فهرس الكتاب

الصفحة 2120 من 2431

والسادس: أن منهم إسماعيل، ويعقوب وأيوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ولا سليمان، قاله ابن جريج.

والسابع: أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال، قاله ابن السائب، وحكي عن السدي.

والثامن: أنهم جميع الرسل، فإن الله لم يبعث رسولًا إلا كان من أولي العزم، قاله ابن زيد، واختاره ابن الأنباري، وقال: «من» دخلت للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول: قد رأيت الثياب من الخز والجباب من القز.

والتاسع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة (الأنعام) ، قاله الحسين بن الفضل.

العاشر: أنهم جميع الأنبياء إلا يونس، حكاه الثعلبي» 144.

ورغم أن الآية لم تنص نصًا صريحًا على اتصافه صلى الله عليه وسلم بالصبر، فإنها دلت على ذلك دلالة ضمنية.

قال ابن عاشور: «وهذه الآية اقتضت أن محمدا صلى الله عليه وسلم من أولي العزم لأن تشبيه الصبر الذي أمر به بصبر أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه ممتثل أمر ربه، فصبره مثيل لصبرهم، ومن صبر صبرهم كان منهم لا محالة» 145.

فقد نص على أن الآية تدل ضمنا على دخوله صلى الله عليه وسلم في عداد أولي العزم من الرسل واتصافه بالصبر، ويكون ذلك من الأساليب القرآنية البليغة التي تسري على قلبه صلى الله عليه وسلم وتثبته على الحق بما تضرب له من المثل في صفة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) } [هود:120] .

على أن عدم وصفه بالصبر وصفا صريحا قد تضمن معنا بليغا يستشف من النصوص، فإنه صلى الله عليه وسلم جاوز مرحلة التأذي بصد المشركين عنه إلى الحزن عليهم لشدة الحرص والرغبة في استنقاذهم حتى قيل له {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } [الكهف:6] .

فإن الأذى الذي تهون منه الآية في نفسه صلى الله عليه وسلم لم يكن سببه ما لقيه من صد وجفوة، بل الحزن على إهلاك المعادين له أنفسهم بتكذيبهم بالحق، فكانت «هذه الآية تسلية للنبي عليه السلام، وقوله: {فَلَعَلَّكَ} تقرير وتوفيق بمعنى الإنكار عليه أي: لا تكن كذلك، و «الباخع نفسه» هو مهلكها وجدا وحزنا على أمر ما، وقوله: {عَلَى آثَارِهِمْ} استعارة فصيحة، من حيث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان وإعراض عن الشرع، فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في آثارهم يحزن عليهم، وقوله: {بِهَذَا الْحَدِيثِ} أي: بالقرآن الذي يحدثك به، و «الأسف» : المبالغة في حزن أو غضب» 146.

وعليه فقد بلغ عليه الصلاة والسلام مرتبة عالية من الصبر جعلته يجاوز الأسف والحزن على ما يصيبه من أذى إلى الحزن على من يؤذيه لإهلاكه نفسه بالتكذيب.

ثانيًا: الحياء:

كان النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد حياءً من العذراء في خدرها) 147، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، ومن مظاهر حيائه عليه الصلاة والسلام: «أنه لم يكن يواجه أحدا بما يكرهه بل يتغير وجهه فيفهم أصحابه كراهيته لذلك» 148.

ولقد أصابه عليه الصلاة والسلام أذى من بعض الناس على غير قصد منهم فمنعه حياءه أن يواجههم به، ولكن القرآن الكريم نزل مربيًا ومؤدبًا وموجهًا للمؤمنين ومرشدًا لهم إلى التيقظ والتنبه في معاملتهم له إلى ما فيه إيذاء له، فإنه يستحيي أن يرده عليهم.

عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: (بني على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحشٍ بخبزٍ ولحمٍ، فأرسلت على الطعام داعيًا فيجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعو، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدًا أدعوه، قال:(ارفعوا طعامكم) وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله) ، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ثلاثةٌ من رهطٍ في البيت يتحدثون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة فما أدري آخبرته أو أخبر أن القوم خرجوا فرجع، حتى إذا وضع رجله في أسكفة 149 الباب داخلةً، وأخرى خارجةً أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب) 150.

وقد نزل في ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) } [الأحزاب:53] .

والمعنى: « {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} يعني: إلا أن تدعوا إلى {طَعَامٍ} فيؤذن لكم فتأكلون {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} يعنى: منتظرين نضجه ووقت إدراكه {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ} أي: أكلتم الطعام {فَانْتَشِرُوا} أي: فاخرجوا من منزله وتفرقوا {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} أي: لا تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث بعض، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون فنهوا عن ذلك {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} أي: فيستحيي من إخراجكم {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} أي: لا يترك تأديبكم وبيان الحق حياء، ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال، قال: {لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} بمعنى: لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم وهذا أدب أدب الله به الثقلاء» 151.

وقد أبرزت الآية مظهر خلقه صلى الله عليه وسلم الكريم، فهذه السريرة الطيبة، وتلك النفس العظيمة، قد تدثرت بلباس العظمة التي تشفق على المخطئ أن يتطاير إليه منها شرارة تمسه ببعض الأذى أو تنبهه على أنه أتى شيئا لا يليق، وقد تظافر في تشكيل هذه النفسية العظيمة حياء العظماء وشفقة الرحماء.

ثالثًا: الرأفة والرحمة بالمؤمنين:

كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا رؤوفًا هيِنًا ليِنًا عفوًا قابلًا للعذر حريصًا على سوق الخير للناس؛ عامل بهذا الخلق أصحابه وأعداءه، إلا أن يقابل في ساحة الوغى قوما يعادون الحق ويحاربونه فيغلظ عليهم في الله انتصارا للحق والضعفاء لا لنفسه.

ولقد تفرق عنه أصحابه يوم أحد وهو يدعوهم في أخراهم، ثم أنزل الله العفو عنهم وأمره هو صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم أيضا فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران:159] .

والمتأمل للآية يجد أنها قد مهدت لهذا الأمر بالعفو بالنص على أنه صلى الله عليه وسلم رحمة رحم الله بها المؤمنين فلان لهم، فاجتمعوا على محبته، ولو أنه كان فظا غليظ القلب لكانوا قد تفرقوا عنه. قال ابن جرير: «يعني جل ثناؤه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} ، فبرحمة من الله، و «ما» صلة. وأما قوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ، فإنه يعني بـ «الفظ» الجافي، وبـ «الغليظ القلب» : القاسي القلب، غير ذي رحمة ولا رأفة. وكذلك كانت صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله به: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128] .

فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك {لِنْتَ لَهُمْ} : لتباعك وأصحابك، فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتبعك ولا ما بعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم» 152.

ولئن كان هذا خلقه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فقد كان ذلك خلقه مع أعدائه، وحتى مع أشد الناس أذى له في نفسه وأهله كما فعل مع عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين والذي رمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة في قصة الإفك المشهورة، وما كان قصده إلا إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كاد للمؤمنين يوم أحد، وراسل بني النضير يعدهم بالنصرة، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين بالكلاب، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وتربص وأصحابه بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الدوائر

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إنما خيرني الله فقال:) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، وسأزيده على السبعين (قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة:84] ) 153.

ولقد نسي النبي صلى الله عليه وسلم كل أذى أصابه من ابن سلول وهم أن يستغفر له أكثر من سبعين مرة، وهو أمر يجاوز مجرد مواساة ابنه المؤمن، ولقد كان صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما أصابه هو من أذى منه مختارا سبيل الصفح والعفو، ولكن الآية نزلت تأمر بالنظر إلى جرمه في حق الإسلام وأهله، وهي دالة على أن موجب الرحمة يزول في حق المحاد لله ورسوله من باب كونه عدوا للحق محاربا له صادا عنه، ولعل الآية قد قصرت رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم على المؤمنين لأجل أن الغلظة واجبة عند انتهاك حرمات الله كما يأتي -إن شاء الله-.

وحين سخر المنافقون من إنصات النبي صلى الله عليه وسلم لهم وهم له كاذبون وقالوا: «هو أذن» ، رد عليهم القرآن الكريم بأنه أذن خير ورحمة للمؤمنين، وأن الله قد أعد للمؤذين له والمستهزئين به عذابا عظيما.

قال تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) } [التوبة:61] .

«فلأجل كرم خلقه كان صلى الله عليه وسلم رحمة أي: هو رحمة {لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} ، وإنما قال: {مِنْكُمْ} لأن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فبين الله سبحانه وتعالى كذبهم بقوله: إنه رحمة للمؤمنين المخلصين لا للمنافقين، وقيل: في كونه صلى الله عليه وسلم رحمة: لأنه يجري أحكام الناس على الظاهر ولا ينقب عن أحوالهم ولا يهتك أسرارهم» 154.

فكان صلى الله عليه وسلم رحمة، وكان رحيما بالمؤمنين وبمن أظهر الإيمان بل بمن ينافقه ويعاديه ويكذب عليه وإن علم كذبه رغبة في هدايته وإصلاحه ولئلا يغلق باب الإنابة دونه بفضح أمره.

رابعًا: الحرص على المؤمنين و التألم لألمهم:

ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان حريصا على هداية الناس جميعا يعز عليه ما يعنتهم، كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) } [التوبة:128] .

و معنى {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} : «من جنسكم عربي مثلكم. وقرئ: «من أنفسكم» أي: من أشرفكم» 155.

والميم في قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ} إما أن تعود على العرب، أو على الناس كافة، وينبني على ذلك أن قوله سبحانه: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} عائد كذلك على العرب أو على الناس كافة غير مقتصر على المؤمنين وحدهم لأنه قال بعد ذلك: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فخصهم بها من دون سائر الناس.

قال ابن عطية: « {لَقَدْ جَاءَكُمْ} مخاطبة للعرب في قول الجمهور وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك، إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة وشرفوا به غابر الأيام، وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم، والمعنى لقد جاءكم رسول من البشر، والأول أصوب» 156.

و « {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} شديد شاق {مَا عَنِتُّمْ} عنتكم ولقاؤكم المكروه. {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي: على إيمانكم وصلاح شأنكم. {بِالْمُؤْمِنِينَ} منكم ومن غيركم. {رَءُوفٌ رَحِيمٌ} : قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأن الرأفة شدة الرحمة» 157.

واختصاص الرأفة والرحمة بالمؤمنين يدل على أن قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} يعم المؤمنين والكافرين، وحتى الرأفة والرحمة قد لا تكون قد قصرت في الآية على المؤمنين وحدهم إلا لأجل أن الغلظة واجبة عند انتهاك حرمات الله -والله أعلم-.

وقد نظر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلى أن الآية هي خاتمة سورة التوبة التي جاءت بتعذيب الكافرين وفضح المنافقين وأنها أعقبت ذلك ببيان أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة رحمهم الله بها، قال: «كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، وأمرا للمؤمنين بالجهاد، وإنحاء على المقصرين في شأنه. وتخلل ذلك تنويه بالمتصفين بضد ذلك من المؤمنين الذين هاجروا والذين نصروا واتبعوا الرسول في ساعة العسرة. فجاءت خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والتنويه بصفاته الجامعة للكمال. ومن أخصها حرصه على هداهم، ورغبته في إيمانهم ودخولهم في جامعة الإسلام ليكون رؤوفا رحيما بهم ليعلموا أن ما لقيه المعرضون عن الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل ما هو إلا استصلاح لحالهم. وهذا من مظاهر الرحمة التي جعلها الله تعالى مقارنة لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء:107] .

بحيث جاء في هاتين الآيتين بما شأنه أن يزيل الحرج من قلوب الفرق التي نزلت فيهم آيات الشدة وعوملوا بالغلظة تعقيبا للشدة بالرفق وللغلظة بالرحمة، وكذلك عادة القرآن. فقد انفتح بهاتين الآيتين باب حظيرة الإيمان والتوبة ليدخلها من وفقه الله إليها. فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا. وفي وقوعها آخر السورة ما يكسبها معنى التذييل والخلاصة» 158.

وقد بنى على ذلك أن المقصود جميع من بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأولهم المشركون والمكذبون، قال: «فالخطاب بقوله: جاءكم وما تبعه من الخطاب موجه إلى جميع الأمة المدعوة للإسلام. والمقصود بالخطاب بادئ ذي بدء هم المعرضون من المشركين والمنافقين من العرب بقرينة قوله عقب الخطاب {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} » 159.

ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان سماعا للخير قابلا للعذر.

خامسًا: أذن الخير:

حين سخر المنافقون من إنصات النبي صلى الله عليه وسلم لهم وهم له كاذبون وقالوا: «هو أذن» ، رد عليهم القرآن الكريم بأنه أذن خير ورحمة للمؤمنين، وأن الله قد أعد للمؤذين له والمستهزئين به عذابا عظيما.

قال تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) } [التوبة:61] .

قال السدي: «اجتمع ناس من المنافقين فيهم: جلاس بن سويد بن صامت ومخشي بن حمير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم فنهى بعضهم بعضا وقالوا: إنا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم، فقال بعضهم: إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا، وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس فحقروه فتكلموا وقالوا: «لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير» ، فسمعها الغلام فغضب وقال: والله إن محمدا لصادق، وإنكم لشر من الحمير ثم ذهب فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فحلفوا بالله إن عامرا لكاذب، وحلف عامر إنهم لكذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق من كذب الكاذب، وقد كان مخشي بن حمير قال في ذلك المجلس: ويحكم يا معشر المنافقين، والله إني لأرى أنا شر خلق الله وخليقته، والله لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة، وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا فعند ذلك قالوا: والله إن كان محمد صادقا، وقالوا: هو أذن» 160.

وقد فضحت الآية المنافقين وحكت قولهم، والمعنى: «ومن هؤلاء المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه (ويقولون هو أذن) سامعةٌ، يسمع من كل أحدٍ ما يقول فيقبله ويصدقه. وهو من قولهم: «رجل أذنة» ، مثل «فعلة» إذا كان يسرع الاستماع والقبول، كما يقال: «هو يقن، ويقن» إذا كان ذا يقين بكل ما حدث» 161. وقد كان قولهم هذا استهزاء، وهو «منهم تنقيص للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ وصفوه بقلة الحزامة والانخداع» 162. «أي: من قال له شيئًا صدقه، ومن حدثه فينا صدقه، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباسٍ، ومجاهدٍ، وقتادة» 163.

ولم تكتف الآية بفضيحتهم وحكاية قولهم ولكنها ردت عليهم -مادحة له صلى الله عليه وسلم دالة على رفعة قدره- بأنه أذن خير في الحق ورحمة لمن أظهر الإيمان {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} .

و « {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} : من قبيل رجل، صدق فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، ويجوز أن تكون الإضافة على معنى في؛ أي: هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذن في غير ذلك، ويدل عليه قراءة حمزة: «ورحمةٍ» بالجر عطفا على خير، فإنه لا يحسن وصف الأذن بالرحمة ويحسن أن يقال: أذن في الخير والرحمة» 164. «وقرئ: «أذنٌ خير» ٌ -مرفوعين منونين- ومعناه يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم» 165. فهو أذن في الخير لو كان قولهم من جنسه، وهو نعم الأذن لأجل ذلك، وليس سماعا للشر ولا منخدعا به.

«وقوله سبحانه: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} تفسير لكونه عليه الصلاة والسلام أذن خير لهم، أي: يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة والآيات الموجبة لذلك، وكون ذلك صفة خير للمخاطبين كما أنه خير للعالمين مما لا يخفى {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: يصدقهم لما علم فيهم من الخلوص» 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت