فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 2431

الثاني: في الآية وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي، وقتال البغاة وهو شامل لأهل مكة كغيرهم، وأن من رجع منهم وأدبر لا يقاتل، لقوله حتى تفيء.

الثالث: في الآية فوائد: منها أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، وأنه أوجب قتالهم، وأنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم، وإجازة كل من منع حقًا عليه، ووجوب معاونة من بغي عليه، لقوله: {فَقَاتِلُوا} [الحجرات:9] .

وعلى وجوب تقديم النصح، لقوله: فأصلحوا بينهما، وعلى السعي في المصالحة، وذلك ظاهر.

الرابع: وجه الجمع في اقتتلوا، مع أنه قد يقال: مقتضى الظاهر (اقتتلتا) هو الحمل على المعنى دون اللفظ؛ لأن الطائفتين في معنى القوم والناس، والنكتة في اعتبار المعنى أولًا، واللفظ ثانيًا عكس المشهور في الاستعمال، ما قيل: إنهم أولًا في حال القتال مختلطون مجتمعون، فلذا جمع أولًا ضميرهم، وفي حال الإصلاح متميزون متفارقون، فلذا ثنى الضمير ثانيًا وسر قرن الإصلاح الثاني بالعدل، دون الأول؛ لأن الثاني لوقوعه بعد المقاتلة مظنة للتحامل عليهم بالإساءة، أو لإبهام أنهم لما أحوجوهم للقتال استحقوا الحيف عليهم 77.

وهذه الآية فيها دلالة قوية على تقرر وجوب الأخوة بين المسلمين 78.

والمراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم في قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء:114] هم المسلمون خاصة، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10] .

وقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9] .

فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر 79، وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1] يدل على أن من رجا صلاح ما بين متعاديين من المؤمنين أن عليه الإصلاح بينهما 80.

و {إِنَّمَا} للحصر، أي: لا أخوة إلا بين المؤمنين، وأما بين المؤمن والكافر فلا؛ لأن الإسلام هو الجامع ولهذا إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين ولا يكون لأخيه الكافر، وأما الكافر فكذلك؛ لأن في النسب المعتبر الأب الذي هو أب شرعًا، حتى أن ولدي الزنا من رجل واحد لا يرث أحدهما الآخر، فكذلك الكفر كالجامع الفاسد فهو كالجامع العاجز لا يفيد الأخوة، ولهذا من مات من الكفر-أي: أهل الكفر- وله أخ مسلم ولا وارث له من النسب لا يجعل ماله (أي: لا يترك إرثه ليتقوى به الكفار فيأخذه أخوه المسلم لا للإرث ولكن لينفق في مصالح المسلمين غير المحترمة والله أعلم) للكفار، ولو كان الدين يجمعهم لكان مال الكافر للكفار، كما أن مال المسلم للمسلمين عند عدم الوارث، فإن قيل: قد ثبت أن الأخوة للإسلام أقوى من الأخوة النسبية، بدليل أن المسلم يرثه المسلمون ولا يرثه الأخ الكافر من النسب، فلم لم يقدموا الأخوة الإسلامية على الأخوة النسبية مطلقًا حتى يكون مال المسلم للمسلمين لا لأخوته من النسب؟ نقول: هذا سؤال فاسد؛ وذلك لأن الأخ المسلم إذا كان أخًا من النسب فقد اجتمع فيه أخوتان فصار أقوى والعصوبة لمن له القوة، ألا ترى أن الأخ من الأبوين يرث ولا يرث الأخ من الأب معه فكذلك الأخ المسلم من النسب له أخوتان فيقدم على سائر المسلمين، والله أعلم 81.

وقد قال ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى مكان كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا، فله كذا وكذا» فتسارع إليه الشبان، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح الله عليهم، جاؤوا يطلبون ما قد جعل لهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فإنا كنا ردءًا-أي: معينين- لكم، فأنزل الله هذه الآية: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1] 82.

ولو اختصم الإخوة ولم يعلم بهم أحد ولم يصلوا إلى نتيجة، فينبغي عليهم البحث عن المصلحين وإشهار القضية فيهم ليتمكنوا من الإصلاح فيها، وهذا كما ذكره الله -عن المختصمين الذين جاءا داود عليه السلام ليصلح بينهم- بقوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) } [ص:23] .

فنص على الأخوة في الدين أو النسب أو الصداقة، لاقتضائها عدم البغي، وأن بغيه الصادر منه أعظم من غيره 83.

والمراد أخوة الدين، أو أخوة الصداقة والألفة، أو أخوة الشركة والخلطة، لقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [ص:24] .

كل واحدة من هذه الأخوات تدلي بحق مانع من الاعتداء والظلم 84.

والأصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لأمته منهج الأخوة الصحيح، بأسهل الأمور ابتداءً من طلاقة الوجه، إلى نهيه عن المعاملات التي تضر بالأخوة ليكونوا عباد الله إخوانًا، فجعل في هذا قاعدة أساسية ذكرها بقوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) 85.

وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوق الأخوة بين المسلمين في حرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم يوم النحر فكانت قاعدة عظيمة يسير عليها أهل الإيمان في إخوتهم، ويحافظ عليها جميع المسلمين في تعاطفهم ومودتهم 86.

رابعا: الولاء والنصرة:

مما لا شك فيه أن الأخوة أصل الولاء، وقد بيَن الله الولاء الحقيقي ولمن يكون فقال عز وجل: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) } [المجادلة:22] .

فلا تجد يا محمد قومًا يصدقون الله، ويقرون باليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله وشاقهما وخالف أمر الله ونهيه {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ} يقول: ولو كان الذين حادوا الله ورسوله آباءهم {أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} 87.

ووردت هذه الآية الكريمة بلفظ الخبر، والمراد بها الإنشاء، وهذا النهي الأكيد، والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله، وإيراد الإنشاء بلفظ الخبر أقوى وأوكد، من إيراده الإنشاء 88.

فكأنك تقول: إن هذا بين الإخوة يكون أو لا يكون إن كان خبرًا، لكنه جاء بلفظٍ إنشائي يفيد النفي، وهو أن المؤمن الحق لا يواد أخاه في شيء مع محادته لله عز وجل.

فروابط الدم والقرابة هذه تتقطع عند حد الإيمان: إنها يمكن أن ترعى إذا لم تكن هناك محادة وخصومة بين اللوائين: لواء الله ولواء الشيطان، والصحبة بالمعروف للوالدين المشركين مأمور بها حين لا تكون هناك حرب بين حزب الله وحزب الشيطان، فأما إذا كانت المحادة والمشاقة والحرب والخصومة فقد تقطعت تلك الأواصر التي لا ترتبط بالعروة الواحدة وبالحبل الواحد، ولقد قتل أبو عبيدة أباه في يوم بدر، وهمَ الصديق أبو بكر بقتل ولده عبد الرحمن، وقتل مصعب بن عمير أخاه عبيد بن عمير، وقتل عمر وحمزة وعلي وعبيدة والحارث أقرباءهم وعشيرتهم، متجردين من علائق الدم والقرابة إلى آصرة الدين والعقيدة، وكان هذا أبلغ ما ارتقى إليه تصور الروابط والقيم في ميزان الله 89.

فهذا أصل في الولاء والنصرة وأنها كائنة بين العشيرة ومنهم الإخوان، شريطة الإيمان بالله واليوم الآخر، {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) } [الأحزاب:5] .

يقول الله تعالى ذكره: انسبوا أدعياءكم الذين ألحقتم أنسابهم بكم لآبائهم، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألحق نسب زيد بأبيه حارثة، ولا تدعه زيد بن محمد.

وقوله: {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} يقول: دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله، وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبائهم ونسبتكم لهم إلى من تبناهم وادعاهم وليسوا له بنين، فعن قتادة في قوله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} : أي أعدل عند الله.

وقوله: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} يقول تعالى ذكره: فإن أنتم أيها الناس لم تعلموا آباء أدعيائكم من هم فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم، فتلحقوهم بهم، {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} يقول: فهم إخوانكم في الدين، إن كانوا من أهل ملتكم، ومواليكم إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم 90.

ثم صرح لهم بترك الحالة الأولى، المتضمنة للقول الباطل فقال: {ادْعُوهُمْ} أي: الأدعياء {لِآبَائِهِمْ} الذين ولدوهم {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} أي: أعدل، وأقوم، وأهدى.

{فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ} الحقيقيين {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} أي: إخوتكم في دين الله، ومواليكم في ذلك، فادعوهم بالأخوة الإيمانية الصادقة، والموالاة على ذلك، فترك الدعوة إلى من تبناهم حتم، لا يجوز فعلها.

وأما دعاؤهم لآبائهم، فإن علموا، دعوا إليهم، وإن لم يعلموا، اقتصر على ما يعلم منهم، وهو أخوة الدين والموالاة، فلا تظنوا أن حالة عدم علمكم بآبائهم، عذر في دعوتهم إلى من تبناهم؛ لأن المحذور لا يزول بذلك 91.

فالنصرة والولاء للأخوة في الدين، أما ما عداهم فلا أخوة لهم ولا نصرة ولا ولاء، والباب متسع للجميع؛ لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.

ولو لم يعلم آباؤهم فهم إخوة في الدين؛ لأن هذه الأخوة كفى بها شرفًا، ويكفي المؤمنين هذه العزة التي من الله بها عليهم.

1.ذكر القرآن الكريم -من خلال الحديث عن الأخوة والعلاقات التي تكون بين الإخوة- أمورًا بين فيها بعض الأحكام التي تضبط العلاقات الاجتماعية وتجعلها تسير بيسر وسهولة.

من ذلك قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } [النور:31] .

أي: لأن هؤلاء محارمهن الذين تؤمن الفتنة من قبلهم 92.

وكل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج 93.

فالإخوان ها هنا: أشقاء، أو لأب، أو لأم 94،أو بالرضاع؛ لأنه لم يحدد الأخوة بالنسب، فيدخل الإخوة من الرضاع فيهم.

فيجوز للمرأة أن تكشف على أخيها وأبنائه وأبناء أخواتها ولو سفلوا؛ لأنهم في الحكم سواء وهم محارم المرأة في هذه الحالة، وهذا لرفع الحرج عنهم وعنهن ولاحتياج ذلك في الزيارات والمناسبات ولقاء بعضهم البعض.

وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) } [النور:61] .

كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم 95.

ولما علم بالعادة أن هؤلاء تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم من الأقارب 96، أباح الله لهم الأكل في بيوتهم متى أرادوا.

وهؤلاء معروفون 97، فهم أهل بيت واحد وإن تباعدت بهم الديار.

وكذلك في شأن الحجاب قال الله: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) } [الأحزاب:55] .

فلما أمر تبارك وتعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم 98؛ لأنهم ذوو أرحام أصيلة وأخوة صحيحة.

ولما نزلت آية الحجاب شق عليهن-نساء النبي صلى الله عليه وسلم- وعلى النسوان وعلى الرجال في الاستتار، فأنزل الله عز وجل هذه الآية للرخصة في نظر هؤلاء إلى النساء، ورؤية النساء لهم على تفصيل الشريعة 99.

1.أولًا: قصة يوسف وإخوته:

هو: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: (أكرمهم أتقاهم) ، قالوا: يا نبي الله، ليس عن هذا نسألك، قال: (فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله ... ) الحديث 100.

وهو أحد أبناء يعقوب، وله شقيق واحد، والباقون إخوته من أبيه 101.

مكانته عند والده:

كان يوسف وأخوه بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب شديد الحب ليوسف، وكان إخوة يوسف يرون منه من الميل إليه ما لا يرونه لأنفسهم 102.

وجعلوا أخاه معه في مرتبة الحب عند أبيهم.

وهذا ما جعلهم يحسدون يوسف، وبيَن الله ما آل إليه أمرهم في الحسد وتشاورهم في التخلص منه، حتى اتفق الجميع على مشورة {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) } [يوسف:10] .

رؤيا يوسف عليه السلام:

{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) } [يوسف:4 - 6] .

تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكبًا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلًا سواه، والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه ... فخشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف:5] .

أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها 103.

وإنما قال يعقوب ذلك؛ لأنه قد كان تبين له من أخوته قبل ذلك حسدًا 104.

فكان ما قرروه من الخروج به، ورميه في البئر، والكذب على والدهم، فتولى الله أمره، فصار معبرًا للرؤى، ومكن الله له في الأرض حتى صار حفيظًا على خزائن مصر {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] .

وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا نقع في مثل هذا، فعن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال» 105، فبيَن لنا أن الوصول إلى الإضرار بالإخوة لا يأتي إلا بالتدرج، فمن تنبه لخطوات الشيطان أول الأمر عاد إلى رشده وعرف حق أخيه، ومن اتبع خطوات الشيطان وترك الهدي القويم ضل عن الحق وتدرجت به الخطوات؛ حتى توصله إلى الإضرار بإخوانه ومخالفة أمر الله ورسوله.

وصول إخوة يوسف عليه السلام ودخولهم عليه:

يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون 106 طعامًا، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد.

وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا.

فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه؛ لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون.

{وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} [يوسف:59] .

أي: أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته؛ من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه {قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} [يوسف:59] .

وكان قد سألهم عن حالهم، وكم هم؟ فقالوا: كنا اثني عشر رجلًا، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا.

فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم.

{أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [يوسف:59] أي: قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال: {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) } [يوسف:60] أي: فلست أعطيكم ميرة، ولا أقربكم بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولًا.

فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب.

{قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} [يوسف:61] .

أي: سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن.

{وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} [يوسف:61] .

أي: وإنا لقادرون على تحصيله.

ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة، في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت