وقد جاء الخطاب بـ (يا أهل الكتاب) لليهود والنصارى، تذكيرًا لهم بتلك النعمة العظيمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم، من إنزاله تلك الكتب ذات المكانة السامية، -وما فيها من الأحكام والتشريع- عليهم، فيا أهل الكتاب، أي: يا من نلتم ذلك الشرف في نزول تلك الكتب عليكم، فهي على أنبيائكم نزلت، ولكم شرعت.
وهذا التذكير لهم بذلك يتضمن أيضًا التوبيخ اللاذع لهم على تقصيرهم وأفعالهم القبيحة، فخطابهم بصفة المدح (يا أهل الكتاب) مع إقامتهم على الباطل وما لا يليق، فيه أعظم تبكيت، وأعظم تأنيب، وأعظم تقريع لهم.
ونلحظ هذا المعنى في مثل قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) } [آل عمران: 70] .
فصدر تعالى الآية بالنداء على أهل الكتاب ثم بالاستفهام توبيخًا لهم على كفرهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من آيات الله، وتعجيبًا من شأنهم، وإنكارًا عليهم، فقد كان حريًا بهم، وهم أهل كتاب، وأهل علم، أن يسارعوا إلى الإيمان قبل غيرهم 29، وذلك لما عندهم من الأمور الشاهدات على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة خبره، وما عندهم من المعرفة بأمور الدين عمومًا، من الإيمان بالله وكتبه ورسله، والإيمان بالبعث في الآخرة، لا أن يكفروا بآيات الله، قال الطبري: «وإنما هذا من الله عز وجل، توبيخٌ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شهادتهم أن ما في كتبهم حقٌ، وأنه من عند الله» 30
وفي الآية أيضًا وتصديرها بالنداء لأهل الكتاب تذكير لهم، أي: أنتم أهل كتاب، وأهل إيمان لا كفر، فلم تكفرون، فالقرآن الكريم في خطابه للآخرين يستحضر فيهم الطاقات الكامنة، ويوظفها للاستجابة وتنفيذ الأمر المطلوب تنفيذه.
وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) } [المائدة: 15] .
قال ابن باديس: «أرسل الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، لجميع الأمم؛ فكانت رسالته عامة، وكانت دعوته عامة مثلها، وجاءت آيات القرآن بالدعوة العامة في مقامات، وبالدعوة الخاصة لبعض من شملتهم الدعوة العامة في مقامات أخرى. ولما أرسل الله محمدًا- صلى الله عليه وآله وسلم- كان الخلق قسمين: أهل كتاب- وهم اليهود والنصارى، وغيرهم. وكان أشرف القسمين أهل الكتاب؛ بما عندهم من النصيب من الكتاب الذي أوتوه على نسيانهم لحظ منه، وتحريفهم لما حرفوا. وكانوا أولى القسمين باتباع محمد صلى الله عليه وسلم بما عرفوا قبله من الكتب والأنبياء. فلهذا وذاك كانت توجه إليهم الدعوة الخاصة بمثل قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} إلى آخر الآيتين.
وفي ندائهم بـ {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} تشريف وتعظيم لهم بإضافتهم للكتاب، وبعث لهم على قبول ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جاء بكتاب وهم أهل الكتاب، واحتجاج عليهم بأن الإيمان بالكتاب الذي عندهم يقتضي الإيمان بالكتاب الذي جاء به لأنه من جنسه» 31.
«هذا هو أدب الإسلام في دعوة غير أهله، ليعلمنا كيف ينبغي أن نختار عند الدعوة لأحد أحسن ما يدعى به، وكيف ننتقي ما يناسب ما نريد دعوته إليه، فدعاء الشخص بما يحب مما يلفته إليك، ويفتح لك سمعه وقلبه، ودعاؤه بما يكره يكون أول حائل يبعد بينك وبينه» 32.
الإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء هو قضية محورية في دعوة أهل الكتاب إلى الحق، ورد انحرافاتهم، لأنهم إذا آمنوا به وبرسالته فإنهم سيكفرون بكل ما هو باطل مما وضعه لهم أحبارهم ورهبانهم، أو سطروه لهم في كتبهم من الضلال والكذب.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [التوبة: 31] .
وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) } [البقرة: 79] .
وبذلك تنحل جميع عقد الباطل عند أهل الكتاب من أصولها، إذا آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ناسخ بما جاء به من الوحي لكل شريعة قبله، وأنه يبين لأهل الكتاب كثيرًا مما كانوا يختلفون فيه.
قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) } [المائدة: 15] .
ولذلك ركز القرآن الكريم في دعوته لأهل الكتاب على هذه القضية، وبين موقف أهل الكتاب منها، ورد على المكذبين لها.
وسنبين في المطالب الآتية دعوة القرآن الكريم للإيمان بالرسل عامة، وبمحمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، وموقف أهل الكتاب من هذه الدعوة، والذي يتمثل في ثلاث طوائف:
لقد أوضح القرآن الكريم قضية الإيمان بالرسل عليهم السلام عمومًا، وأنها ركن من أركان الإيمان، لا يصح إلا بها.
قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) } [البقرة: 285] .
فبين تعالى بقوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} حقيقة إيمانية واضحة في أنه لا فرق بين أحد من الأنبياء في الإيمان بهم، فالإيمان بموسى لا يناقض الإيمان بعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام والعكس، فجميعهم رسل من عند الله تعالى، أوحى إليهم شرعه وأمره، وهم صادقون معصومون ومبرؤون من كل عيب ونقص، قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .
كما بين القرآن الكريم أن الأنبياء عليهم السلام دعوا أقوامهم لذلك، وغرسوا هذه المبادئ فيهم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) } [الصف: 6] .
فعيسى عليه السلام، كالأنبياء يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، وقد بشر بظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من بعده، وأعلم أهل الكتاب بذلك، ولكنهم لمَا {جَاءَهُمْ} محمد صلى الله عليه وسلم كما بشر به عيسى، {بِالْبَيِّنَاتِ} أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله حقًا، {قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} ، أي: عاندوا الحق وكذبوا به، وهذا أمر عجيب منهم.33
وقد احتج القرآن الكريم على أهل الكتاب في تركهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة الواضحة من كونه صلى الله عليه وسلم معلومًا عندهم، اسمه ووصفه وعلامته.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) } [البقرة: 89] .
فقوله تعالى: {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} حجة على أهل الكتاب، أي: أن هذا النبي جاء مصدقًا لما في كتبكم وما أخبركم به رسلكم من وصفه وعلاماته 34.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157] .
فَلِمَ تكفرون به؟
والعجيب أنهم كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} ، أي: يستنصرون بمجئ النبي صلى الله عليه وسلم على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه: حسدًا منهم وظلمًا.35
كما دعا القرآن الكريم أهل الكتاب إلى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم دعوة صريحة واضحة في قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) } [المائدة: 19] .
أي: «يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب - بسبب ما من عليهم من كتابه - أن يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويشكروا الله تعالى الذي أرسله إليهم على حين {فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} » 36، أي: «على انقطاع من الأنبياء، يقال: فتر الشيء يفتر فتورًا إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه» 37.
وذلك بعد مدة متطاولة بينه وبين عيسى عليه السلام، قيل: بلغت ستمائة سنة، تغيرت فيها الأديان، وكثرت عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه شديدة، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد، وإن الطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى، حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور.
ولهذا قال تعالى: {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} ، أي: لئلا تحتجوا وتقولوا: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 38.
فالآية حض لأهل الكتاب على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي جاءهم بعد هذا الانقطاع وما فيه من الاشتياق والحنو لوحي السماء، وبعثة الأنبياء.
وقد اختلف موقف أهل الكتاب من هذه الدعوة للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما بينه القرآن الكريم إلى ثلاث طوائف:
أولًا: طائفة آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته:
وهي الطائفة الأولى، قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران: 113 - 115] .
فبين تعالى أن أهل الكتاب ليسوا متساوين في القبح والضلال، بل منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، كما قال في الآية الأخرى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .
ثم ذكر تعالى بعض صفات هذه الطائفة، ومدحها وأثنى عليها، فذكر لهم ثماني صفات كل منها منقبة ومفخرة يستحق فاعلها الثواب عليها، وهي أنهم {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} ، أي: مستقيمة على الحق متبعة له 39، وهم الذين أسلموا منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، وفيهم نزلت الآيات 40.
ثم وصف تعالى صلاتهم وتهجدهم، وعبر عنه بالتلاوة في ساعات الليل مع السجود ليكون أبين وأبلغ في المدح 41.
ثم أتبع ذلك بأربع صفات، {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} ، فهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانًا صحيحًا يوجب لهم إيمانهم بكل كتاب أنزله الله تعالى، وبكل رسول أرسله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات 42.
قال البيضاوي: «وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق، غير متعبدين في الليل، مشركون بالله، ملحدون في صفاته، واصفون اليوم الآخر بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب، متباطئون عن الخيرات 43.
ثم عقب تعالى على ما ذكره من صفاتهم، بالإخبار عنهم بالصلاح، وأنهم يثابون بأعمالهم خير الثواب، ولن يكفروا أي: ينقصوا أو يضيع من أعمالهم شيئًا، و {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) } [الرحمن: 60] .
هكذا يصف تعالى هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب، وفي ذلك استمالة لأهل الكتاب للدخول في الإسلام وتحفيز لهم على ذلك.
وقال تعالى في وصف حال هذه الطائفة:، {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) } [المائدة: 83 - 85] .
فبين تعالى انقيادهم للحق وشدة انفعالهم له، حتى إنهم إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم، فاضت أعينهم بالبكاء.
قال الطبري: «وفيض العين من الدمع: امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها، كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه» 44.
وذلك {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} «أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به» 45.
قال ابن كثير: «وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله عز وجل: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) } [آل عمران: 199] .
وهم الذين قال الله فيهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص 52 - 55] .
ولهذا قال تعالى ههنا: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} ، أي: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق» 46، جنات عظيمة خالدين فيها أبدًا، «فهو سبحانه لم يعد بالثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم» 47.
وفي قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199] دلالة واضحة على أن هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب تؤمن بـ {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} ، وهذا هو الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب، ويكفر ببعض، وهو الإيمان الحقيقي الذي يورث الخشوع لله تعالى، والخضوع له، ولذلك فإن أهله لا يشترون بآيات الله ثمنًا بخسًا أبدًا 48.
ثانيًا: طائفة كفرت برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه:
وهي الطائفة الثانية من أهل الكتاب، فهم من كفروا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومبعثه، مع علمهم بنعوته الشريفة وصحة رسالته من كتابهم.
قال تعالى في الوعيد لهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) } [البينة: 6] .
فأخبر تعالى عن مآل كفرة أهل الكتاب،- الذين كفروا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وجحدوا نبوته-، والمشركين جميعهم في نار جهنم خالدين فيها أبدًا، لا يحولون عنها ولا يزولون، وأنهم شر الخليقة التي برأها الله تعالى وذرأها 49، و (من) في الآية بيانية 50، أي: أن الكفار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، نوعان: الأول: أهل كتاب وهم اليهود والنصارى، والثاني: المشركون، وكلاهما يتناوله العقاب المذكور، وإنما قدم أهل الكتاب على المشركين وإن كان المشركون أعظم الفريقين كفرًا، لأن أهل الكتاب كفرهم واقع منهم مع علمهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ووجود البشارة بها في كتبهم، قال ابن عاشور: «وإنما قدم أهل الكتاب على المشركين هنا مع أن كفر المشركين أشد من كفر أهل الكتاب؛ لأن لأهل الكتاب السبق في هذا المقام فهم الذين بثوا بين المشركين شبهة انطباق البينة الموصوفة بينهم، فأيدوا المشركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما هو أتقن من ترهات المشركين، إذ كان المشركون أميين لا يعلمون شيئًا من أحوال الرسل والشرائع، فلما صدمتهم الدعوة المحمدية فزعوا إلى اليهود ليتلقوا منهم ما يردون به تلك الدعوة وخاصة بعد ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة» 51.
فهم من هذه الحيثية أعظم جرمًا، وهذه الحيثية هي التي يدور الحديث عنها في السورة، ويتوافق ذلك مع اسم السورة (البينة) ، وجيء باسم الإشارة (أولئك) «إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما هم فيه من القبائح المذكورة، وما فيه من معنى البعد لبعد منزلتهم في الشر، أي: أولئك البعداء المذكورون {هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} » 52.