فهرس الكتاب

الصفحة 1509 من 2431

وهم مع صفاء قلوبهم على إخوانهم المهاجرين، يؤثرونهم على أنفسهم مع ما بهم من الحاجة، والإيثار كما يقول القرطبي رحمه الله: «هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، ورغبة في الحظوظ الدينية؛ وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة» 48.

يقول حجازي رحمه الله: «وهذا بلاشك يدل على صفاء النفس من أكدار المادة والدنيا، ويدل على قوة الروح، ومبلغ العزوف عنها، {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} لا غير، فالشح داء عضال لا يصدر عنه خير، وهو سبب الكثير من الجرائم» 49.

ثم يعرّج الله تبارك وتعالى على الذين جاؤوا من بعد هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وهم التابعون لهم بإحسان، يتبعون آثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، ويدعون لهم في السر والعلانية 50.

ويؤكدون على معنى الطهارة القلبية من الحسد والغلّ تجاه إخوانهم المؤمنين، فمن دعائهم: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} وهذا يدل على صفاء قلوبهم، وشدة حبهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا صدّيق الأمة: أبو بكر رضي الله عنه، أوّل من آمن من الرجال، وأول من صدّق حبيبه صلى الله عليه وسلم بخبر الإسراء والمعراج، جاد بنفسه قبل ماله، فاستحق ثناء ربّه: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل:14 - 21] .

يقول ابن عطية رحمه الله: «ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بـ {الْأَتْقَى} إلى آخر السورة: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات» 51.

وأثنى الله تعالى على أهل قباء، فقاله سبحانه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108] .

يقول ابن العربي رحمه الله: «هذا ثناء من الله تعالى على من أحب الطهارة، وآثر النظافة، وهي مروءة آدمية، ووظيفة شرعية» 52.

ويثني الله تعالى على كل من يسعى لتزكية نفسه وتطهيرها من دنس المعاصي، ورذائل الأخلاق، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] .

وقال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] .

يقول السعدي رحمه الله: «قد فاز وربح من طهّر نفسه، ونقّاها من الشرك والظلم ومساوئ الأخلاق» 53.

رابعًا: وصف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالطهارة:

يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] .

هذه الآية العظيمة تتجلى فيها عناية الله سبحانه ببيت حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، وحتى نفهم ما في هذه الآية من المعاني العظيمة، والحكم الجليلة، لابد من تسليط الضوء على السياق الذي وردت فيه.

يقول تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 28 - 34] .

وبعد هذا الخطاب والتوجيه بكل ما حواه من التشريف والتكليف، تتجلى حكمته، وتأتي ثمرته: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} إنها العناية الخاصة من الله تعالى ببيت حبيبه صلى الله عليه وسلم، يتولى سبحانه أن يذهب كل ما من شأنه أن يخدش بطهارة هذا البيت وأهله الكرام، ويريد تعالى أن يطهّرهم تطهيرًا.

والرجس: «اسم يقع على الإثم، وعلى العذاب، وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت» 54، وفيه صورة بيانية؛ إذ «استعار للذنوب: الرجس، وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها، ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة ما ينفّر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده، ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به» 55.

والمراد بأهل البيت: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين 56.

قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرطٌ مرحلٌ 57 من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} 58.

{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} تأتي هذه الآية ختامًا لما تقدم من الأوامر الإلهية لحفظ بيت النبوة وتطهيره؛ لينطلق منه النور، ويرسل شعاعه في العالمين، ينقل لهم ما نزل فيه من القرآن الكريم، وما نطق به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من الحكمة، وهي: ما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام دين الله، ولم ينزل به قرآن، وذلك السنة 59، «وهذا التذكير يجيء كذلك في ختام الخطاب الذي بدأ بتخيير نساء النبي صلى الله عليه وسلم بين متاع الحياة الدنيا وزينتها، وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدو جزالة النعمة التي ميّزهن الله بها؛ وضآلة الحياة الدنيا بمتاعها كله وزينتها» 60.

{إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} «إن الله كان ذا لطف بكن؛ إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة، خبيرًا بكن؛ إذ اختاركن لرسوله أزواجًا» 61.

وفي صورة أخرى من صور العناية الإلهية ببيت النبوة يأتي الأمر الإلهي للصحابة الكرام رضي الله عنهم: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .

والمتاع: عام في جميع ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا 62.

و «تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم» 63.

«وفي هذا أدب لكل مؤمن، وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه» 64.

وما أحوجنا في هذا الزمن إلى الالتزام بهذه التعاليم السمحة، والأخلاق الراقية، وما فساد كثير من بيوت المسلمين اليوم إلا بسبب إهمال المرأة لأسرتها، وعدم اهتمامها ببيتها، بل أصبحت العناية بالتزين للخروج إلى السوق والعمل يشغل كثيرًا من النساء على حساب العناية بالزوج والتزين له، وأصبح كثير من الرجال تلاحق أنظاره المتبرجات من النساء، ولا يكتف بما أحل الله تعالى له في زوجته، فانعكست المفاهيم، وضاع كثير من البيوت، وتشتّت الأسر، وغدت العيادات النفسية، ودور الشعوذة والدجل تعجّ بالتائهين الباحثين عن علاج لمشكلاتهم الأسرية، ولو أنهم عادوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، لاستقرّت أوضاعهم، وعاشوا في سعادة وهناء، وطهارة ونقاء.

خامسًا: وصف نساء أهل الجنة بالطهاة:

الحور العين نعيمٌ أعدّه الله تعالى لأهل الجنة، وذكره في وصف الجنة ونعيمها في أكثر من موضعٍ في القرآن الكريم، وبيّن عددًا من صفاتهنّ وسماتهنّ، ومنها: طهارتهنّ، ووصفهنّ بالطهارة صراحةً جاء في مواضع ثلاثة:

1.قال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ? قَالُوا هَ?ذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ? وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ? وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?25?) [البقرة: 25] .

2.وقال تعالى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَ?لِكُمْ ? لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 15] .

3.وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ? وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) [النساء: 57] .

عند تأمّل الآيات السابقة يلاحظ أن هذه الزوجات الطاهرات هنّ مكافأة وجزاء لأهل الطهارة في الدنيا المتقين؛ الذين رضوا بالله ربًّا، واستقاموا على عمل الصالحات، فاستحقوا بإذن ربهم زوجات طاهرات؛ جزاء لهم أن حفظوا عهود ربهم ومواثيقه عليهم، فالتزموا بالطهارة ظاهرًا وباطنًا، وبتأمل السياق لكل آية أجد أنّ لها جوها الذي يميزها، ومعطياتها التي تتفق مع حال المخاطبين وأحوالهم.

ففي سورة البقرة: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ? قَالُوا هَ?ذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ? وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ? وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?25? [البقرة:25] .

وقبل هذه الآية ذكر تعالى حال الكافرين، وقال عن مصيرهم: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ? أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 24] .

«لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صدّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة» 65.

«وهكذا جرت العادة في القرآن -غالبًا- متى جرى ذكر الكفار وما لهم أعقب بالمؤمنين وما لهم وبالعكس؛ لتكون الموعظة جامعة بين الوعيد والوعد واللطف والعنف؛ لأن من الناس من لا يجذبه التخويف ويجذبه اللطف، ومنهم من هو بالعكس» 66.

والبشارة: أصلها الخبر بما يسر المخبر به 67، وسمّيت بذلك لما يظهر من أثر على البشرة بتغيرها 68.

وعند تأمّل هذه الآية نجد فيها: «ذكر المُبَشِّر والمُبَشَّر والمُبَشَّر به، والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمُبَشِّر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمُبَشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمُبَشَّر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة، إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب» 69.

وفي آية آل عمران نجد موازنة وتفاضلًا بين أمرين، بين ما في الدنيا من شهوات زائلة فانية: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ? ذَ?لِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ?14?) [آل عمران: 14] .

وبين النعيم الدائم في جنات الخلود: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَ?لِكُمْ ? لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ?15?) [آل عمران: 15] .

«وفي هذه الآية تسلية عن زخارف الدنيا، وتقوية لنفوس تاركها، وتشريف الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ ولما قال: (? ?) فأفرد، جاء (? ? ?) فأفرد اسم الإشارة» 70.

وفي سورة النساء يأتي السياق بذكر أحوال أهل النار أعاذنا الله منها وما يلاقونه من أشد العذاب (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 56] .

وكعادة القرآن في الوعد والوعيد يأتي بعد ذكر هذه الحال المخزية لمن تنجسّت قلوبهم بدنس الكفر بالله عز وجل، ذكر مآل المؤمنين الطاهرين (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ? وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلً) [النساء: 57] .

روي عن بعض السلف أنّ معنى (مُطَهَّرَةٌ) أي: من النجاسات والقذارات الحسية، و «لكن ظاهر اللفظ يقتضي أنهن مطهرات من كل ما يشين؛ لأن من طهّره الله تعالى ووصفه بالتطهير كان في غاية النظافة والوضاءة» 71. فلفظ (مُطَهَّرَةٌ) أبلغ من طاهرة 72.

وجاء وصف نساء أهل الجنة بالطهارة عمومًا، حتى يكون المعنى شاملًا جامعًا لما يتناوله من معان الطهارة «فلم يقل: (مطهّرة من العيب الفلاني) ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهّرات الأخلاق، مطهّرات الخلق، مطهّرات اللسان، مطهّرات الأبصار، فأخلاقهن أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعّل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهّرات الخلق أيضًا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهّرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح» 73.

أولًا: الطهارة المعنوية:

الأصل أن تكون البداية مع المحسوسات؛ لأنها الطريق المؤدي لمعرفة الماديات وإدراكها، ولكن لما كانت الطهارة المعنوية هي الأصل، والطهارة الحسية فرعٌ منها بدأت بها، وهنا سأسلّط الضوء على الجوانب التي يشملها معنى الطهارة المعنوية:

إن أعظم نجاسة يتلطخ بها المرء هي الإشراك بربه وقد خلقه ورزقه؛ ولذلك استحق المشركون بأن يصفهم الله تعالى بـ (النّجس) فقال: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28] .

«لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس؛ ولأنهم لا يتطهّرون، ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها» 74.

يقول سيد رحمه الله: «يجسّم التعبير نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم وكيانهم، فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره الحس، ويتطهر منه المتطهرون! وهو النجس المعنوي لا الحسي في الحقيقة، فأجسامهم ليست نجسة بذاتها، إنما هي طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم» 75.

ومع وجود الآيات والشواهد الدالة على وحدانية الله جل وعلا، نجد أكثر الناس أبى إلا كفورًا؛ ولذا حذرنا المولى تبارك وتعالى من الكفر والشرك أشد الحذر.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ?لِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى? إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48] .

فوصف الله تعالى الشرك: بالإثم العظيم، وفي موضع آخر وصفه بالضلال البعيد: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء: 116] .

ولذا كان الشرك من أعظم الموبقات، وأكبر الخطيئات التي تؤدي بصاحبها إلى الهلكات، ومنه حذرنا حبيبنا الرحيم بنا محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله من السبع الموبقات المهلكات، وما ذاك إلا لخطورته وشناعته.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) 76.

يقول ابن القيم رحمه الله: «فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلّظة، ونجاسة مخفّفة، فالمغلّظة الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل، والمخفّفة الشرك الأصغر، كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به، وخوفه، ورجائه» 77.

وبيّن لنا الله تبارك وتعالى خطورة الشرك على الأعمال الصالحة، كيف أنه يمحقها، فقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر: 65] .

ولذلك لا يقبل من أحدٍ عملًا مهما كان فيه من منفعة وإحسان إلا أن يكون لوجه الله تعالى خالصًا، من قلبٍ لا يشرك بالله أحدًا (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى? إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110] .

وهذا لقمان الحكيم يوصي فلذة كبده، ويعطيه خلاصة الحكم والدروس، وعلى رأسها عبادة الله وحده لا شريك له، فيبدأ وصاياه ويستهلّها بقوله: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ? إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13] .

و «وجه كونه عظيمًا أنه لا أفظع وأبشع ممن سوّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمن له الأمر كله، وسوّى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه ... ، وهل أعظم ظلمًا ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده فذهب بنفسه الشريفة فجعلها في أخس المراتب، جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئًا، فظلم نفسه ظلمًا كبيرًا» 78.

وهذا نبي الله عيسى ابن مريم الطاهر ابن الطاهرة عليه السلام يتولى الله تعالى تطهيره وتخليصه من دنس الكفر والكافرين: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى? إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [آل عمران: 55] .

يقول ابن عطية رحمه الله: «حقيقة التطهير إنما هي من دنس ونحوه، واستعمل ذلك في السب والدعاوى والآثام وخلطة الأشرار ومعاشرتهم، تشبيهًا لذلك كله بالأدناس، فطهّر الله العظيم عيسى من دعاوى الكفرة ومعاشرتهم القبيحة له» 79.

الراجح من عقيدة المسلمين أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية 80.

والعاقل يدرك هذا المعنى، فتعظم في نفسه المعاصي، وتشتدّ عنده حرمتها، ولو كانت في أعين الغافلين هيّنةً صغيرة؛ لأن الصغيرة مع الصغيرة كبيرة، والذنوب تأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) 81.

قال ابن القيم رحمه الله: «وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28] .

وقوله تعالى في حق اللوطية: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) [الأنبياء: 74] .

وقالت اللوطية: (ا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ? إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل: 56] .

فأقرّوا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخباث الأنجاس، وأن لوطًا وآله مطهّرون من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى في حق الزناة: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: 26] 82.

وفي سورة الإسراء يوجّه الله تبارك وتعالى مجموعة من الوصايا لعباده 83، بدأها بإفراده سبحانه بالعبادة، وأردف مع التوحيد الوصية بالوالدين إحسانًا، وتوالت التعليمات والوصايا، وكان منها:

قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلً) [الإسراء: 32] .

فلم يكتف الشارع بالأمر بترك الزنا فقط، أو تحريمه فحسب، بل منعنا الله تبارك وتعالى من مجرد الاقتراب منه.

يقول السعدي رحمه الله: «والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه، فإن: (من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) 84.

ووصف الله الزنا بأنه (فَاحِشَةً) أي: إثمًا يستفحش في الشرع والعقل والفطر، لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها، أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المفاسد» 85.

يقول حجازي رحمه الله: «الزنا عادة تتنافى مع مبادئ الإنسانية الأولى، لم يقرّه شرع أبدًا، ولم يؤيده قانون، فيه هتك الأعراض، واختلاط الأنساب، وقضاء على الحرمات، وتقويض 86 دعائم الاجتماع والعمران، وما شاع الزنا في قوم إلا ابتلاهم الله بالأمراض والأوجاع، وسلّط عليهم الفقر والذل والهوان» 87.

ولشدة عظم هذه الكبيرة عند الله تبارك وتعالى جعل الاقتراب منها منهيًّا عنه، سواء كان نظرًا أو خلوة، أو مصافحة، أو غيرها، ولو التزم أفراد المجتمع بهذه التعاليم الإلهية لطهرت بيوتهم، ولأمنوا على أعراضهم، فالزنا جريمة متعدية، وقد سبك الإمام الشافعي رحمه الله دررًا من شعره في التحذير منه، فقال 88:

عفوا تعف نساؤكم في المحرم

وتجنبوا ما لا يليق بمسلم

إن الزنا دين فإن أقرضته

كان الزنا من أهل بيتك فاعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت