فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 2431

قال الله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) } [إبراهيم:12] .

وهذه العبارة نقلها القرآن الكريم ليصور لنا حال أنبياء الله الكرام الذين اجتهدوا في دعوة أنبيائهم إلى التوكل، فقد علّموهم التوكل بالقدوة، وحضّوهم عليها بالقول، وبيّنوا لهم أن هداية الله ونصره وتأييده لا تأتي إلا بالتوكل، ولا ننسى دعوة يعقوب عليه السلام لأبنائه وقومه أن يتوكلوا، وأمرهم باتخاذ الأسباب التي تحميهم، ومن ثمّ تفويض الأمر لله عز وجل برعايتهم وحفظهم.

قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) } [يوسف:67] .

قال ابن عاشور: «أراد بهذا تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة؛ تأدبًا مع واضع الأسباب ومقدر الألطاف في رعاية الحالين، لأنا لا نستطيع أن نطلع على مراد الله في الأعمال، فعلينا أن نتعرفها بعلاماتها، ولا يكون ذلك إلا بالسعي لها» 40.

وقد وردت في قصة موسى عليه السلام دعوة إلى التوكل، تأمل قول الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) } [يونس:84] .

فالتوكل من أهم الأمور التي دعا إليها موسى عليه السلام وعلمها لقومه، ويظهر ذلك التأديب في قصة نقباء موسى الذين تربوا على يديه.

قال تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) } [المائدة:23] .

والقصة تحكي عن اثنين من النقباء الذين أرسلوا إلى الجبارين لاستكشاف قوتهم، وهؤلاء المذكورون في الآية من المؤمنين الذين رباهم موسى عليه السلام على التوكل، فحثوا قومهم على ذلك، وبيّنوا لهم أن قوة الجبارين في أجسادهم فقط، وأنهم إذا غزوهم في عقر دارهم ذلّوهم وهزموهم، وهذه هي التربية المؤمنة التي تعلّم أبناءها بذل الجهد وعدم الانشغال بالنتائج؛ لأن الله ناصر عباده وكافيهم شر الأعداء إن صدقوا الإخلاص وأحسنوا التوكل 41.

ثانيًا: الأنبياء أسوة في التوكل على الله تعالى:

التوكل سمة مشتركة لدى الأنبياء عليهم السلام، وقد ظهر التوكل في القصص القرآني بشكل واسع.

قال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) } [إبراهيم:11] .

ويظهر في الآية التأكيد على صفة التوكل والحث عليها بقوة، فقد بيّنت أن الرسل عليهم السلام أكدوا بشريتهم لأقوامهم وأن الله قد منّ عليهم بالتوحيد والدعوة، وأن الله ناصرٌ أنبياءه بقوته وجبروته تعالى، فقد تحدوا أقوامهم بأنهم متوكلون على الله، في دفع كيدهم ومكرهم، وأن الأنبياء كانوا جازمين بكفايته إياهم، وقد كفاهم الله شرّهم، على الرغم من حرص المكذبين من أقوامهم على إطفاء ما معهم من الحق، وقد كان توكل الرسل عليهم الصلاة والسلام في أعلى المطالب وأشرف المراتب؛ فهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره، وهداية عبيده وإزالة الضلال عنهم، وهذا أكمل ما يكون من التوكل.42

وإمام المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي توكل على ربه في دعوته وربّى أصحابه الكرام على تلك الصفة، فقد تخفّى عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر رضي الله عنه في الغار فرارًا بدينه من بطش المشركين.

قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } [التوبة:40] .

عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك يا أبا بكر في اثنين الله ثالثهما) 43، فرد عليه حبيبه عليه السلام: (لا تحزن) حاثًا إياه على مجاهدة النفس وتوطينها على عدم الاستسلام، وقال له: (إنّ اللّه معنا) يعني بنصره وتأييده 44.

يقول الخازن: «وفيه بيان عظيم على توكل النبي صلى الله عليه وسلم .. وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجلّ مناقبه، والفضيلة من أوجه، منها: اللفظ الدال على أن الله ثالثهما، ومنها: بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيها، ومنها: جعله نفسه وقاية عنه، وغير ذلك» 45.

ولا يخفى ما أظهره أبو بكر الصديق وأصحابه من التوكل على الله عزّ وجل، فها هو أبو بكر رضي الله عنه يتصدق بكل ماله في سبيل الله، ويجيب حبيبه صلى الله عليه وسلم عندما سأله: (ماذا أبقيت لأهلك؟) فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله 46.

لا يخاف على أهله الموت فقرًا وجوعًا، ومنّا الآن من يستعظم صدقته إذا تجاوزت دخل يوم أو أقل، فلله درك يا أبا بكر!

وقد ظهر التوكل جليًا في قصة نوح عليه السلام عندما قال لقومه: {يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس:71] .

أي: إن كان الدين الذي أدعو إليه ثقيلًا عليكم ولا تتحملون مكوثي معكم ودعوتي لكم، فاجتمعوا أنتم وجميع شركائكم وافعلوا أقصى ما تستطيعون جهرًا لا خفية، ولا تمهلوني أو ترحموني أو تألوا في ذلك سبيلًا، فأنا متعلق بالله الذي سيكفيني أمركم وسينصرني بقوته وعزته، وهذه قمة التحدي المبني على التوكل على الله والاعتزاز بالله عز وجل.

كما ظهر توكل سيد المتوكلين إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) } [إبراهيم:37] .

انظر كيف يترك إبراهيم عليه السلام زوجه وابنه في صحراء مقفرة لا زرع فيها ولا مياه، يترك ابنه الذي رزقه الله إياه بعد سنين في مكان لا يتصور أحد أن يترك فلذة كبده فيه، وتسأله زوجه: الله أمرك بهذا؟ فيشير برأسه أن نعم، فتقول متوكلة على الله: إذًا لا يضيعنا الله أبدًا، هذه هي أسرة المتوكلين على الله حين علموا أن الله يريد أن يتم أمره الذي قدره 47.

ويذكر الإدريسي أن في فعل إبراهيم عليه السلام إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونعمت التربية تلك، فأعلمنا بسنته القائمة على الحنيفية السمحة السهلة: أن المؤمن الصادق ينبغي ألا يكون معوّلًا على الأسباب فحسب، بل يلزمه التوكل على الله في جميع أموره 48.

وعلينا ألا نستغرب هذا التوكل العظيم منه عليه السلام، فهو الذي تبرأ من قومه جهرًا وهو يتوقع أنهم سيلحقون به الضرر، ولم يكن يملك ما يدفع به مكرهم، لكنه لم يخش إلا الله، فقال عليه السلام داعيًا ربه عز وجل: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة:4] .

ولما ألقوه في النار ظهرت نتيجة توكله فكانت تلك الآية الرائعة، والمعجزة العظيمة في تحول النار عن صفة الاحتراق إلى صفة البرودة مع السلام.

قال تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) } [الأنبياء:69 - 70] .

فلما رأى النمرود تلك الآية ترك إبراهيم وكف أذاه عنه، فمن ذا الذي يخاف كيد الكافرين ومكرهم وهو في كنف المولى عز وجل، الغالب على أمره ولو كره الكافرون 49.

وقد توكل هود عليه السلام على ربه، وتحدى قومه المكذبين أن يضروه، فهو المتوكل على الله ولا يخسر المتوكلون أبدًا، قال تعالى على لسان هود عليه السلام: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) } [هود:55 - 56] .

وكذلك توكل شعيب عليه السلام على ربه، واعتز بهذا التوكل قائلًا: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف:89] .

وقال أيضًا: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88] .

ولا يخفى أن التوكل إشارة إلى التوحيد المحض، فكل الأنبياء خصوا الله تعالى وحده بالتوكل، وأكدوا على ذلك في دعوتهم لأقوامهم، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على كونه عملًا عقديًّا مهمًّا ينبغي ألا يشوبه شوائب 50.

للتوكل على الله تعالى دافعان رئيسان، وهما: الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالقدر، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: الإيمان بالله تعالى:

التوكل مبني على الإيمان، لقول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23] .

قال ابن القيم: «فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد، والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية» 51.

وانتفاء التوكل يعني انتفاء الإيمان، يقول المولى عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [الأنفال:2 - 3] .

هذا وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الآية تعني أن من اتصف بتلك الأوصاف هو المؤمن كامل الإيمان، بينما من لم يتصف بها هو المؤمن ناقص الإيمان، فلا ينتفي عنه الإيمان بالجملة 52، لكن المتأمل في الآية وفي معنى التوكل يعلم أن التوكل أمر عقدي، لذا يستبعد أن يكون المتوكل على غير الله مؤمنًا إيمانًا ناقصًا، بل يرجّح انتفاء الإيمان عنه، والله أعلى وأعلم.

ثانيًا: الإيمان بالقدر:

الإيمان بالقدر من أهم ما يدفع إلى التوكل على الله؛ فالذي يعلم يقينًا أن الله تعالى قد قدّر حياته ومعاده ورزقه وذريته وزوجه وأمور معاشه كلها، لا يتوانى في تسليم أموره كلها لله، ولا يقلق ولا يجزع من المستقبل، فالذي خلقه هو من قدّر سير حياته، فيعيش مطمئن البال راضيًا بما كتب الله له، لا يلهث وراء الدنيا ولا يتكالب على المناصب والأرزاق، فالله تعالى قد كتب له مقدارًا من الخير سيأتيه دون غيره.

قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) } [النحل:70 - 72] .

وعن محمد بن عمران قال: قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: «أربع خلال:

1.علمت أن رزقي ليس يأكله غيري، فلست أشغل به.

2.وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به.

3.وعلمت أن الموت يأتيني بغتة، فأنا أبادره.

4.وعلمت أني بِعَيْنِ الله في كل حال، فأنا مستحي منه» 53.

والتوكل على الله تعالى لا يعني ترك الأسباب بحجة كون الأمور مقدرة عند الله، فترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل، فالتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح، ولا يكمل التوكل إلا بالعمل، فالمؤمن يعمل ويأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله تعالى في جلب المنفعة 54.

وقد أمر الله تعالى بأخذ الأسباب في كل الأحوال، تأمل قول الله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك:15] .

فبالرغم من كون الرزق مقدرًا إلا أننا مأمورون بالسعي من أجله، وبالاجتهاد في استصلاح الأرض والحصول على ثرواتها 55.

وانظر قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:71] .

فالحذر عمل بأسباب النصر، وكذلك الاستعداد للمعركة من عوامل النصر، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال:60] .

وفي الآية: تنبيه إلى ضرورة الاستعداد وعدم الاتكال على حسن النوايا وطيب الهدف، فيجب ألا نقصر في إعدادنا للقوة التي تعيننا على ملاقاة الأعداء ونبذل في سبيل ذلك جهودنا وأموالنا؛ حتى نستحق نصر الله وتأييده 56، وتدبر قول يعقوب عليه السلام لابنه يوسف: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف:5] .

فقد أمر يعقوب ابنه يوسف عليهما السلام أن يجتنب ذكر أمر الرؤيا أمام إخوته، على الرغم من فهمه ويقينه أن الله سيجعل ليوسف مستقبلًا عظيمًا، إلا أن هذا لا يمنع من صيانة الإنسان لنفسه وحفظه لأموره من الحسد والكيد 57.

1.يدخل التوكل في تفاصيل حياتنا كلها، فلا يخلو سلوك المؤمن من استحضار التوكل على الله عز وجل في جميع أموره، ومن تلك المواطن التي نتوكل فيها على الله تعالى:

أولًا: تحقيق المصالح ودفع المضار:

يمر الإنسان في حياته بلحظات يكون فيها بأمسّ الحاجة إلى توفيقٍ رباني وحفظٍ إلهي، فالدراسة للامتحان والاجتهاد وحده ليس كافيًا للحصول على درجة عالية، أو التنافس على وظيفة راقية، ووجود الزوجة ليس ضامنًا لإنجاب الذرية، ووجود الذرية ليس مؤشرًا على الراحة عند الكبر، واتباع وسائل الإنذار من الحرائق والسرقات لا يضمن عدم حصول كوارث في المنزل أو المؤسسة، وكل ما يفعله الإنسان من اجتهادات لا يغير شيئًا؛ لو لم يقترن بحفظ الله تعالى ونصره وتسديده.

يقول المولى عز وجل: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران:160] .

وفي الآية: خطاب للمؤمنين أنه إن ينصركم الله ويثبتكم ويوفقكم فلن يستطيع أحد خذلانكم أو مضرتكم، وإن ترك الله نصرتكم فلن يستطيع أحد نفعكم، فتوكلوا على ربكم وثقوا بنصره، وفوضوا جميع أموركم إليه؛ حتى تنالوا إسناده وتوفيقه ونصرته 58.

قال الراغب الأصفهاني: «إن حصل لكم النصرة فلا تعتدّوا ما يعرض من العوارض الدنيوية في بعض الأحوال غلبة، وإن خذلكم في ذلك فلا تعتدّوا ما يحصل لكم من القهر في الدنيا نصرة، فالنصرة والخذلان معتبران بالمآل» 59.

وفي السنة النبوية ما يدلل على دوام توكل النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا، من ذلك ما ورد عن ابن عباس: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو: لا إله غيرك) 60.

فدعاؤه عليه السلام دليل على توكله القولي، واجتهاده في التنبه ليلًا والتوجه إلى الله بالصلاة والدعاء والرجاء على الرغم من كونه نبي هذه الأمة، وأول من يدخل الجنة على الإطلاق؛ دليل عل أهمية العمل لأجل طاعة الله ولاستحقاق رحمته وجنته، هذا إلى جانب مواقفه صلى الله عليه وسلم التي يصعب عدّها والتي جسّد لنا فيها القدوة الرائعة للتوكل على الله تعالى.

فعلى المؤمن أن يقتدي برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي علّمنا ألا ندع التوكل على الله في كل صغيرة وكبيرة؛ فهو راحة وطمأنينة واستقرار للرضا في قلب المؤمن، بالإضافة إلى أنه يعود على الإنسان بالعزة والاستغناء عن البشر.

فيجب أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وينبغي أن نتوكل على الله وكأن الأسباب ليست بشيء، فكأن الطريق الصحيح عن يمينه واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، إن أخذنا بالأسباب واعتمدنا عليها فقد وقعنا في وادي الشرك، وإن لم نأخذ بها وقعنا في وادي المعصية والتواكل، لكن الموقف الأعقل والأكمل أن نأخذ بالأسباب؛ لأنها طريق الأهداف، ثم نتوكل على الله؛ لأن الله جل جلاله لا يمكن أن يعطي لهذه الأسباب فاعليةً إلا بمشيئته وقدرته.

ثانيًا: الجهاد في سبيل الله:

التوكل في ميدان الجهاد في سبيل الله من أهم الأمور التي تعود على المؤمنين بالنصر والتوفيق، وقدوتنا في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب السيرة الزاخرة بالتوكل على الله تعالى، وجهاده منذ نزول الوحي عليه وبدئه الدعوة السرية، ثم انتقاله للدعوة الجهرية، فالهجرة والحروب كلها تجسيد لهذا الأدب العظيم الذي لا بد أن نحتذيه في جهادنا ضد أعداء الإسلام.

قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ?159? إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران:159 - 160] .

وانطلاقًا من الأمر الإلهي بالتوكل سلك النبي صلى الله عليه وسلم مسلك الثقة واتخاذ الأسباب في شؤون الجهاد والهجرة.

فقد رتب أمور الهجرة بشكل دقيق حتى يتجنب اللحاق به من قبل المشركين، وقد حرص على عدم إلحاق الأذى بالمسلمين فجعلهم يهاجرون قبله، وأبقى معه أبا بكر رضي الله عنه، وأمره بتجهيز الدواب للسفر، ثم خرج خروج الواثق بربه المستند إلى الحق، فمر من بين المشركين وهم ينتظرون رؤيته ليقتلوه، فأراد الله لعبده المتوكل النصر، فأعمى أبصارهم وحفّه برعايته تعالى.

ثم التقى عليه السلام بخليله الصديق رضي الله عنه، فانطلقا تحفهما رعاية الرحمن، واتخذ صلى الله عليه وسلم دليلًا خبيرًا ليدله على الطريق، كما استعان بمن يمسح آثار خيله أثناء الرحلة حتى لا يكتشف المشركون أمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت