قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية، والجماعية، والعمرانية.
فالصلاح الفردي يعتمد تهذيب النفس وتزكيتها، ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد، لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر.
وأما الصلاح الجماعي فيحصل أولًا من الصلاح الفردي، إذ الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه، وهناك شيء زائد على ذلك وهو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض، على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية، وهذا هو علم المعاملات، ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية.
وأما الصلاح العمراني فهو أوسع من ذلك إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي، وضبط تصرف الجماعات والأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع، ورعي المصالح الكلية الإسلامية، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع.
وصار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنة، كافيًا في هدي الأمة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فقد كان الدين وافيًا في كل وقت بما يحتاجه المسلمون 180.
والله عز وجل نص على بعض الأحكام، وأجمل القول في بعضها، وأحال على الأدلة في سائرها بقوله: (گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں) [النساء: 83] .
فبين النبي صلى الله عليه وسلم ما أجمله الله في كتابه، كما أمره، حيث يقول: (ٹ ٹ ? ? ?) [النحل: 44] .
فما أحل صلى الله عليه وسلم، أو حرم، ولم يوجد في القرآن نصًا، فهو مما بين من مجمل القرآن، أو علمه بما نصب من الأدلة فيه 181.
فما ترك القرآن شيئًا من أمر الدين إلا وقد دلنا عليه؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة، يتلقى بيانها من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب.
فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلًا وإما تأصيلًا.
وقال: (چ چ چ?) 182 [المائدة: 3] .
وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) أي: من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات، وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور على الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان: (? ? ? ?) [يوسف: 111] .
تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلالة إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد 183.
(? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?) [النحل: 44] .
(? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 64] .
وهذا الكمال والشمول للشريعة الإسلامية، يفيد الأمة في مجالات السياسة المختلفة من وجوه:
أولها: أن الشمول ينسحب أثره على مناحي الحياة السياسية في جميع مراحلها، بدءًا من ضوابط اختيار الحاكم، ومرورًا بمنهجه في الحكم، وانتهاء بحالات عزله أو انعزاله.
وثانيها: أن الشمول ينفي عن الشريعة تهمة النقص والقصور التي يحاول أعداء الإسلام اتهام الشريعة بها، أو الترويج لها، لا سيما إذا استطاع المسلمون أن يبينوا أوجه الكمال والشمول هذه.
وثالثها: أن الشمول والكمال ينبئ عن ربانية مصادر الشريعة، وخلوصها من تهمة استفادتها من أي نظام آخر، سواء كان قانونيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا، فلم تتأثر الشريعة الإسلامية بشريعة فارس ولا الروم، ولا بحكم الصين أو الهند أو غير ذلك من الدول المحيطة بالدولة الإسلامية إبان نزول الوحي، أو إقامة الدولة في المدينة النبوية.
جاءت الشريعة بمبدأ المساواة بين الناس بغض النظر عن اختلافهم في اللون أو الجنس أو اللغة، وجعلت أساس التفاضل بينهم العمل الصالح.
قال تعالى: (? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ژ) [الحجرات: 13] .
وهذا المبدأ جاءت به الشريعة في وقت كانت العصبية للجنس والقبيلة هي الأساس في المجتمع، وفي تمايز الناس وتفاضلهم.
والحكمة في جعله بني آدم شعوبًا وقبائل، هي التعارف فيما بينهم، فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة، لقوله: (چ چ? ) .
فيعرف بعضهم بعضًا، ويتميز بعضهم عن بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه، فاتضح من هذا أن الفضل والكرم إنما هو بتقوى الله لا بغيره من الانتساب إلى القبائل 184.
والله تعالى قد علق محبته لخلقه على وصف التقوى والإيمان والإحسان، كقوله: (ھھ ھ ھ ے ے) [البقرة: 195] .
وقوله: (ڑ ڑ ک ک) [البقرة: 205] .
وقوله: (? ? ? ? ? ?) [البقرة: 222] .
وقوله: (? ? ? ?) [آل عمران: 76] .
وقوله: (? ? ?) [آل عمران: 146] .
إلى غير ذلك من الآيات.
ونفى محبته من وصف الاعتداء والكفر والظلم، كقوله: (? ? ? ? ? ?) [البقرة: 190] .
وقوله: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [البقرة: 276] .
وقوله: (? ? ?) [آل عمران: 32] .
وقوله: (? ? ? ?) [آل عمران: 57] .
وقوله: (ہ ہ ہ ھ ھ) [الأنفال: 58] .
إلى غير ذلك من الآيات.
الشريعة الإسلامية عامة لجميع البشر في كل زمان ومكان.
قال تعالى: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [الأعراف: 158] .
وقال سبحانه: (?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?) [سبأ: 28] .
وهي باقية لا يلحقها نسخ ولا تغيير؛ لأن الناسخ يجب أن يكون بقوة المنسوخ أو أقوى منه، فلا ينسخ الشريعة وهي تشريع من الله إلا تشريع آخر من الله سبحانه، وحيث إن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، لقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [الأحزاب: 40] .
فلا يتصور أن ينسخها أو يغيرها شيء.
وعموم الشريعة وبقاؤها وعدم قابليتها للنسخ والتبديل كل ذلك يستلزم عقلًا أن تكون قواعدها وأحكامها على نحو يحقق مصالح الناس في كل عصر ومكان، ويفي بحاجاتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه المجتمع، وهذا كله متوفر في الشريعة الإسلامية؛ لأن الله تعالى وهو العليم؛ إذ جعلها عامة في المكان والزمان وخاتمة لجميع الشرائع، جعل الله قواعدها وأحكامها على نحو يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وهذا ما يدل عليه واقع الشريعة ومصادرها وطبيعة مبادئها وأحكامها وما ابتنت عليه هذه الأحكام، قال تعالى: (ک ک گ گ گ) [الأنبياء: 107] .
والرحمة تتضمن رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم 185.
وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم رسول إلى جميع الناس، وصرح بذلك في آيات كثيرة، كقوله: (?ہ ہ ہ ہ) .
وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفرقان: 1] .
وقوله: (ھ ھ ے ے ? ? ?) [هود: 17] .
وقيد في موضع آخر: عموم رسالته ببلوغ هذا القرآن، وهو قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 19] .
وصرح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب بقوله: (ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے) [آل عمران: 20] .
إلى غير ذلك من الآيات 186.
وهذه الآيات وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث 187.
وما بعث نبيًا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس 188، كما ثبت في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي وذكر منها:(وكان النبي يبعث إلى قومه خاصةً وبعثت إلى الناس كافةً) 189.
وهو ما يفيده العموم في كلمة (للناس) في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزمر: 41] .
وقوله: (? ? ? ? ? ? ?) [الجاثية: 20] .
وقوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفرقان: 1] .
هذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للأسود والأحمر والجن والإنس، لدخول الجميع في قوله تعالى: (? ?) 190.
قال الطيبي: مدار هذه السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إلى الناس كافة، ينذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولهذا جعل براعة استهلالها (? ? ? ? ? ? ? ? ?) ، وذكر بدائع من صنعه تعالى، جمعًا بين الاستدلال والتذكير، وأعقب ذلك بتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوته ومقاومته الكافرين 191.
ويظهر في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم شمول البعثة في قوله: (? ?) ، وعموم الرحمة في قوله: (ک ک گ گ گ) 192.
وقال سبحانه: (? ? ? ? ?) [التكوير: 27] .
هذا وعالمية الشريعة الإسلامية تمثل ثراء كبيرًا في مجال السياسة الداخلية والخارجية، وأبرز مظاهر هذا الثراء في تقديري ما يلي:
أولًا: أن عالمية الإسلام أعون للحاكم على تنفيذ تعاليم الشرع وتحكيم شرع الله عز وجل في دولته، مما لا يتأتى معه مجال للنقد أو الاعتراض من الدول غير الإسلامية.
ثانيًا: أن هذه السمة (العالمية) تفتح آفاقًا للتعاون المثمر بين الدول الإسلامية المختلفة، حيث يكون الهدف والتشريع واحدًا.
جعل الله عز وجل كتابه العظيم دليلًا للسالكين وهداية للراغبين، قال سبحانه: (? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 38] .
فمن تأمله وتدبره وعمل بما فيه وجد بغيته وضالته. وقد ذكر الله تعالى في كتابه نماذج سياسية من أنبياء الله تعالى وغيرهم، حتى تكون قصصهم عبرة لأولي الألباب، ومن هذه النماذج قصة نبي الله داود وسليمان ويوسف عليهم الصلاة والسلام، وكذلك قصة ذي القرنين، وملكة سبأ، وهو ما سأتناوله في النقاط الآتية:
أولًا: دواد وسليمان عليهما السلام:
جمع الله تعالى النبوة والحكم في بيت واحد لداود وسليمان عليهما السلام، وهذه نعمة كبيرة غير مسبوقة في بني إسرائيل، قال تعالى: (? ? ? ?) [سبأ: 10] .
فذكر الله عز وجل في هذه الآية الكريمة أنه آتى داود منه فضلًا تفضل به عليه، وبين هذا الفضل الذي تفضل به على داود في آيات أخر، كقوله: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [البقرة: 251] .
آتى الله داود الملك الذي كان بيد طالوت والحكمة، أي: النبوة، (ھ ھ ے) أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم 193.
وقوله: (? ? ? ? ? ?) [ص: 20] .
وقوله: (? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [النمل: 15] .
وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [ص: 26] .
إلى غير ذلك من الآيات.
قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چچ? ? ? ? ?) [النمل: 16] .
بين الله سبحانه في هذه الآية وراثة سليمان لدواد وتميزه بالنعم الأخرى واتساع ملكه، فورث من داود نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود عليه السلام تسعة عشر ابنًا، ولذا قال تعالى: (? ? ?) [النمل: 16] 194.
وقد اتصف ملك داود وسليمان عليهما السلام بالقوة والعدل والحكمة، قال تعالى: (? ?) عبارة عامة لجميع ما وهبه الله تعالى من قوة وجند ونعمة، (? ?) قال ابن عباس وغيره: هو فصل القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه 195.
وذكر الله عز وجل أنه أعطى داود ملكًا وسلطانًا لم يكن لآبائه، وفي ذلك إيماء إلى أن شأن محمد صلى الله عليه وسلم سيصير إلى العزة والسلطان، ولم يكن له سلف ولا جند، فقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بحال داود عليه السلام.
وفي ذلك الإيماء إلى التحذير من الضجر في ذات الله تعالى، واتقاء مراعاة حظوظ النفس في سياسة الأمة، إبعاده لرسوله صلى الله عليه وسلم عن مهاوي الخطأ والزلل، وتأديبًا له في أول أمره وآخره، مما أن يتلقى بالعذل. وكان داود أيضًا قد صبر على ما لقيه من حسد «طالوت» ملك إسرائيل إياه على انتصاره على جالوت ملك فلسطين 196.
وقد حصلت بعض الوقائع في بني إسرائيل أبرزت ذكاء سليمان عليه السلام وحكمته، ومن ذلك ما يلي:
أولًا: واقعة الغنم التي نفشت في الحرث: قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 78 - 79] .
وكان داود ملكًا نبيًا يحكم بين الناس فوقعت هذه النازلة، وكان ابنه إذ ذاك قد كبر وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر، فتخاصم إليه رجل له زرع، دخلت حرثه غنم رجل فأفسدت عليه، فرأى داود دفعها إلى صاحب الحرث، فخرجا على سليمان، فشكى صاحب الغنم فجاء سليمان فقال: يا نبي الله، إني أرى ما هو أرفق بالجميع، أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل، فإذا عاد الحرث إلى حاله، صرف كل مال صاحبه إليه، فرجعت الغنم إلى ربها والحرث إلى ربه، فقال داود: وفقت يا بني وقضى بينهما بذلك 197.
وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب، فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده، ولم يستوجب لومًا ولا ذمًا بعدم إصابته. كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: (ہ ہ) وأثنى عليهما في قوله: (ہ ھ ھ ھ) فدل قوله: (ہ ھ) على أنهما حكما فيها معًا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف.
ثم قال: (ہ ہ) فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهمًا إياها كما ترى، فقوله: (ہ ھ) مع قوله: (ہ ہ) قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك.
والقرينة الثانية: هي أن قوله تعالى: (ہ) يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: (ہ) أليق بالأول من الثاني، كما ترى 198.
وقدم سليمان في الذكر على داود لتوفر علمه، وتأخر ذكر داود لتشريفه بذكر كتابه، وإبرازه في جملة مستقلة له بالذكر ولكتابه، فما فاته من التقديم اللفظي حصل به التضعيف من التشريف المعنوي 199.
وقد أوتي سليمان الحكمة، وسخر له أهل الصنائع والإبداع، فاستكملت دولة إسرائيل في زمانه عظمة النظام والثروة والحكمة والتجارة فكان في قصتهما مثل.
وكانت تلك القصة منتظمة في هذا السلك الشريف، سلك إيتاء الفرقان والهدى والرشد والإرشاد إلى الخير والحكم والعلم.
وكان في قصة داود وسليمان تنبيه على أصل الاجتهاد وعلى فقه القضاء، فلذلك خص داود وسليمان بشيء من تفصيل أخبارهما، أي: وآتينا داود وسليمان حكما وعلما إذ يحكمان إلى آخره، فـ (? ?) متعلق بـ (ھ) المحذوف، أي: كان وقت حكمهما في قضية الحرث مظهرًا من مظاهر حكمهما وعملهما.
وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد، أو لم يهتد إلى المعارض؛ لقوله تعالى: (ہ ھ ھ ھ) في معرض الثناء عليهما 200.
ثانيًا: واقعة المائة نعجة:
إذ تسور على داود محرابه رجلان متخاصمان، (? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [ص: 22] .
فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون من النعاج، وليس عندي إلا نعجة واحدة، فطمع فيها وقال: أعطنيها، وغلبني بحجته.
وسأله أن يعطيه نعجته، ولما رأى منه تمنعًا اشتد عليه بالكلام وهدده، فأظهر الخصم المشتكي أنه يحافظ على أواصر القرابة، فشكاه إلى الملك. وبهذا يتبين أن موضع هذا التحاكم طلب الإنصاف في معاملة القرابة؛ لئلا يفضي الخلاف بينهم إلى التواثب، فتنقطع أواصر المبرة والرحمة بينهم.
وقد علم داود من تساوقها للخصومة، ومن سكوت أحد الخصمين، أنهما متقاربان على ما وصفه الحاكي منهما، أو كان المدعى عليه قد اعترف، فحكم داود بأن سؤال الأخ أخاه نعجته ظلم؛ لأن السائل في غنى عنها، والمسؤول ليس له غيرها، فرغبة السائل فيما بيد أخيه من فرط الحرص على المال، واجتلاب النفع للنفس بدون اكتراث بنفع الآخر. وهذا ليس من شأن التحاب بين الأخوين، والإنصاف منهما فهو ظلم، وما كان من الحق أن يسأله ذلك، أعطاه أو منعه، ولأنه تطاول عليه في الخطاب، ولامه على عدم سماح نفسه بالنعجة، وهذا ظلم أيضًا 201.
فقال داود: (ہ ہ ھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [ص: 24] .
قال ابن كثير رحمه الله: قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضًا 202.
وفي قول الهدهد لسليمان عليه السلام: (? ? ? ? ?) [النمل: 22] .
تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكًا تداني ملكه، أو تفوقه في بعض أحوال الملك، جعله الله مثلًا له، كما جعل علم الخضر مثلًا لموسى عليه السلام، لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو.
وفيه استدعاء لإقباله على ما سيلقى إليه، لأهمية هذا المطلع في الكلام، فإن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح، ليكونوا على استعداد بما يفاجئهم من تلقائها، ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة، بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها، والانقباض عما في أحوال المملكة من الخلل، بمشاهدة آثار مثله في غيرها 203.
وكان من منهج سليمان عليه السلام في حكمه فيما يتعلق بشأن ملكة سبأ مايلي:
••التثبت في قبول الأخبار، وهو قول سليمان للهدهد: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [النمل: 27] .
••دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم؛ لأن سليمان عليه السلام لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه، وإنما صار صدق الهدهد عذرا لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد، وقد قبل عمر رضي الله عنه عذر النعمان بن عدي ولم يعاقبه، ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة 204.
••ومن منهجه كذلك: إرساله الكتب والرسل لغير المسلمين ودعوتهم، قال تعالى: (ک گ گ گ گ ? ? ?) [النمل: 28] .
••أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك، بمعنى: وكن قريبًا حتى ترى مراجعتهم. وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه؛ أي: ألقه وارجع. (? ? ?) [النمل: 28] 205. فأرسل سليمان عليه السلام الهدهد بكتابه ليلقيه إليها، فجمعت قومها وقالت (ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [النمل: 29 - 30 - 31] .
••ومن حكمة بلقيس كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب، وما ذاك إلا لتعلم أصحابها أن لها اتصالًا إلى أمور لا يعلمون طريقها. وفي ذلك سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواص مدبريها، وبهذا استحقت التقديم عليهم. وتأكيد الجملة للاعتناء بشأن الحكم 206.
••وفي هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار 207.
ولا يدل قوله: (?) على جواز أن تكون المرأة ملكة؛ لأن ذلك كان من فعل قوم بلقيس، وهم كفار، فلا حجة في ذلك 208.
وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال: (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأةً) 209.
وكذلك كان، فإنهم لم يستقم لهم أمر، والفلاح الفوز بالمطلوب والتدبير يحتاج إلى كمال الرأي، ونقص المرأة مانع، وفي الحديث دليل على أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء ولا عقد النكاح 210.
ثانيًا: يوسف عليه السلام:
اصطفى الله تعالى نبيه يوسف للنبوة، وتعرض عليه السلام لمحن وابتلاءات عدة منذ صغره، وكان لهذه المحن أثرها في تكوين شخصيته وحنكته السياسية والإدارية، مما صار به بعد ذلك إلى تولي مقاليد الأمور في مصر، فسار فيها على أطيب وجه وأحسنه.
وقد قال الله تعالى عن يوسف عليه السلام مبينًا صفاته التي اتصف بها: (? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 22] .