فهرس الكتاب

الصفحة 1446 من 2431

وطلبه للولد فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) } [الصافات:100] ؛ وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات العباد 46.

والمعنى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} أي بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة يعني الولد لأن لفظ الهبة على الإطلاق خاص به 47، ولقوله تعالى سأل إبراهيم رب هب لي من الصالحين [الصافات:100] .

وكقوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) } [الفرقان:74] .

هكذا الواجب أن يطلب الولد، لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم 48.

لأن نعمة الولد تكون أكمل إذا كان صالحًا فإن صلاح الأبناء قرة عين للآباء، ومن صلاحهم برهم بوالديهم 49.

وفي قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } [الأحقاف:15] .

{وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} أي: واجعل الصلاح ساريًا في ذريتي راسخًا فيهم، أو: اجعل ذريتي موقعا للصلاح دائمًا فيهم، إني تبت إليك من كل ذنب، وإني من المسلمين الذين أخلصوا لك أنفسهم، وانقادوا إليك بكليتهم 50.

وفي الآية إشارة لرغبة المؤمن في أن يتصل عمله الصالح في ذريته، وأن يؤنس قلبه شعوره بأن في عقبه من يعبد الله ويطلب رضاه، والذرية الصالحة أمل العبد الصالح، وهي آثر عنده من الكنوز والذخائر، وأروح لقلبه من كل زينة الحياة. والدعاء يمتد من الوالدين إلى الذرية ليصل الأجيال المتعاقبة في طاعة الله 51.

ولأن في صلاح الولد الإحسان إلى الوالدين في المشاهدة والغيبة وبجميع وسائل الإحسان الذي غايته حصول النفع لهما، وهو معنى قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24] .

وأن الله لما أمر بالدعاء للأبوين وعد بإجابته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) 52.

ثانيًا: أسباب صلاح الخلق:

إن من أسباب صلاح الخلق الاصطفاء الإلهي، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) } [البقرة:130]

والاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه صالحًا، والاصطفاء ضربان، أحدهما في الآخرة والأخر في الدنيا، وهو اختصاص الله بعض العبيد بولايته ونبوته لخصوصيته فيه 53.

والاصطفاء: الاختيار بإخراج الصفوة من العباد والصالح من بني آدم: هو المؤدي حقوق الله عليه 54.

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهو لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته، وجعله للناس إمامًا، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة، ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده 55.

وبسبب الصلاح اصطفى الله تعالى من ذكرهم وآباءهم وإخوانهم وذريتهم في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) } [الأنعام:84 - 87] .

وقوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) } [القلم:48 - 50] .

وهذا الاصطفاء هو بمشيئة الله تعالى واختياره، قال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13] .

والمعنى: أن الله يصطفي إليه من يشاء من خلقه، ويختار لنفسه وولايته من أحب، ويوفق للعمل بطاعته، واتباع ما بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم من الحق من أقبل إلى طاعته، وراجع التوبة من معاصيه 56.

قال الشنقيطي: «وقد دلت هذه الآية الكريمة على أنه تعالى يجتبي من خلقه من يشاء اجتباءه، وقد بين في مواضع أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه، فبين أن منهم المؤمنين من هذه الأمة في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج:77 - 78] .

وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) } [فاطر:32] .

وبين في موضع آخر أن منهم آدم، وهو قوله تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) } [طه:122] .

وذكر أن منهم إبراهيم في قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) } [النحل:120 - 121] .

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اجتباء بعض الخلق بالتعيين» 57.

إن من أسباب صلاح الخلق المسارعة في الخيرات، فقد ذكر سبحانه أن من أسباب صلاح بعض أهل الكتاب وغيرهم هو المسارعة في الخيرات.

قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) } [آل عمران:114] .

قال ابن باديس: «ذكر الله تعالى في الآية الكريمة الأعمال، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين، فأفادنا أن الأعمال هي دلائل الصلاح، وأن الصلاح لا يكون إلا بها، ولا يستحقه إلا أهلها، ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال، ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد. ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند الله في الباطن؟ فندعي أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالى من هذا، لأن الأعمال قسمان: أعمال الجوارح، وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال الجوارح» 58.

والمسارعة في الخيرات سبب لصلاح الذرية والأزواج، ماديًّا ومعنويًّا، خَلْقًا وخُلُقًا، قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:90] .

{وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} يروى أنها كانت عقيمًا فجعلها الله عز وجل ولودًا، ويروى أنه كان في خلقها سوء فأصلح الله ذلك وحسن خلقها 59.

إن من أسباب صلاح الخلق الدعاء، فقد أرشد الله تعالى الإنسان إلى ذلك في قوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } [الأحقاف:15] .

ففي الآية إرشاد بالدعاء بصلاح الذرية، وإرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها 60

وروي: أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أسلم أبواه غيره أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في تجارة إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة، ونبئ النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه فقال رب أوزعني، ألهمني، أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، بالهداية والإيمان، وأن أعمل صالحًا ترضاه.

قال ابن عباس رضي الله عنه: وأجابه الله عز وجل فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله، ولم يرد أبو بكر رضي الله عنه شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه، ودعا أيضا فقال: وأصلح لي في ذريتي، فأجابه الله فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا فأدرك أبو قحافة النبي صلى الله عليه وسلم وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة. قوله: إني تبت إليك وإني من المسلمين 61.

و لما كان الدعاء سببًا في صلاح الخلق كان من سنة الأنبياء عليهم السلام، فقد قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) } [الشعراء:78 - 83] .

والمعنى في قوله: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} أي كمالًا في العلم والعمل أستعد به لخلافة الحق ورئاسة الخلق. وألحقني بالصالحين ووفقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح الذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره 62.

وقال عن سليمان عليه السلام: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) } [النمل:19]

فقد دعا سليمان ربه بأن يوفقه؛ لأن يعمل صالحًا، وأن يدخله في عباده الصالحين في الجنة 63 مما يدل على أن الدعاء سبب في صلاح الخلق.

وقال عن يوسف عليه السلام: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) } [يوسف:101] .

يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك 64، أو ألحقني بالصالحين قال: يعني أهل الجنة 65.

وفي الآية إشارة إلى أن الدعاء سبب في صلاح الخلق الذي هو سبب للحوق الصالحين في الجنة.

إن من أسباب الصلاح التواصي بالحق بين الناس، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر:1 - 3] .

والحق الذي ذكر الله بالتواصي به هو كتاب الله تعالى، وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} يقول: وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على العمل بطاعة الله 66.

فأما الصبر فلأنه ملاك استقامة الأعمال ومصدرها فإذا تخلق به المؤمن صدرت عنها الحسنات والفضائل بسهولة 67.

ثالثًا: مظاهر صلاح الخلق:

إن من مظاهر صلاح الخلق تحري أكل الطيبات، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) } [المؤمنون:51] .

فقد أمر الله كل نبى في زمانه بأن يأكل من المال الحلال مالذ وطاب، وأن يعمل صالح الأعمال، ليكون ذلك جزاء ما أنعم به عليه من النعم الظاهرة والباطنة.

وهذا الأمر، وإن كان موجهًا إلى الأنبياء، فإن أممهم تبع لهم، وكأنه يقول: أيها المسلمون في جميع الأقطار، كلوا من الطيبات أي من الحلال الصافي القوام، والحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما لا ينسى الله فيه، والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل واعملوا صالح الأعمال 68.

والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد 69.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(51) } [المؤمنون:51] .

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) } [البقرة:172] .

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟) 70.

وفي تقديم أكل الطيبات على العمل الصالح إيماء إلى أن العمل الصالح لا يتقبل إلا إذا سبق بأكل المال الحلال.

ثم علل هذا الأمر بقوله: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي إني بأعمالكم عليم، لا يخفى على شيء منها، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفيكم أجوركم، وثوابكم عليها، فخذوا في صالح الأعمال، واجتهدوا قدر طاقتكم فيها، شكرًا لربكم على ما أنعم به عليكم، وفي هذا تحذير من مخالفتهم ما أمروا به، وإذا قيل للأنبياء ذلك فما أجدر أممهم أن تأخذ حذرها، وترعوي عن غيها، وتخشى بأس الله وشديد عقابه 71.

إن من مظاهر الصلاح الصدقات بكل أنواعها، وذلك لارتباط العمل الصالح بها، سواء أكان ذلك في الصدقات الواجبة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) } [البقرة:277]

فقد وعد سبحانه الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بالأجر العظيم، والرحمة والرضوان، والأمن يوم الفزع الأكبر ذلك لأنهم استقاموا على الصراط المستقيم، وجاءتهم الموعظة فاستمعوا إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما نهوا عنه من منكرات كانوا يأتونها وهم جاهلون، و «إيتاء الزكاة» هنا له آثاره في التحريض على البذل والإنفاق على ذوي الحاجات، حتى لا تضطرهم الحاجة إلى التعامل بالربا 72.

أو كان ذلك في صدقات التطوع والتي منها الصدقات في الجهاد، قال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) } [التوبة:120 - 121] .

فقد بينت الآية ارتباط صدقات التطوع في الجهاد بالعمل الصالح، مما يدل على ان الصدقات من مظاهر الصلاح.

وقد بين الله تعالى أن غير المتصدقين من المؤمنين قد أخلوا بسبب رئيس من أسباب الصلاح حيث قال الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) } [المنافقون:10] .

فقد ذكر الله المؤمنين بما في الإنفاق من الخير بأن عليهم أن يكثروا منه ما داموا مقتدرين قبل الفوت، أي قبل تعذر الإنفاق والإتيان بالأعمال الصالحة، وذلك حين يحس المرء بحالة تؤذن بقرب الموت ويغلب على قواه فيسأل الله أن يؤخر موته ويشفيه ليأتي بكثير مما فرط فيه من الحسنات طمعا أن يستجاب له فإن كان في أجله تأخير فلعل الله أن يستجيب له، فإن لم يكن في الأجل تأخير أو لم يقدر الله له الاستجابة فإنه خير كثير 73.

كما بين تعالى أن البخل بالإنفاق من أعمال المنافقين، قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) } [التوبة:75 - 77] .

أي: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله مالا وثروة ليشكرن له نعمته بالصدقة منها، وليعملن عمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم به والإنفاق في سبيل الله: كإعداد العدة للجهاد وبذل المستطاع لخير الأمة وسعادتها بما يرقى بها في مختلف شئونها.

{فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} أي فلما رزقهم وأعطاهم ما طلبوا بخلوا بما آتاهم وأمسكوه فلم يتصدقوا منه بشئ، وتولوا وانصرفوا عن الاستعانة به على الطاعة وإصلاح حالهم وحال أمتهم كما عاهدوا الله عليه، ولم يكن ذلك التولي عارضا طارئا، بل تولوا بكل ما أوتوا من قوة بحافز نفسى ملك عليهم أمرهم ومنعهم عن التصدق، بحيث إذا ذكروا بما يجب عليهم لا يذكرون، وإذا دعوا لا يستجيبون 74.

[انظر: الإصلاح: الإصلاح في الأخلاق]

أولًا: اقتران الإيمان بالعمل الصالح:

يقترن العمل الصالح بالإيمان في القرآن الكريم في خمس وسبعين مرة، مع الوعد والبشرى بأن من يعمل صالحا وهو مؤمن، فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، ولا كفران لسعيه، له جزاء الحسنى، وحياة طيبة.

وقد أخبر الله تعالى عن الذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات، وقليل ما هم، بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن لهم الدرجات العلى، وأن لهم أجرهم عند ربهم، وأن لهم أجر كريم، وعظيم وكبير، وغير منون، ولهم مغفرة ورزق كريم، وليستخلفنهم الله في الأرض، ويزيدهم من فضله، وسيجعل لهم الرحمن ودًا، وهو خير البرية، وأصحاب الجنة، طوبى لهم وحسن مآب 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت