فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 2431

2.أخذ المجرمين والمترفين إلى جهنم بالأغلال:

توعد الله عز وجل المجرمين بالعذاب الأليم في جهنم يوم القيامة، ووصف في كثير من الآيات هذا العذاب، ورسم الصورة والحال التي سيكون عليها المجرمون عند تعذيبهم، يوم لا ينفع مال ولا بنون، والآيات التالية توضح ذلك العذاب:

قال تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقَة:30 - 32] .

تتحدث هذه الآيات عن المجرمين يوم القيامة، فتصف مصيرهم في هذا اليوم، وتبين العذاب الذي كان ينتظرهم لكفرهم بالله، فمصيرهم جهنم التي سعرت لهم ولأمثالهم، تلتهمهم فلا تشبع، «تتصاعد حسراتهم، ويتضاعف أنينهم ليلهم ونهارهم، فليلهم ويل ونهارهم بعاد، تكدرت مشاربهم، وخربت أوطان أنسهم، ولا بكاؤهم يُرحم، ولا أنينهم يُسمع» 86.

فيأمر الله عز وجل الزبانية بأخذ كل مجرم وكافر للعذاب فيقول: «خُذُوهُ فَغُلُوهُ بالأغلال الضيقة الثقيلة، ثُمَ الْجَحِيمَ المسعر العظيم المعهود الذي يعد لأصحاب الثروة والجاه من الكفرة، صَلُوه اطرحوه» 87، «ليصلى حرها، ثم أدخلوه في سلسلة حلق منتظمة طولها سبعون ذراعًا تلف على جسمه، لئلا يتحرك» 88.

فكل آية من هذه الآيات كأنها تحمل ثقل السماوات والأرض، وتنقض في جلال مذهل، وفي هول مروع، ثم يعقب ذلك كلمة القضاء الجليل، من بيان لموجبات الحكم الرهيب ونهاية المذنب 89، «وكيف لا يعذب الكافر كذلك؛ إِنَهُ من غاية نخوته وتجبره قد كانَ لا يُؤْمِن ولا يذعن باللَه الْعَظِيم المستحق للعبودية والإيمان عتوًا وعنادًا، ولا شك أن من تعظم على الله العلي العظيم قد استحق أسوأ العذاب وأشد النكال» 90.

فهذا عقاب كل المجرمين والمترفين يوم القيامة، فقد توعدهم الله في الدنيا وسيقع وعيده يوم القيامة.

رابعًا: صفات أخذ الظالمين والمترفين:

1.أَخْذًا وَبِيلًا.

قال تعالى: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل:16] .

بعد أن أرسل الله رسوله موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه، ولم يستجيبوا لدعوته، بل امتنعوا عن الإجابة، وعصوا موسى عليه السلام وكذبوه، والمعصية هي الكفر، فكان عقابهم من الله واقع لا محال، فهذا وعده لكل من يعصون رسله ويكذبونهم، وتبيَن هذه الآية ما وقع على فرعون وقومه نتيجة عصيانهم الرسول حيث قال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} ، والوبيل هو: الشر، والمعنى: أخذناه أخذًا شديدًا، وأهلكناه ومن معه جميعًا، فأُغرق فرعون وعُذب هو ومن معه، وأقروا في عذاب مستقر حتى يُبعثوا إلى النار يوم القيامة كما توعدهم الله 91.

وهذه الآية توضح عاقبة كل من عصى الرسل، وخاصَا رسولنا صلى الله عليه وسلم فهو المبعوث للناس كافة، وتبين أن عذاب الله واقع لا محالة وإن أَمْهَلهم، كما وقع على فرعون وقومه من قبل.

2.أَخْذَةً رَابِيَةً.

قال تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} [الحاقة: 10] .

تحدثت الآيات السابقة لهذه الآية عن حال عاد وثمود، ومن قبلهم فرعون وقومه، حيث أَرسل لهم موسى عليه السلام وأَراهم من الآيات البينات ما تيقنوا بها الحق، ولكنهم مع ذلك جحدوا وكفروا ظلمًا وعلوًا، وجاء من قبله من المكذبين قوم لوط، حيث وقع منهم الكفر والتكذيب والظلم والمعاندة، وارتكاب الفواحش والفسوق، كل أولئك وقع عليهم العذاب من الله تعالى نتيجة كفرهم وعصيانهم الرسل، فلم يبق لهم باقية، بل أخذهم أخذة رابية، أي: أخذة نامية بالغة الشدة، زائدة على الأخذات وعلى عذاب الأمم 92.

3.إِنَ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] .

هذه الآية الكريمة تشير إلى استئصال القرى الظالمة الكافرة، فقد أخذهم الله أخذًا موجعًا لا يطاق، وهذا تهديد وتحذير من عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها، بل لكل من ظلم غيره أو نفسه، وليحذر كل ظالم وكل كافر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال 93.

4.أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.

قال تعالى: {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42] .

أرسل الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام لفرعون وقومه، فكانوا رسل الله ونذره لهم، ولكنهم كذبوهم وكذبوا بآيات الله ومعجزاته العظيمة الدالة على صدقهم وصدق ما جاءوا به، فوقع عليهم عقاب الله تعالى نتيجة تكذيبهم الرسل والآيات، فقد أخذهم الله أخذ غالب في انتقامه، قادرٍ على إِهلاكهم لا يعجزه شيء، فأبادهم وأغرقهم الله ولم يبق لهم مخبرًا ولا عينًا ولا أثرًا، وفي هذا تحذير الناس المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم من عاقبة تكذيبهم وكفرهم 94.

موضوعات ذات صلة:

الجزاء، الحساب، العذاب، الميثاق

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 62، لسان العرب، ابن منظور، 3/ 472، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 330.

2 انظر: جامع البيان، الطبري 15/ 474، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 9/ 96.

3 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 67، الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 138، تاج العروس، الزبيدي، 9/ 363.

4 انظر: صفات الله، علوي بن عبد القادر السَقَاف، 1/ 53.

5 تفسير الشعراوي، 13/ 8021.

6 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 18.

7 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 2/ 601.

8 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 2/ 601.

9 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 68، لسان العرب، ابن منظور، 3/ 472، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص 330.

10 الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 138.

11 انظر: الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 138.

12 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 11/ 685، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 1066.

13 انظر: فتح البيان، القنوجي، 2/ 283

14 انظر: تكملة المعاجم العربية، رينهارت بيتر آن دُوزِي، 10/ 338.

15 انظر: الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 139.

16 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 262، مختار الصحاح، الرازي، ص 36، لسان العرب، ابن منظور، 6/ 267.

17 الصحاح، الجوهري، 3/ 996.

18 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 327، لسان العرب، ابن منظور، 10/ 503 - 508، القاموس المحيط، ص 958.

19 تكملة المعاجم العربية، رينهارت بيتر آن دُوزِي، 11/ 19.

20 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، 5/ 338.

21 انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، ص 76.

22 لوامع الأنوار البهية، السفاريني الحنبلي، ص 263.

23 انظر: جامع البيان، الطبري، 5/ 389، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 3/ 272، التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/ 19.

24 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قوله عليه السلام: (إن الله لا ينام) ، رقم 294.

25 العواصم والقواصم، ابن الوزير، 4/ 134.

26 انظر: معارج القبول، حافظ الحكمي، 1/ 208.

27 تقريب التدمرية، ابن عثيمين، ص 15.

28 انظر: شرح العقيدة السفارينية، ابن عثيمين، ص 171.

29 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 1/ 537.

30 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/ 54.

31 انظر: الكشاف، الزمخشري، 3/ 532.

32 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 383.

33 انظر: جامع البيان، الطبري، 13/ 222.

34 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 7/ 316.

35 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/ 165.

36 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 9/ 105.

37 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، رقم 2135، 2/ 336.

قال الترمذي: «حديث صحيح» .

38 انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/ 271.

39 انظر: جامع البيان، الطبري، 2/ 292.

40 انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا، 1/ 308.

41 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 64.

42 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 6/ 117.

43 في ظلال القرآن، سيد قطب، 6/ 860.

44 انظر: جامع البيان، الطبري، 15/ 363، الكشف والبيان، الثعلبي، 5/ 174، الوجيز، الواحدي، ص 524.

45 انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب، 3/ 1850، الوجيز، الواحدي، 1/ 333.

46 التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/ 492.

47 انظر: تفسير السمرقندي، 1/ 148، النكت والعيون، الماوردي، 1/ 287.

48 أخرجه الطبري في تفسيره 17/ 304.

49 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 605، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 450.

50 انظر: جامع البيان، الطبري، 4/ 259.

51 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 5/ 401، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 202.

52 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله تعالى: (إن رحمة الله قريب من المحسنين) ، رقم 7449، 9/ 134.

53 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/ 52، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 455.

54 انظر: الكشاف، الزمخشري، 2/ 613، مفاتيح الغيب، الرازي، 20/ 227.

55 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 14/ 361.

56 انظر: جامع البيان، الطبري، 18/ 52.

57 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ، رقم 4613، 6/ 52.

58 انظر: غرائب القرآن، النيسابوري، 1/ 618، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 101، فتح القدير، الشوكاني، 1/ 264.

59 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، 2/ 141، زهرة التفاسير، أبو زهرة، 5/ 2338.

60 انظر: جامع البيان، الطبري، 6/ 131.

61 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، رقم 5269، 7/ 46.

62 انظر: السراج المنير، الشربيني، 1/ 191، فتح القدير، الشوكاني، 1/ 353.

63 التفسير المنير، الزحيلي، 3/ 134.

64 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، رقم 597، 1/ 122.

65 انظر: جامع البيان، الطبري، 6/ 223، التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/ 174.

66 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 17/ 166، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 8/ 9.

67 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 5/ 334، التفسير المنير، الزحيلي، 29/ 84.

68 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 5/ 537.

69 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، 5/ 3066.

70 انظر: محاسن التأويل، القاسمي، 6/ 123.

71 انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب، 2/ 1514، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 446.

72 انظر: لباب التأويل، الخازن، 2/ 239.

73 انظر: النكت والعيون، تفسير الماوردي، 4/ 253، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 616.

74 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 18/ 259.

75 انظر: لطائف الإشارات، القشيري، 3/ 91.

76 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 442.

77 انظر: جامع البيان، الطبري، 19/ 48، معالم التنزيل، البغوي، 5/ 422.

78 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 52.

79 انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا، 12/ 104.

80 انظر: جامع البيان، الطبري، 22/ 433.

81 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/ 46.

82 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودًا) ، رقم 3343، 2/ 1030.

83 جامع البيان، الطبري، 23/ 52.

84 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/ 151.

85 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، 27/ 3457.

86 لطائف الإشارات، القشيري، 3/ 626.

87 الفواتح الإلهية، النخجواني، 2/ 441.

88 التفسير المنير، الزحيلي، 29/ 99.

89 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، 29/ 3675.

90 الفواتح الإلهية، النخجواني، 2/ 99.

91 انظر: جامع البيان، الطبري، 23/ 693، التفسير المنير، الزحيلي، 29/ 204.

92 انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، 10/ 27، فتح القدير، الشوكاني، 5/ 335، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 882.

93 انظر: الكشاف، الزمخشري، 2/ 427، أيسر التفاسير، الجزائري، 2/ 579.

94 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/ 145، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/ 481، صفوة التفاسير، الصابوني، 3/ 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت