أسلوب الاستفهام الإنكاري:

الاستفهام: طلب الفهم، وله عددٌ من الأدوات، وقد تستعمل هذه الأدوات في غير معناها الحقيقي، وتفهم من سياق الكلام بقرينة.

1.ورد الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النساء: 125] .

والسر في هذا الاستفهام الإنكاري «ليتنبه السامع، حتى يرجع على نفسه، فيخجل ويرتدع، ويعيى بالجواب؛ إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل مالا يقدر عليه، ... وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله، وإما لأنه جوز وجود أمرٍ لا يوجد مثله» 97.

كما يبين هذا الاستفهام أنه لا أحد أحسن ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، وإسلام الوجه كناية عن إخلاص العبد لربه، وانقياده وإذعانه له، ثم أردف ذلك بقوله: (وَهُوَ مُحْسِنٌ) ، ومع إسلام الوجه والإحسان؛ اتباع ملة إبراهيم حنيفًا، بمعنى أنه «اتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به نبيه من بعده» 98.

واختصاص إبراهيم عليه السلام بالاتباع بوصفه «وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له؛ فإنه انتهى إلى درجة الخلة، التي هي أرفع مقامات المحبة» 99.

وعلى تعريف الجرجاني؛ يتبين أنه لا دين أفضل من دين الإسلام، ولا متابعة أتم من متابعة ملة إبراهيم الحنيفية عليه السلام.

2.وقريب من هذه الآية قوله تعالى: (قالَ يا هارونُ ما مَنَعَكَ إِذ رَأَيتَهُم ضَلّوا ?92? أَلّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمري) [طه: 92 93] .

فالآية تحكي تعارض مصلحتين:

أحدهما: مصلحة حفظ العقيدة، بما تعني هذه الكلمة من اتباع موسى عليه السلام.

والأخرى: مصلحة حفظ وحدة بني إسرائيل، وعدم تفرق جامعتهم.

وبين هاتين المصلحتين؛ «حفظ الأنفس والأموال والأخوة بين الأمة» 100.

فقدم المصلحة الثانية على الأولى، فغضب موسى عليه السلام؛ «لأن مصلحة صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح المجتمع» 101، ووفق كلام الجرجاني الآنف؛ فلعل مراجعة موسى عليه السلام لهارون عليه السلام تنبيه له ليعرف موضع الخطأ.

ومثل ذلك؛ قوله تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?162? هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [آل عمران: 162 163] .

يتعجب المرء من دقة القرآن في عرض هذه المقارنات بطريقة تحبب في أحدهما وتبغض بالأخرى، وهذا أحد معاني «المثاني في القرآن» بذكر الشيء وضده 102، كما في الآية.

وهذا الأسلوب؛ فيه مقابلة بين فريقين، فريقٍ في الجنة، وهم من اتبع رضوان الله، وفريق في السعير، وهم من لم يتبعوا رضوان الله، فباؤوا بسخطه.

وحين يتأمل العاقل الحكيم هذه المتقابلات التي عرضت لحال الفريقين ومصيرهم؛ فإنه بلاشك لابد أن يختار اتباع رضوان الله على ولاية الباطل المؤدية إلى سخط الله ومن ثم جهنم وبئس المصير.

ثالثًا: أسلوب الثناء على الذين يتبعون أحسن القول:

إن من أهم الأساليب التي تحث على فعل شيء ونحبب فيه؛ الثناء على فاعليه، حيث يعطي ذلك قدوة وتأسيًا بهم، يقول الله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ ?17? الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 17 18] .

قد يسأل سائل: من هؤلاء الذين وصفهم الله بالهداية وجعلهم أصحاب العقول وضمن لهم البشرى؟ وكيف الطريق لاستحقاق هذه الرتبة؟ فيجاب هم: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) .

وفي الآية ثناء على قوم يسمعون كل شيء من القول، لكنهم يتبعون أحسنه.

قال ابن تيمية: «والمحمودون الذين أثنى الله عليهم؛ هم المتبعون لذلك استماعًا وتدبرًا وعملًا» 103.

والتعبير بالفعل المضارع في (يَسْتَمِعُونَ) و (فَيَتَّبِعُونَ) دالٌ على التجدد، قال الجرجاني: «وبيانه أن موضوع الاسم على أنه يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئًا بعد شيء، وأما الفعل؛ فموضوعه على أن يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئًا بعد شيء» 104.

وعليه؛ فالتعبير يدل على تجدد الاستماع، الأمر الذي يؤدي إلى تجدد الاتباع، مما يجعل المرء طيلة عمره متابعًا للوحي.

رابعًا: أسلوب النهي عن اتباع الشر:

النهي: طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء، وقد يخرج النهي عن هذه الصيغة إلى صيغ مجازية أخرى 105.

وحين نعود إلى الآيات التي جاء فيها أسلوب النهي؛ نجد نوعين من النهي:

••النهي غير المعلل، وذلك بأن ينهى عن الاتباع المذموم دون بيان علة النهي أو سببه.

••النهي المعلل، وذلك ببيان علة النهي وسببه.

والنهي المعلل يراعي أسلوب الإقناع وحاجات بعض الناس إليه، نظرًا لاعتمادهم على المنطق والحجة والبرهان، وأما غير المعلل؛ فيراعي أن يلتزم المرء بالنهي التزامًا بأمر الله سبحانه وتعالى وإخلاصًا له.

كما نلاحظ على الآيات توجه النهي إلى الأنبياء عليهم السلام قبل أن يتوجه إلى الأمة، وإن كانوا المقصودين بذلك، مع الإشارة إلى وجود بعض الآيات التي توجهت إلى الأمة مباشرة.

النهي غير المعلل:

يقول تعالى: (وَقَالَ مُوسَى? لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 142] .

يأمر موسى عليه السلام أخاه هارون بأمر وهو: إصلاح الدين بالرفق والإحسان، كما ينهاه عن أمر وهو: عدم اتباع سبيل المفسدين، وهذا تأكيد للأمر بالإصلاح، إذا لايجتمع الإصلاح واتباع سبيل المفسدين.

قال ابن عاشور: «فلا جرم أن كان قول الله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) جامعًا للنهي عن ثلاث مراتب من مراتب الإفضاء إلى الفساد، وهو العمل المعروف بالانتساب إلى المفسد، وعمل المفسد إن لم يكن مما اعتاده، وتجنب الاقتراب من المفسد ومخالطته» 106.

وقريبٌ من هذه الآية قوله تعالى: (فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [يونس: 89] حيث أمرهما بالاستقامة على الحق والبعد عن سبل الضلال.

النهي المعلل:

ورد النهي المعلل في مواضع كثيرة من القرآن، وقد تنوعت العلة، فمنها:

••النهي عن اتباع الشيطان بسبب عداوته للإنسان.

••النهي عن اتباع الشيطان بسبب أمره بالسوء والفحشاء.

••النهي عن الاتباع المذموم لكونه سبب التفرق.

وقد مرت جميعها ومر الحديث عنها مفصلًا بما يغني عن إعادته هنا، وحاصل الكلام أن الله سبحانه وتعالى حذر وزجر عن الاتباع المذموم بشتى أنواعه مبرزًا خطورته، وقبح من يسلك هذا المسلك.

••إن من يسر الله له تجريد الاتباع الحق للوحيين الكتاب والسنة وابتعد عن سبل الضلال الأخرى؛ فلاشك أنه سيجد حلاوة ذلك في جملة من الثمرات في الدنيا والآخرة، التي ربما كانت من عاجل بشرى المؤمن.

وبإزاء ذلك؛ فإن من ابتلوا باتباع سبل الغواية؛ سيجدون علقم ذلك ومره في الدنيا والآخرة، وهي ربما تكون من عاجل شؤم المعصية.

وهذه عادة القرآن بل عادة هذه الشريعة أن تثيب الطائع وتعاقب العاصي، وألا تجعلهما في منزلة واحدة في الدنيا والآخرة.

أولًا: آثار الاتباع المحمود:

إن أي إنسان حين يعمل عملًا؛ فإنه ينتظر جزاءًا وأجرة دنيوية من البشر، أو أخروية من الله سبحانه وتعالى.

وانطلاقًا من ذلك؛ فإن أصحاب الاتباع المحمود لابد أن يجدوا نتائج وآثار اتباعهم في الدنيا والآخرة، مع الإشارة إلى صعوبة الفصل في ذلك بين الدنيوي والأخروي لتداخل الأمرين، والتقسيم هنا تقسيم فني بحت.

فمن آثار الاتباع المحمود:

1.الهداية.

وأي شيء يبحث عنه المرء بعد ذلك إن كان الله قد ضمن له الهداية؟ إذ الهداية تشمل تيسير الطريق الصحيح للمرء قولًا وفعلًا، وهذا في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) } [المائدة: 15 - 16] .

وضح الله في الآية أنه يهدي بهذا الكتاب أقوامًا، لكن من هؤلاء القوم؟ تجيبنا الآية بأنهم {مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} ، وأما من كان همه «تقرير ما ألفه ونشأ عليه، وأخذه من أسلافه، مع ترك النظر والاستدلال؛ فمن كان كذلك؛ فهو غير متبع لرضوان الله» 107.

إذن فهذه صفة من يهديهم الله، ولكن يبقى سؤال آخر إلى أين يهديهم: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} ، فسبيل السلام «استعارة لطريق الحق» 108، ولا شك أن هذه الطريق موصلة إلى دار السلام «المنزهة من كل آفة والمؤمنة من كل مخافة» 109.

ثم زاد الأمر وضوحًا فقال: {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، والظلمات هذه كثيرة، تشمل الشرك والبدعة والمعصية والجهل والغفلة، والنور هو نور الإيمان والسنة.

قال ابن كثير: «أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة» 110.

وإذا هداهم الله سبحانه سبل السلام وأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ فقد تكفل لهم بالسعادة والهداية في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) } [طه: 123] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع مافيه أن لايضل في الدنيا ولايشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية» 111.

2.الفلاح.

إن من جرد الاتباع للوحي وللرسول صلى الله عليه وسلم فقد ضمن القرآن الكريم له الفلاح، وهي عامةٌ في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) } [الأعراف: 157] .

و يقترب السلام من الفلاح، وربما يشمل سلامًا داخليًا وسعادة للإنسان مع نفسه، كما يشمل السلام في الآخرة، ودخوله دار السلام، كما في قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) } [طه: 47] .

وقد اختلف المفسرون في معنى السلام هل هو تحية أم لا؟، وإذا كان ليس بتحية؛ فإن «المقصود من الكلام ترغيب المخاطبين في الاهتداء بتصديق الرسول، واتباع ماجاء به في التكاليف والأحكام، وبشارة المهتدين بكونهم من أهل الجنة» 112، والحصول على الجنة أعلى مراتب الفلاح بلاشك.

3.الثبات على الحق.

إن المتأمل لسيرة الأنبياء والمصلحين؛ يجد أن من أهم عوامل ثباتهم على الحق اتباع الوحي، وكلما اقترب الإنسان من الوحي وازداد اتباعًا للحق؛ ازداد ثباتًا وتمسكًا به بتوفيق الله تعالى؛ لأن المرء يأوي إلى ركن شديد.

يقول تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) } [آل عمران: 173] .

قال القرطبي: «قال علماؤنا: لما فوضوا أمورهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه؛ أعطاهم من الجزاء أربعة معان: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضا، فرضاهم عنه، ورضي عنهم» 113، وهذا يوضح أن الاتباع سببٌ رئيس للثبات على الحق.

4.الكفاية والنصرة.

إن من كان الله وليه فحسبك بهذه الولاية، حيث سيجد النصرة والغلبة على أعدائه، سواء أكان هؤلاء الأعداء الشيطان أم غيره.

يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) } [الأنفال: 64] .

ففي الآية دلالة على أن الله كافٍ رسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين «وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين» 114.

«وإنما تتخلف الكفاية بتخلف شروطها» 115.

وإذا حصلت الكفاية؛ فأي قوة من البشر يمكنها الوقوف أمام قوة الله سبحانه وتعالى؟.

وقد حصل ذلك مع رسول الله موسى عليه السلام وهارون حين أخذ الله على نفسه العهد بنصرة هذين النبيين، ومنع عدوهما من الوصول إليهما، وهكذا كان.

قال تعالى: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) } [القصص: 35] .

فقد قطعت الآية الشك والتردد في قلوب بعض الذي لايزالون يترددون في وعود الله تعالى، وأنه ناصرٌ عباده المؤمنين، ومعلٍ كلمته لامحالة.

5.الدخول في ولاية الأنبياء.

إن الناس يبحثون عن شخص ذي قوة أو مال أو جاه ليدخلوا في ولايته ويلجؤوا إليه، مع العلم أن ولاية البشر قد يعتريها النقص والتقلب والضعف أحيانًا، لكن هناك من ولايته لا تعادلها ولاية في القوة، ولايعتريها التغير، وشرطها الوحيد: الاتباع.

يقول تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) } [آل عمران: 68] .

قال ابن عاشور: «و (أولى) اسم تفضيل، أي: أشد وليًا، أي: قربًا، ... أي: أخص الناس بإبراهيم وأقربهم منه» 116، فمن ياترى هؤلاء الذين اختصوا بالقرب من نبي الله إبراهيم عليه السلام وولايته؟ إنهم الذين اتبعوه، «يعني: الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، فوحدوا الله مخلصين له الدين، وسنوا سننه، وشرعوا شرائعه، وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به» 117، ثم لا تقتصر هذه الولاية على أتباع إبراهيم عليه السلام، حيث ختام الآية يقول {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} ، فمن كان الله مولاه؛ فأي ولاية يحتاج بعد ذلك؟

6.عدم الخوف والحزن.

كل هذه المقدمات السابقة تؤدي إلى نتيجة مثمرة لمتبعي الوحي، وهي عدم الخوف والحزن، وهي عبارة عن علاج نفسي للإنسان، فالخوف هو من شيء قد يقع، والحزن هو من شيء وقع، والمرء في حياته يعيش بين هذين الأمرين، فإذا ضمن له أحدٌ عدم حصول ذلك؛ حاز السعادة، قال تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) } [البقرة: 38] .

ففي الآية إخبار بأن من اتبع هدى الله؛ فلاخوف عليه ولن يحزن.

والتعبير بقوله: {مِنِّي هُدًى} و {هُدَايَ} فيه إشارة إلى أن الهدى إنما هو من الله سبحانه وتعالى؛ «لأن الهدى بالنظر إلى ذاته موجب الاتباع، وبالنظر إلى أنه أضيف إليه تعالى - إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع» 118، والنتيجة أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

قال ابن سعدي: «فرتب على هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن ... ، فنفاهما عمن اتبع الهدى، وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا؛ ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه؛ حصل له المن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه من الخوف والحزن، والضلال والشقاء» 119.

7.التوبة والمغفرة.

هي نتيجة لكل من ألزم نفسه السير في طريق الاتباع الحق، والبعد عما سواه من طرق الغواية والضلال، حيث يرضى الله عنه، ويرزقه التوبة والمغفرة، ولأهمية ذلك؛ هاهم الملائكة يطلبون المغفرة من الله تعالى لمن اتبع الهدى وآمن به.

يقول تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) } [غافر: 7] .

قال الطبري: «فاصفح عن جرم من تاب من الشرك بك من عبادك، فرجع إلى توحيدك، واتبع أمرك ونهيك ... ، وقوله {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} يقول: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه، ولزموا المنهاج الذي أمرتهم بلزومه، وذلك الدخول في الإسلام» 120.

وقد استجاب الله دعاء الملائكة، فغفر لمتبعي الرسول صلى الله عليه وسلم.

كما قول الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) } [التوبة: 117] .

قال ابن القيم: «هذا من أعظم ما يعرف العبد قدر التوبة وفضلها عندالله، وأنها غاية كمال المؤمن؛ فإنه سبحانه أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات 121، بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم وديارهم لله، وكان غاية أمرهم ان تاب الله عليهم، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلميوم توبة كعب خير يومٍ مر عليه منذ ولدته أمه إلى ذلك اليوم 122، ولا يعرف هذا حق معرفته إلا من عرف الله وعرف حقوقه عليه، وعرف ماينبغي له من عبوديته» 123.

إذًا فقد ضمن لهم التوبة في الآية، وما كانوا ليستحقوا هذه المنزلة وهم المهاجرون والأنصار- إلا بسبب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم في أشد الحالات، والتي عبر عنها بساعة العسرة.

ثانيًا: آثار الاتباع المذموم:

إذا كان لاتباع الحق ثمرات كثيرة، كما مر بنا؛ فإن عدم اتباع الحق يؤدي إلى عقوبات ومفاسد كثيرة في الدنيا والآخرة، وهو ما سوف نستعرضه في السطور القادمة، ومن هذه العواقب:

1.المعصية والفساد.

لاشك أن اتباع غير الحق يؤدي إلى معصية الله، ولأن سبل غير الحق كثيرة ومتعددة، فإنها تملأ الأرض، وحين يكثر أتباع الباطل، تكثر المعاصي ويعم الفساد الأرض.

قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] .

وقد اختلف العلماء في معنى (الحق) في الآية، فقيل: إن الحق هو الله سبحانه وتعالى، وقيل: هو الصواب 124.

وأيًا ماكان المعنى يتبين أنه لو ورد الشرع به لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن؛ لأن الهوى مبني على الشهوة، وعند ذلك تختلف أمزجة الناس، فيضطرب هذا الكون العظيم المحكم؛ لأنه قام على العدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت