خامسًا: الخوف من الله عز وجل سبب من أسباب التمكين، قال عز وجل: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] .
وبين الله -في جلاء تام- العلاقة بين الخوف ومقاومة الهوى بقوله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40] .
وبين ربنا أيضًا أن الخائفين منه هم الذين ينتفعون بالقرآن والآيات، فقال: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51] .
{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الذاريات: 37] .
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 103] .
سادسًا: أن جميع الأنبياء والمرسلين بدءوا دعوتهم بتحذير أقوامهم من المآل الذي ينتظرهم؛ ليحذروا غضب الله، ويخافوا عذابه؛ فيسهل عليهم مجانبة الهوى.
نماذج من تحذير الأنبياء لأقوامهم في بداية دعوتهم:
فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: {يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [نوح: 2] .
وهذا إبراهيم عليه السلام يقول: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 85 - 87] .
وتأمل ما قاله هود عليه السلام: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف: 21] .
وكذلك روى الإمام البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] .
صعد النبي صلى الله عليه السلام على الصفا فجعل ينادي: (يا بني فهرٍ، يا بني عديٍ) لبطون قريشٍ، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: (فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ) 166.
فأن يكون الخوف هو مبدأ دعوات الرسل فهذا لا شك يدل على أهميته في دفع القلب نحو مراضي الله، وأنه الدواء الناجع لمن أسره شيطانه، وغلبه هواه.
رابعًا: استحضار حساب الآخرة:
لا شك أن من أعظم أسباب مقاومة الهوى استحضار العبد لليوم الآخر، فاستحضار الآخرة في النفس يعطي الإنسان القوة في مواجهة اتباع الهوى، وبالضد فإن نسيان الآخرة عامل كبير في اتباع الإنسان لهواه، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] .
وفي هذا إشارة واضحة إلى أن «السبب الأول لحصول ذلك الضلال -الناتج عن اتباع الهوى- هو نسيان يوم الحساب؛ لأنه لو كان متذكرًا ليوم الحساب؛ لما أعرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد، ولما صار مستغرقًا في هذه اللذات الفاسدة» 167.
فاتباع الإنسان لهواه إنما هو نتاج لنسيان الآخرة، ولو ذكر الآخرة في حياته؛ لما خالف الشرع واتبع الهوى، فإن تذكر اليوم الآخر «يقتضي ملازمة الحق، ومخالفة الهوى» 168.
ومن الآيات التي أكدت على هذا قوله عز وجل: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150] .
فهذا تأكيد على أن عدم الإيمان بالآخرة هو الذي قادهم إلى اتباع أهوائهم؛ لأنهم «لو كانوا يؤمنون بالآخرة؛ لعلموا أنهم مجازون على هذا جزاء يناسب جرائمهم، ولو أنهم قدروا هذه المسألة؛ لامتنعوا عن اتباع أهوائهم» 169.
وهكذا يظهر لنا أن استحضار اليوم الآخر عاصم كبير من اتباع الهوى -ولا غرو- فقد لفتنا الله إليه في سورة الفاتحة التي نرددها كثيرًا في قوله جل جلاله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] .
لاتباع الهوى آثار وخيمة نتناولها بالتوضيح فيما يأتي:
أولًا: الضلال:
وهذا من الآثار الوخيمة لاتباع الهوى، قال الله عز وجل: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 56] .
ففي هذه الآية يأمر الرب الجليل نبيه صلى الله عليه السلام أن يواجه المشركين، ويخبرهم أنه منهي عن اتباع أهوائهم «لأن من يتبع أصحاب الهوى يضل، ولا يهتدي أبدًا» 170.
ومما يؤكد على هذا عطف {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} على {قَدْ ضَلَلْتُ} ففيه دلالة «على أنه جزاء آخر للشرط المقدر، فيدل على أنه إن فعل ذلك؛ يخرج عن حاله التي هو عليها الآن، من كونه في عداد المهتدين إلى الكون في حالة الضلال، وأفاد مع ذلك تأكيد مضمون جملة {قَدْ ضَلَلْتُ} لأنه نفى عن نفسه ضد الضلال؛ فتقررت حقيقة الضلال على الفرض والتقدير» 171.
والذي يتأمل يجد أن الله عز وجل عبر بقوله:: {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} دون التعبير بـ (لا أتبعكم) «للإشارة إلى أنهم في عبادتهم لغير الله تابعون للأهواء الباطلة، نابذون للأدلة العقلية، وفي هذا أكبر برهان على انطماس بصيرتهم، وبنائهم لدينهم على الأوهام والأباطيل» 172.
فكان ضلال هؤلاء الكفار أثرًا من آثار اتباعهم للهوى؛ لأن سبيل الهداية إنما يستنير بالعلم، والضلال إنما يكون باتباع الإنسان لهواه، كما قال عز وجل: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] .
وتأمل كيف أن الله عبر بالباء في قوله: {بِأَهْوَائِهِمْ} وفي قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} لأن «الباء في {بِأَهْوَائِهِمْ} للسببية، والباء في {بِغَيْرِ عِلْمٍ} للملابسة، أي: يضلون منقادين للهوى، ملابسين لعدم العلم» 173.
وهذا كله لأن متبع الهوى بعبوديته لشهواته وميوله قد أعرض عن مصدر الهداية والتوفيق؛ فكان هذا الهوى سببًا في ضلاله، وابتعاده عن الهداية والتوفيق.
ومن هنا كان تحذير السلف من اتباع الهوى، أو مجالسة متبع الهوى كما قال أبو قلابة: «لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون» 174.
وإذا كان الضلال أثرًا من آثار اتباع الهوى؛ فإن الهوى قد يقود العبد إلى ما هو أعظم من ذلك، كأن يقوده إلى القتل، أو الكفر.
ثانيًا: الكفر:
المتأمل لنصوص القرآن الكريم يجد أن اتباع الهوى هو الباعث على كُفْرِ مَنْ كَفَرَ، وعدم إيمانهم برسلهم؛ فالله عز وجل يقول عن بني إسرائيل: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] .
فهذه الآية تذكر لنا كيف أن الله أخذ العهد على بني إسرائيل في التوراة «بتوحيده واتباع الأحكام التي شرعها لهدى خلقه، وتحليهم بحلي الفضائل ومكارم الأخلاق» 175.
ولكنهم غلبتهم أهواؤهم فتمردوا وكفروا، وكلما «أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه» 176.
وما ذلك إلا بسبب اتباعهم لأهوائهم، وأنه أتاهم بما يخالف هواهم.
وإذا كان اليهود من بني إسرائيل ساروا على هذا الدرب -باتباع الهوى- في الكفر برسلهم، فإن غيرهم من الأمم والأقوام السابقة ساروا على نفس النهج، فكفروا برسلهم وكذبوهم لا لشيء إلا لأجل اتباع الهوى.
كما قال الله جل جلاله: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 23 - 24] .
فالباعث لكل هؤلاء الأقوام على الكفر هو اتباع الهوى، والتقليد للآباء والأجداد، حتى وإن كان الذي جاء به الرسول أفضل وأهدى مما هم عليه.
ثالثًا: القتل:
من الآثار المهلكة التي ينتجها اتباع الهوى القتل، فإن متبع الهوى قد يصل بهواه إلى حد الوقوع في القتل، كما حكى الله عز وجل عن بني إسرائيل بقوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] .
فالله عز وجل يخبر عن حال بني إسرائيل في مقابلتهم لدعوة الرسل والأنبياء الذين أرسلوا إليهم، فيقول لهم: «أنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم فكذبتم بعضًا منهم، وقتلتم بعضًا، فهذا فعلكم أبدًا برسلي» 177.
والله تعالى يشنع عليهم هذه الفعلة القبيحة العظيمة أن يصل بهم الهوى إلى قتل دعاة الهدى، وتأمل كيف عبر عن القتل بصيغة المضارع، مع كونه كالتكذيب وقع في الماضي! وهذا لـ «تصوير جرم القتل الشنيع، واستحضار هيئته المنكرة، كأنه واقع في الحال للمبالغة في النعي عليهم، والتوبيخ لهم» 178.
وأن يصل بهم اتباع الهوى إلى هذا الحد فهذا -لا شك- يدل على أنهم «بلغوا من الفساد، واتباع أهوائهم أخشن مركب، وأشده تقحمًا بهم في الضلال حتى لم يعد يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل وهديهم، بل صار يغريهم بزيادة الكفر والتكذيب، وقتل أولئك الهداة الأخيار» 179.
وتلحظ هنا أن الله عز وجل يخاطب اليهود على عهد النبي صلى الله عليه السلام مع أنهم لم يقتلوا من الأنبياء أحدًا، ومع ذلك يقول لهم: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] .
والسر في هذا «أنهم راضون بفعلهم، والراضي كالفاعل، وقد كذبوا رسول الله صلى الله عليه السلام فيما جاء به، وسقوه السم؛ ليقتلوه 180، وسحروه» 181 182. فلما رضوا بفعل أسلافهم؛ كانوا كالمشاركين لهم في نفس الفعل.
رابعًا: الطبع على القلب وانتكاس الفطرة:
وهذا من الآثار الخبيثة التي تصيب متبع الهوى، قال عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16] .
فهذه الآية تتحدث عن المنافقين، الذين كانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه السلام؛ ليستمعوا دون فهمٍ ولا استحضارٍ؛ استخفافًا حتى إذا خرجوا قالوا لأهل العلم: {مَاذَا قَالَ آنِفًا} وليس مقصدهم بذلك «إلا السخرية والاستهزاء بما يقول، وأنه مما لا ينبغي أن يؤبه به، أو يلقى لمثله سمع» 183. فـ «طبع الله على قلوبهم وختم عليها، فلا تقبل خيرًا، ولا تأذن بخير يدخل إليها، ومن أجل هذا فقد أخلوا مع أهوائهم، تقودهم إلى حيث مواقع الضلال والهلاك، دون أن تمتد إليهم يد منقذة، إنهم قطعوا كل سبب يصل بينهم وبين أية وسيلة من وسائل الإنقاذ» 184.
ومما يظهر لك أن هذا الطبع أثر من اتباع الهوى حديث القرآن بعد ذلك عن فريق آخر رغب في الهدى، وأقبل عليه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .
فـ «ترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر، فالذين اهتدوا بدءوا هم بالاهتداء فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} » 185.
أما متبعو الهوى فكان الهوى مانعًا لهم من اتباع الحق، وسببًا في الطبع على قلوبهم، وانتكاس فطرتهم، كيف لا ومتبع الهوى غارق في المعاصي والسيئات، وهذه لها آثار خطيرة على القلب؛ إذ إنها تنتهي به إلى المرض، ثم القسوة أو الموت، كما أخبر النبي صلى الله عليه السلام في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه السلام قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئةً؛ نكتت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب؛ سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله) ، {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] 186.
ومن الآيات التي أكدت على هذا قوله جل جلاله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] .
فالله جل جلاله يخبر في الآية أن من لم يسر على طريق الاتباع، ويترك طريق الهوى يكون الجزاء على اتباعه لهواه الطبع والختم على قلبه «فتنطمس فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور، وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى، وتتعطل فيه أدوات الإدراك، وما ذلك إلا بطاعته للهوى طاعة العبادة والتسليم» 187.
وهكذا يظهر أن «من سننه سبحانه وتعالى في البشر أن من يتبع هواه في أعماله، ويستمر على ذلك ويدمنه الزمن الطويل، تضعف إرادته في هواه حتى تذوب وتفنى فيه، فلا تعود تؤثر فيه المواعظ القولية، ولا العبر المبصرة، ولا المعقولة، وهذه الحالة يعبر عنها بالختم والرين، والطبع على القلب، والصمم والعمى والبكم» 188. نعوذ بالله من هذا الحال.
خامسًا: اتباع الشهوات:
من الآثار التي تصيب متبع الهوى الانحطاط الخلقي واتباع الشهوات؛ فصاحب الهوى عبد لشهواته وميوله، لا يتحرك إلا بأمر منها فيصيبه هذا بالانحطاط الخلقي، كما ضرب الله لنا مثلًا على هذا بحال الرجل الذي قال عنه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] .
فهذا مثل يجلي بكل وضوح مدى أثر الهوى في الانحطاط الخلقي واللهث وراء الشهوات.
وتأمل كيف أنه عز وجل قال عن هذا المذكور في المثل: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176] .
فهذا «تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان، والتقوى بحال من كان مرتفعًا عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل» وذكر الأرض يشير إلى أن «الإخلاد هنا ركون إلى السفل، أي: تلبس بالنقائص والمفاسد» 189.
وهذا لا شك يدل على شدة الانحطاط الخلقي والركض الدائم خلف النزوات، -ولا غرو- فالإنسان حين يرضى لنفسه الإعراض عن اتباع الشرع «والتمسك بما آتاه الله من الآيات، ويأبى إلا متابعة الهوى، فلا جرم أنه واقع في هاوية الردى» 190.
قال ابن رجب رحمه الله: «إن جميع المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة رسوله» 191.
ومن الآيات التي أكدت على هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 43 - 44] .
«فشبه أكثر الناس بالأنعام، والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له، وجعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام؛ لأن البهيمة يهديها سائقها؛ فتهتدي وتتبع الطريق، فلا تحيد عنها يمينًا ولا شمالًا، والأكثرون يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل؛ فلا يستجيبون، ولا يهتدون، ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم» 192.
ولا شك أن الذي أوصل هؤلاء إلى هذه المرحلة المتدنية من الانحطاط حتى وصلوا درجة البهيمية، هو اتباع الهوى؛ فكان هذا التدني أثرًا من آثار متابعته.
وهكذا نرى كيف يهبط الهوى بالمرء إلى أسفل الدرجات، ويورثه انحطاطًا ينحط به عن درجته الآدمية، ورتبته الإنسانية؛ ليصبح دون البهائم؟! نسأل الله السلامة من متابعة الأهواء.
سادسًا: الظلم:
من آثار اتباع الهوى أيضًا الجور في الحكم بين الناس، وما يترتب على ذلك من ظلمهم، وعدم إيصال الحقوق إليهم، ولا شك في أن ذلك من أسباب انتشار الفساد في الأرض، فإن المظلوم قد لا يصبر على ظلمه، وأخذ غيره حقه منه بغير حق؛ فيطلب الوصول إليه من طريق لا يحبه الله ورسوله، إن افتقده في موضعه الذي وجهه الله إليه، ومن ثم وجب على الحكام وغيرهم ممن مكنهم الله من القضاء والحكم بين الناس أن يحكموا بينهم بالعدل الذي جاء به الإسلام، وألا يتبعوا أهواءهم فيجوروا.
فعن الحسن رحمه الله قال: «إن الله أخذ على الحكام ثلاثًا: ألا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، وألا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، ثم قرأ: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] .
وقرأ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] 193.
وقد سبق بيان تحذير الله جل جلاله لعبده ونبيه داود عليه السلام بقوله: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] .
سابعًا: فساد السموات والأرض:
من الآثار المترتبة على مخالفة هذا الطريق واتباع الهوى فساد السموات والأرض ومن فيهن، كما قال جل جلاله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .
فهذه الآية توضح أن الله عز وجل «لو أجرى حكمه على وفق مراد الناس وأهوائهم؛ لاختل أمر السماوات والأرض، ولخرج عن حد الإحكام والإتقان» 194، وما ذلك إلا لأن خلق السموات والأرض ومن فيهن «قام بالحق» 195، والحق واحد ثابت لا يتبدل ولا يتغير، أما الأهواء فهي كثيرة ومتقلبة، تختلف باختلاف أصحابها؛ فلذلك «لو خضع الكون للأهواء العارضة، والرغبات الطارئة؛ لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس، وتأرجحت كلها بين الغضب والرضا، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول، وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات» 196.
فلو أن الله عز وجل «أباح الظلم وترك العدل؛ لوقع الناس في هرج ومرج، ولوقع أمر الجماعات في اضطراب وفساد، ولو أباح العدوان، واغتصاب الأموال، وأن يكون الضعيف فريسة للقوى؛ لما استتب أمن، ولا ساد نظام، وحال العرب قبل الإسلام شاهد صدقٍ على ذلك، ولو أباح الزنا؛ لفسدت الأنساب، وما عرف والدٌ ولده، فلا تتكون الأسر، ولا يكون من يعول الأبناء، ولا يبحث لهم عن رزق، فيكونوا شردًا في الطرقات لا مأوى لهم، ولا عائل يقوم بشئونهم» 197.