فهرس الكتاب

الصفحة 768 من 2431

والناظر لحال أمة الإسلام يرى التفرق والتشرذم والتناحر والتباغض، سواء على مستوى الأفراد، أم الجماعات، أم المؤسسات، أم الدويلات الإسلامية. كل مستوى يخطئ الآخر، ويرى نفسه الحق، وما عداه باطل، وسرى هذا الداء إلى أنفس العاملين للإسلام. وقليل من أبناء الأمة من ينظر بعين الحاذق إلى حقيقة الاختلاف، وأنه لا يجوز -ولا بأي حال- أن يؤدي إلى تناكر القلوب وتباغضها. وتعددت الأفكار والرؤى التي ينتمي إليها أبناء المسلمين، فأصبحنا شيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون. وانتشرت البغضاء فيما بين هذه الأحزاب، حتى ضرب بعضها رقاب بعض، ولا أدل على ذلك مما حصل في فلسطين، حينما كانت الاستجابة لأوامر يهود.

النفاق صفة ذميمة يلجأ إليها بعض البشر حينما لا يستطيعون الوصول الى أهدافهم بسهولة، فيلجأون الى النفاق. وهذه الفئة البشرية تتصف بصفات بذيئة، ويتخلقون بأخلاق مسمومة ذميمة، حذرنا الله تعالى منها، والتشبه بها، أو سلوك سبيلهم في مثل هذه الأخلاق. ومن صفاتهم الذميمة التي نهينا عن تقليدهم فيها: الظن السيء، والإعراض عن الحق، والخوض في آيات الله بالباطل.

لقد جاء القرآن الكريم ينهانا عن التأسي بالمنافقين في صفتهم الظن السيء الذي ينص على أن خروج المؤمنين غزاة طائعين لله تعالى سبب في قتلهم وموتهم.

فقال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَ?لِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) [آل عمران: 156] .

وهذه في عبدالله بن أبي بن سلول وأصحابه المنافقين 100. وصيغة (إِذَا ضَرَبُوا) صيغة استقبال في معنى الاستمرار 101.

وهذا الظن السيء، يتكرر ويتجدد، مشابهة للمنافقين السابقين. فترى ضعاف الإيمان يثبطون عن الجهاد والاستشهاد، قائلين لإخوانهم المجاهدين: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا! ولو لم يجاهدوا ما غيبوا في غياهب السجون! ولو لم يخالطوا المجاهدين ما أبعدوا عن أوطانهم ولا توقفت عطاياهم!

ولقد شابه المنافقين في الظن السيء، ظن أهل الجاهلية، الذين ظنوا أن الله تعالى لا ينصر رسوله والمؤمنين، فقال الله سبحانه: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى? طَائِفَةً مِنْكُمْ ? وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ? يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ? قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ? يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ? يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) [آل عمران: 154] .

يقول ابن القيم: «وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله، بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه» 102.

وتتجدد واقعية الآية، وتتكرر أخلاق النفاق في زماننا اليوم، إذ التثبيط عن الجهاد، والتخويف من شأنه وشأن المجاهدين وسلاحهم، مقابل تهويل المنافقين لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب. ويظنون بالله ظن السوء، وأن الله تعالى لن ينصر العاملين لدينه المستمسكين بحبله المتين، فهم لا قبل لهم بأعدائهم، فعدتهم أضعف من عدة عدوهم. كذلك ينتظر هؤلاء المنافقون، عثرات المجاهدين والإصابة منهم.

فصدق قول الله فيهم: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ? وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ) [التوبة: 50] .

ومن أخلاق النفاق، التي كان الزجر عن التشبه بها: خلق الإعراض عن الحق، حيث يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) [الأنفال: 20 - 21] .

فصفة المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يقولون: نسمع كلام الله، لكنهم لا ينتفعون بما سمعوا، ويتولوا وهم معرضون.

يقول القرطبي: «فدلت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله» 103.

واليوم ترى الذين في قلوبهم مرض يتولون عن أمر الله تعالى، فهم يقولون: سمعنا، وهم لا يسمعون. فكم من سامع لآيات الله تتلى عليه سماع أذن لا عمل فيه. فمثلًا تنهى عن التشبه بالكفار في التحاكم إلى الطاغوت فلا استجابة، وتنهى عن التشبه بالكفار في الزي والمظهر فلا سمع ولا طاعة، وتؤمر الفتاة المقلدة لفاجرات الكفر، بمواراة السوءة فلا تلبي، وتنهى عن نصرة الظالم بالباطل -كما هي جاهلية مكة الأولى- فلا تلبية ولا استجابة، وتنهى عن أكل أموال الناس بالباطل فلا يستجيبون.

ومن صفات المنافقين التي ذكرها القرآن الكريم: الخوض في آيات الله بالباطل والاستهزاء بها، ومن شدة خطورة هذه الصفة، لم ينهنا الله تعالى فقط عن فعلها، بل وعن الجلوس مع الخائضين والمستهزئين بها، فقال الله سبحانه: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: 140] .

وأمر الله المؤمنين بالإعراض عمن هذه صفته، نراه في قول الله سبحانه: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) [الأنعام: 68] .

وهذه «نزلت في قوم من المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن، ويكذبون به ويحرفونه، فنهى المسلمين عن مجالستهم.

قال ابن عباس: ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين ومبتدع إلى يوم القيامة» 104.

والأمر بالإعراض عن الخائضين من المنافقين، وعن مجالستهم، أبلغ في الزجر من النهي عن مشابهتهم في هذا الخلق الذميم.

يقول أبو السعود: «المراد بالإعراض: إظهار المخالفة بالقيام عن مجالستهم، لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط» 105.

ومن الجلوس مع المستهزئين بآيات الله، الجلوس أمام شاشات بعض الفضائيات التي تستهزئ بالعاملين لدين الله تعالى، وتصورهم بصور تنفر العامة من الدين، كأن تصورهم بأنهم قاطعوا طريق، أو أصحاب قوة يستخدمونها في سفك الدماء والاعتداء على حقوق الناس، وأنهم إرهابيون. كل ذلك وأمثاله من باب الطعن والنيل من المعتصمين بدين الله تعالى، وتنفير الناس منهم.

فصدق قول الله فيهم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ? قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ? إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: 65 - 66] .

المشرك له من الأخلاق الذميمة الكثير، فهمه الأكبر نفسه، ينظر إليها على أنها غايته، فيحقق لها ما يستطيع من متاع الدنيا، وكلما ازداد في البحث عن شهواته ورغباته، ازداد تأصل الأخلاق السيئة في نفسه. وذكر الله أخلاقًا للمشركين لنكون- نحن المؤمنين- أبعد الناس عنها تشبهًا وتقليدًا وفعلًا. ومن أخلاق المشركين التي نهينا عن التخلق بها، خلق البطر والرياء، والعصبية القبلية النتنة، والتبرج المذموم.

فعن خلق البطر والرياء، يقول الله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ?) [الأنفال: 47] .

لما رأى أبو سفيان أن عيره نجت، أرسل إلى أبي جهل يخبره بذلك، طالبًا منه العودة، إلا أن أبا جهل ركب رأسه وقال: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليها ثلاثًا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا 106.

فالكبر والبطر يملآن قلب أبي جهل. فكان النهي الرباني للمؤمنين عن أن يزاولوا مثل هذه الأخلاق، وزجرهم أن يكونوا مثلهم في أفعالهم.

وهكذا يتكرر فعل أبي جهل، من قبل أحفاده، نظروا إلى الدنيا، ظانين أن النصر من خلال الخمر والسهر والقيان، فشربوا الخمر حتى ثملوا، وعزفت لهم القيان، فضاعت العباد والبلاد. ولو أنهم كانوا ممن عرف الله، لأقاموا الليل بالقرآن، بدل عزف القيان، ولسمعوا قول الله تعالى وهو يناديهم: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ?) [الأنفال: 47] .

سماع المجيب، ولكان قدوتهم جند صلاح الدين الذين كان وصفهم: رهبان بالليل، فرسان بالنهار. فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فكانت الذلة والمسكنة، كما كان حال أبي جهل الذي شرب كأس المنايا بدل كأس الخمر، وناحت عليه النوائح بدل زغاريد القيان، وذكرتهم العرب بالصغار بدل الفخار. وما زالت الأمة تتجرع كأس الهوان من وراء أفعال أتباع أبي جهل البطر الأشر.

ومن أخلاق المشركين التي نزل فيها القرآن يحذر المسلمين من مزاولتها: دعوى الجاهلية، فقد قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى? عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) [آل عمران: 100 - 101] .

وسبب نزولها أن شاس بن قيس اليهودي -وكان شديد الضغن على المسلمين- مر على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ألفتهم بالإسلام من بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من عداوة، فقال: والله مالنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابًا من اليهود أن يعمد إليهم، ويذكرهم بعاثًا 107، وما كان فيه من قتل بينهم، ففعل، فتنازع الفريقان، مناديًا كلًا منهما قبيلته فخرًا، كما كانوا عليه في الجاهلية. فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المسلمين، أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم. عندها عرفوا أنها نزعة الشيطان، فتعانقوا، فأنزل الله الآيات السابقة 108.

ففي هذه الآية يحذر الله تعالى المؤمنين من إثارة الجاهلية والنعرات العصبية، التي أثارها اليهود بينهم، مبينًا أن طاعة اليهود توصل إلى الكفر والردة بعد الإسلام والإيمان.

ويعيد التاريخ نفسه، ويحسد الكفار المسلمين على تجمعهم ووحدتهم وتآلفهم، ويقف التآلف هذا عقبة في وجه الاستعمار في العصر الحديث، ففكر أحفاد شاس بن قيس، كما فكر في الإيقاع بين المسلمين، ونشر دعوى الجاهلية؛ لتسهل السيطرة وليهون الاستيلاء. فقد أقيمت الجامعة الإسلامية في أواخر الدولة العثمانية على أساس إعادة الوحدة للأمة، ونشر ثقافة المقاومة للمستعمر، فما كان من دول الاستكبار يرأسهم يهود، إلا أن أثاروا النعرات الإقليمية في أوساط الشعب الإسلامي الواحد، وكان في الأمة أمثال أبي رغال 109 الذين يصنعون من أنفسهم جسرًا لعبور الأجنبي الدخيل إلى حصن الأمة، فنعقوا بما نعقت به السياسة البريطانية (فرق تسد) ، وسبحوا بحمد النعرات القبلية، التي أثارها المستعمر في البلاد الإسلامية. فأثار في المصريين الفرعونية، وفي العراق الآشورية، وفي فلسطين الكنعانية، وكان هذا في البداية على مستوى الدولة الإسلامية الأم، ثم لما كان ذلك للمستعمر من خلال الأبواق الناعقة بلغته وفكره، مقلدة له في هذه النعرات، راح ينشر فكر العصبية والقبلية النتنة على مستوى الدويلة نفسها، فأخذ ينشر ثقافة مدني وفلاح، وقروي وحضري، وفي بلادنا ثقافة لاجئ وغير لاجئ. وهكذا كان للقبيلة وتعظمها بالآباء مكان في أنفس المقلدين الناعقين بما نعقت به الصهيونية والصليبية.

وكذلك نشر الاستعمار، العصبية القبلية، والعنصرية البغيضة، باسم القومية العربية، وذلك من أجل فصل العرب عن جسمهم الأم دولة الإسلام التي كانت متمثلة في الدولة العثمانية. والقومية العربية فكرة صليبية حاقدة، تهدف إلى ما هدف إليه شاس بن قيس من تفتيت الأمة وضياعها وتفرقها.

وهكذا نجد الثمار الخبيثة التي حذرت منها آيات آل عمران السابقة من تفرق الأمة، وضرب بعضهم رقاب بعض، والخلافات الحدودية والسياسية وغيرها، موجودة اليوم.

ومن بلاغة الآية وإعجازها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [آل عمران: 100] .

أنها حذرت من طاعة أهل الكتاب اليهود والنصارى-جميعًا، ولم تذكر اليهود فقط الذين كانوا سببًا في نزول الآية؛ وذلك لعلم الله تعالى أن أمر الدس والتفريق سيتكرر، لكن على يد النصارى هذه المرة، وإن كانت اليد اليهودية الأثيمة لها شأن في ذلك.

ومن الأخلاق التي انتشرت في الجاهلية ونهى القرآن عن التشبه بها أو مقارفتها، خلق التبرج، حيث يقول المولى عز وجل: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى?) [الأحزاب: 33] .

وتبرج الجاهلية: كان بخروج المرأة تمشي بين يدي الرجال، مع تكسر وتبختر وتغنج، أو أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها 110 وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، مما يستدعي به شهوة الرجل 111.

فجاء القرآن الكريم ناشرًا العفة والطهر في المجتمع، بنهيه عن التشبه بالكافرات الفاجرات، وألا يتبرجن مثل تبرجهن. ولئن كان النهي في الآية لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، إلا أنه يعم المسلمات جميعًا.

يقول الشوكاني: «ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجًا مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها، وكان عليها من قبلكن، أي: لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل» 112، ولئن نهت الآية عن تبرج مثل تبرج الجاهلية الأولى، إلا أن الجاهلية تتكرر، ولا تختص بفترة زمنية معينة، بل هي حالة اجتماعية معينة، لها تصورات معينة للحياة، ويمكن أن توجد هذه الجاهلية في أي مكان وفي أي زمان 113.

لقد حرر الكفر اليوم المرأة على طريقته الشيطانية حينما تعرت على عينه من لباس الباطن لباس التقوى أولًا، ثم من لباس الظاهر لباس الحشمة والوقار ثانيًا، فنشره الغربي في شارعه ومتجره وجامعته، بل وأنشأ دورًا خاصة للعري والبغاء، وعز عليه حسدًا أن يرى المسلمات محتشمات عفيفات فصنع على عينه من شراذم الأمة، من يتطبع بطبعه، ويصنع رذيلته، وينقل فكرته إلى ديار المسلمين، تقليدًا للكافرات الفاجرات.

فانتشرت فكرة تبرج الجاهلية الأولى في ديارنا، حتى غدا في جامعاتنا، ومدارسنا، وقرانا ومدننا، وفي السفر والحضر، وفي الحل والترحال، وهذا مصاحب بالزينة، والجلسات المشبوهة، خاصة في الجامعات، فأصبح هذا الجانب من التبرج لا تختلف فيه بشيء كثير عن جاهلية الغرب الذي صدر لنا هذا التهتك والعري، فاستقبله كثير من جاهلات الأمة ظنًا منهن أنه الرقي والفخار. فكانت جاهلية اليوم أشد من جاهلية الأمس في تبرجها هذا.

والإنسان المكلف يتحمل تبعة تقليده للآخرين، والآثار الناتجة عن ذلك، سواءٌ أكان ذلك في الدنيا أم في الآخرة، ومن هنا سيكون هذا المبحث ضامًا للمطلبين الآتيين:

أولًا: آثار التقليد في الدنيا:

الصاحب مع صاحبه مؤثر أو متأثر، وكذلك الجماعات والدول، ترى فيها التابع والمتبوع. والأعمال المتبعة منها خير ومنها شر، والخير ينتج عنه الخير، والشر لا ينتج عنه إلا الشر. والتقليد لأعمال السوء لا ينتج عنه إلا السوء. ففي الدنيا تنتشر التفرقة، ويتخلى الله تعالى عن هذا الصنف من الناس فيخذلهم ولا ينصرهم، وتكون الموالاة السيئة لأعداء الله تعالى، حيث الفساد والردة. ومن هنا يندرج تحت هذا المطلب الأمور الآتية:

يقول المولى عز وجل: (وَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ? وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153] .

جعل الله تعالى البشر فريقين: فريقًًا يدعو إلى الجنة، وفريقًا يدعو إلى السعير. والذي يدعو إلى الجنة له طريق واحد لا ثاني له يتلقاه من ربه عز وجل، فيلتزم به ويدعو إليه، أما الذين يدعون إلى النار فإنهم كثيرون، يتلقون الأوامر والنواهي من جهات شتى، فيدعو كل منهم حسب هواه إلى بدعته، ولهذا كانت لهم سبل شتى يدعون إليها أتباعهم، فتكون نتيجتها التفرق والاختلاف والشتات والزيغ والضلال.

وآية الأنعام السابقة كانت خاتمة للوصايا العشر 114 التي وردت في آيتين سابقتين لهذه الآية. والذي وصى به ربنا، في هاتين الآيتين هو صراطه ودينه الذي ارتضاه لعباده، وهو طريق قويم لا اعوجاج فيه، أمرنا بالعمل به، وأن نجعله لأنفسنا منهاجًا نسلكه، وألا نسلك منهاج غيرنا، من اليهودية والنصرانية والمجوسية والعلمانية والإلحادية وغيرها من سبل الكفر، ولئن سلكنا هذه السبل فمصيرنا التشتت بنا عن طريقه ودينه الذي ارتضاه وهو الإسلام وهذا ما هو حاصل للأمة اليوم.

فسبيل الحق واحد لا تشعب فيه، وسبل الباطل كثيرة كالبدع والخوض في الباطل، والأهواء ومبادئ الضلال، وهذا كله تضاد يسبب التفرق والتشرذم.

يقول ابن كثير: «إنما وحد سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها» 115.

والذي يأتي بما يخالف شرع الله تعالى فإنه مبتدع، والبدعة تتضمن تفريق الأمة الإسلامية؛ إذ إن صاحب البدعة، يدعي أنه على الحق وغيره ضال، وبهذا يتفرقون ويصبحون شيعًا وأحزابًا.

وهذا حاصل اليوم، فعلى مستوى الأفكار والرؤى، يوجد في الأمة من ابتدع فكرة العلمانية متبعًا فيها الغرب العلماني، وفي الأمة من اتبع بدعة الشيوعية الملحدة، وكل منهم ينظر لنفسه أنه على الحق والقادر على إعادة حقوق الأمة المسلوبة، وتحرير مقدساتها، ويذم الآخرين؛ فتفرقوا.

والفرق بين الفريقين أن أهل الحق وإن اختلفوا في أمر اجتهادي فسرعان ما يحتكمون للكتاب والسنة فيلتزمون، وكل يخضع للحق، فتبقى صفة الوحدة والألفة شعارهم، بينما أهل الضلال كل واحد منهم يركب رأسه، ويريد تعظيم نفسه، وتصغير الآخرين، ولا يريد الحق، فتجدهم دائمًا في اختلاف وصراع، لتشعب مناهجهم وتنوعها، وكل حين يخرج منهم مذهب جديد 116.

ومنهج الله تعالى واحد، وكتابه واحد، والذين يتبعونه من الأمة يكونون موحدين، أما غير منهج الله فإنها مناهج مفرقة مشتتة وفيها الاختلاف الكثير، وما دام الأمر كذلك فإن نتيجة متبعيها التفرق والتشتت والميل عن سواء السبيل.

يقول الله عز وجل: (فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ? وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) 117.

فاختلاف القلوب مسبب لتباغض القلوب وتناحرها وتفرقها.

بين الله سبحانه للبشر طريق الخير وأمرهم بها، وبين لهم طريق الشر وحذرهم منها. ومن خالف ذلك متبعًا مخالفي أوامر الله تعالى، كان خصمًا لله تعالى يخذله ولا ينصره.

يقول المولى عز وجل: (لَنْ تَرْضَى? عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ? قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى? ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [البقرة: 120] .

فالله تعالى بين للمؤمنين حقيقة اليهود والنصارى، وأنهم لا يرضون منا إلا اتباع ملتهم، فجاء التحذير الإلهي: بأن اتباع ملتهم فيه فقدان ولاية الله ونصرته.

ولقد تحدثت سورة الجاثية عن بني إسرائيل 118 وأنهم اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات.

ثم حذرت النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء الذين لا يعلمون من كفار مكة وغيرهم؛ فالظالمون بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين.

فقال المولى عز وجثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى? شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ? وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية: 18 - 19] .

ولئن كان اتباعٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الأهواء من أهل الكتاب والكفار، من بعد ما جاءه من الحق -وحاشاه-؛ فليس له من نصير ينصره من عذاب الله، وليس له منهم من أحد عنه حاجزين.

قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ) [الرعد: 37] .

والملاحظ أن الخطاب في آيات البقرة: 120، والرعد: 37، والجاثية: 18 السابقة موجه للرسول صلى الله عليه وسلم، بأنك إن اتبعت أهواء الذين لا يعلمون، وأهواء أهل الكتاب- وحاشاه أن يفعل ذلك- فإن لك عذابًا، لا يدفعه عنك أحد. والخطاب هذا خطاب لأمته. فإذا كان الأمر كذلك مع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دونه من الناس، وفي هذا تحذير شديد، ووعيد كبير لمن اتبع غير سبيل الله بأنه سيفقد الولي والنصير.

ورفع الله ولايته ونصرته عن الذين يركنون إلى الذين ظلموا، فقال الله سبحانه: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَہ) [هود: 113] .

والركون إلى الذين ظلموا يعني: محبتهم والميل بالقلب إليهم، ومداهنتهم والرضى بأعمالهم، والدنو منهم، وطاعتهم، والاعتماد عليهم في قضاء المصالح 119.

والذي يركن إلى الذين ظلموا بشيء من ذلك؛ فإنه يفقد الولاية والنصرة من دون الله تعالى. والأمة اليوم فقدت نصرة الله تعالى، وذلك لأنها رضيت أعمال الذين ظلموا، بل شابهت أعمالهم وفعلت فعلهم، فكانت جديرة بأن يتخلى ربها عنها ويتركها من ولايته ونصرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت