فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 2431

أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد رقيقًا على ملك الكافر 49.

وهو قولٌ جائزٌ، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وإليه ذهب مالكٌ والشافعي وأحمد، فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين: الرق والكفر، ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق، وحينئذ يعلق الولد رقيقًا على ملك الكافر، فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكًا للكافر 50، وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية 51.

وأما فائدة القيد الثاني، فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق.

وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي، وجوز أصحاب الرأي للحر نكاح الأمة 52.

أما أبو حنيفة فإنه يقول بجواز نكاح الأمة ولو كانت كتابية، إن لم يكن عنده زوجة حرة، فإن كان متزوجًا بحرة؛ فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة مطلقًا لا مسلمة ولا كتابية، وإن عقد عليها كان عقده باطلًا.

وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره للطَول بأنه الزواج بحرة، وعنده أن نكاح الأمة المؤمنة أفضل من الكتابية، فحمل التقييد في الآية على الفضل، لا على الوجوب، قياسًا على جواز نكاح الحرة الكتابية، بالإجماع مع وصف الحرائر أيضًا بالمؤمنات 53.

ومعظم علماء الإسلام على أن هذا الوصف جريًا على الغالب، ولعل الذي حملهم على ذلك أن استطاعة نكاح الحرائر الكتابيات طول، إذ لم تكن إباحة نكاحهن مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات، وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطًا بالعجز عن الحرائر المسلمات، فحصل من ذلك أن يكون مشروطًا بالعجز عن الكتابيات أيضًا بقاعدة قياس المساواة. وعلة ذلك أن نكاح الأمة يعرض الأولاد للرق، بخلاف نكاح الكتابية 54.

وأما المالكية والشافعية فقد قالوا: الطَول: السعة والقدرة على المهر والنفقة، فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له الزواج بها، ولو كانت عنده زوجة حرة.

نكاح إماء أهل الكتاب:

ويتصل بهذا الشرط مسألة نكاح إماء أهل الكتاب، ففي قوله عز وجل: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: 5] .

ذهب مجاهد وأكثر الفقهاء إلى أن الإحصان في هذه الآية بمعنى الحرية وأجازوا نكاح كل حرة، مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة، وحرموا إماء أهل الكتاب أن يتزوجهن المسلم بحال، واستدلوا بقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) [النساء:25] .

فشرط في نكاح الإماء الإيمان.

وقال آخرون: إنما عنى الله تعالى بالمحصنات في هذه الآية العفائف من الفريقين إماءً كن أو حرائر، فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب بهذه الآية، وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهذا قول أبي ميسرة والسدي.

وقال الشعبي: إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة، وتحصن فرجها 55.

وتخصيص جواز نكاح الإماء بالمؤمنات لغير واجد طول الحرة، هو مذهب أهل الحجاز. فلا يجوز له نكاح الأمة الكتابية، وبه قال: الأوزاعي، والليث، ومالك، والشافعي. وذهب العراقيون أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والحسن بن زياد والثوري ومن التابعين الحسن ومجاهد إلى جواز ذلك. ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب كما بينا من قبل. واستدلوا على أن الإيمان ليس بشرط بكونه وصف به الحرائر في قوله: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِالْمُؤْمِنَاتِ ) ) [النساء:25] .

وليس بشرط فيهن اتفاقًا، لكنه أفضل 56.

استدل من أباح نكاح الإماء بلا شرط، ونكاح العبد الحرة، بعموم الآية: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى? مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ? إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?32?) [النور:32] .

وأنت تعلم أنها لم تبق على العموم، والذي أميل إليه أن الأمر لمطلق الطلب، وأن المراد من الإنكاح المعاونة والتوسط في النكاح، أو التمكين منه، وتوقف صحته في بعض الصور على الولي يعلم من دليل آخر 57.

وجوز أبو حنيفة ذلك لعموم قوله: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ) [النساء:3] .

وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى? مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) [النور:32] .

وقوله: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ) [النساء:24] .

وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) [المائدة: 5] .

والمراد بهذا الإحصان العفة.

والجواب أن آيتنا خاصة، والخاص مقدم على العام؛ ولأنها دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرة، واتفقوا على أنه لا يجوز وطؤها بملك اليمين 58.

ظاهر قوله: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء:25] .

يقتضي كون الإيمان معتبرًا من الحرة، فعلى هذا لو قدر على طول حرة كتابية، ولم يقدر على طول أمة مسلمة؛ فإنه يجوز له أن يتزوج بالأمة، وأكثر العلماء على أن ذكر الإيمان ندب في الحرائر، ولا فرق بين الأمة المؤمنة والكتابية في كثرة المؤمنة وقلتها 59.

ونلاحظ هنا:

أن التعبير عن الإماء بقوله: (فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء:25] .

تكريم لهؤلاء الأرقاء، وإعزاز لإنسانيتهن، وتعليم للمسلمين أن يلتزموا الأدب في مخاطبتهم لأرقائهم، ولذا ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي) 60.

وقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ? بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) [النساء:25] .

جملة معترضة سيقت بين إباحة النكاح من الإماء المؤمنات وبين صورة العقد عليهن تأنيسًا للقلوب، وإزالة للنفرة عن ناكح الإماء ببيان أن مناط التفاخر إنما هو الإيمان لا التباهي بالأحساب والأنساب 61، فقد تكون الأمة أشد أيمانًا وأعظم ديانة من غيرها.

وهذا التشريع الإسلامي ما هو إلا تسهيل من الله ورفعٌ للحرج 62 ومن رحمة الله تعالى بعباده وهو إباحة نكاح الإماء عند العجز عن الحرائر لمن خشي الضرر على نفسه.

يصبح المعنى التشريعي بعد هذا البيان السابق: فمن لم يستطع منكم نكاح الحرائر المؤمنات فله أن يتجاوزهن إلى ما يستطيع من المملوكات المؤمنات، والله أعلم بحقيقة إيمانكم وإخلاصكم، ولا تستنكفوا من نكاحهن، فأنتم وهن سواء في الدين، فتزوجوهن بإذن أصحابهن، وأدوا إليهن مهورهن التي تفرضونها لهن، حسب المعهود بينكم في حسن التعامل وتوفية الحق، واختاروهن عفيفات، فلا تختاروا زانية معلنة ولا خليلة، فإن أتين الزنى بعد زواجهن فعقوبتهن نصف عقوبة الحرة، وإباحة نكاح المملوكات عند عدم القدرة جائز لمن خاف منكم المشقة المفضية إلى الزنى، وصبركم عن نكاح المملوكات مع العفة خير لكم، والله كثير المغفرة، عظيم الرحمة 63.

ثانيًا: المحصنات من أهل الكتاب:

اتفق العلماء على أنه لا يجوز تزويج المسلمة للكافر مطلقًا، وأنه لا يجوز تزويج المسلم للكافرة إلا أن عموم هذه الآيات خصصته آية «المائدة» ، فأبانت أن المسلم يجوز له تزوج المحصنة الكتابية خاصة؛ وذلك في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ? وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: 5] .

فقوله تعالى عاطفًا على ما يحل للمسلمين: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) صريح في إباحة تزويج المسلم للمحصنة الكتابية، والظاهر أنها الحرة العفيفة، أي: العفيفات من أهل الكتاب، وهذا قول جمهور العلماء، وبه قال الأئمة الأربعة 64.

فالحاصل أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور، إلا صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص الدالة على ذلك قرآنية، كما رأيت.

والمعنى الإجمالي للآية: وأحل لكم أيها المؤمنون نكاح المحصنات، وهن الحرائر من النساء المؤمنات، العفيفات عن الزنى، وكذلك نكاح الحرائر العفيفات من اليهود والنصارى إذا أعطيتموهن مهورهن، وكنتم أعفاء غير مرتكبين للزنى، ولا متخذي عشيقات، وأمنتم من التأثر بدينهن. ومن يجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله، وهو يوم القيامة من الخاسرين 65.

وقوله تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى? مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ? إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [النور:32] .

يدل على لزوم تزويج الأيامى من المملوكين الصالحين، والإماء المملوكات، وظاهر هذا الأمر الوجوب؛ لما تقرر في الأصول 66.

وقوله تعالى (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) [الممتحنة:10] .

أمر المؤمنين بفك عصمة زوجاتهم الكوافر فطلَق عمر بن الخطاب يومئذ زوجتين، وطلَق طلحة بن عبيد الله زوجته أروى بنت ربيعة، وعصم الكوافر عام في كل كافرة، فيشمل الكتابيات لكفرهن باعتقاد الولد لله، كما حققه الشيخ الشنقيطي رحمة الله تعالى، ولكن هذا العموم قد خصص بإباحة الكتابيات في قوله تبارك وتعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة:5] .

أي: الحرائر، وبقيت الحرمة بين المسلم والمشركة بالعقد على التأبيد 67.

وفي قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى? تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ?1?رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ?2?فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ?3?وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ?4?) [البينة:1 - 4] .

ذكر هنا (الَّذِينَ كَفَرُوا) ثم جاءت (من) وجاء بعدها (أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) مما يشعر بأن وصف الكفر يشمل كلًا من أهل الكتاب والمشركين، كما يشعر مرة أخرى أن المشركين ليسوا من أهل الكتاب، لوجود العطف، وأن أهل الكتاب ليسوا من المشركين.

وهذا المبحث معروف عند المتكلمين وعلماء التفسير، واتفقوا على أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وأن المشركين هم عبدة الأوثان، والكفر يجمع القسمين، وأهل الكتاب مختص باليهود والنصارى، ولكن الخلاف هل الشرك يجمعهما أيضًا أم لا؟

فبين الفريقين عموم وخصوص، عموم في الكفر، وخصوص في أهل الكتاب لليهود والنصارى، وخصوص في المشركين لعبدة الأوثان.

ولكن جاءت آيات تدل على أن مسمى الشرك يشمل أهل الكتاب أيضًا، كما في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ? يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ? قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ? أَنَّى? يُؤْفَكُونَ(30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَ?هًا وَاحِدًا ? لَّا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:30 - 31] .

فجعل مقالة كل من اليهود والنصارى إشراكًا، وجاء عن عبد الله بن عمر منع نكاح الكتابية، وقال: وهل كبر إشراكًا من قولها: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) [الكهف:4] .

فهو وإن كان مخالفًا للجمهور في منع الزواج من الكتابيات، إلا أنه اعتبرهن مشركات.

ولهذا الخلاف والاحتمال وقع النزاع في مسمى الشرك هل يشمل أهل الكتاب أم لا؟ مع أننا وجدنا فرقًا في الشرع في معاملة أهل الكتاب، ومعاملة المشركين فأحل ذبائح أهل الكتاب، ولم يحلها من المشركين، وأحل نكاح الكتابيات، ولم يحله من المشركات، كما قال تعالى: (لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى? يُؤْمِنَّ) [البقرة:221] .

وقوله: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) [الممتحنة:10] .

وقال: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) [الممتحنة:10] .

بين ما في حق الكتابيات قال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) [المائدة:5] .

فكان بينهما مغايرة في الحكم.

وقد جمع الشيخ محمد الأمين رحمه الله تعالى بين تلك النصوص في دفع إيهام الاضطراب عند قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّه) [التوبة:30] .

مفاده أن الشرك الأكبر المخرج من الملة أنواع وأهل الكتاب متصفون ببعض دون بعض إلى آخر ما أورده رحمه الله 68.

ولعل في نفس آية: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله) فيها إشارة إلى ما ذكره رحمة الله تعالى من وجهين:

الأول: قوله تعالى: (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ) [التوبة:30] .

أي: يشابهونهم في مقالتهم وهذا القدر اتصف به المشركون من أنواع الشرك.

الثاني: تذييل الآية التالية بعد حكاية فعلهم الشنيع بصيغة المضارع (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:31] .

بينما وصف عبدة الأوثان في سورة البينة بالاسم (چ) 69.

وقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء:25] .

فظاهره أن الأمة لا يجوز نكاحها، ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل قوله: (مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) ، فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: 5] .

فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن، ولو كن كتابيات، وخالف الإمام أبو حنيفة رحمه الله فأجاز نكاح الأمة الكافرة، وأجاز نكاح الإماء لمن عنده طول ينكح به الحرائر؛ لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عرف في أصوله رحمه الله 70.

ثبوت الشرك في أهل الكتاب مع حل نسائهم:

وأما كون أهل الكتاب فيهم شرك كما ذكره الله فهذا متفق عليه بين المسلمين كما نطق به القرآن، كما أن المسلمين متفقون على أن قوله: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ? وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى?) [المائدة:82] .

أن النصارى لم يدخلوا في لفظ (الذين أشركوا) ، كما لم يدخلوا في لفظ (اليهود) 71، وإن كان فيهم الشرك للتمييز بينهم وبين مشركي العرب.

إباحة نساء أهل الكتاب متأخر:

إذا قدر أن لفظ «المشركات» و «الكوافر» يعم الكتابيات: فآية المائدة خاصة وهي متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة باتفاق العلماء، والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين؛ لكن الجمهور يقولون: إنه مفسر له.

فتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام. وطائفة يقولون: إن ذلك نسخ بعد أن شرع. وإذا فرضنا النصين خاصين، فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم، والآخر أحلهما. فالنص المحلل لهما هنا يجب تقديمه؛ لأن سورة المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء فتكون ناسخة للنص المتقدم 72.

شروط الزواج من الكتابيات:

أما الشروط التي حددها الشرع في جواز زواج المسلم من الكتابية هي نفسها الشروط التي ذكرناها في شروط زواج المسلم من المسلمة الحرة، وهي: الإحصان بمعنى العفة، وإذن الولي، ووجوب المهر.

فشرط الإحصان الأصل فيه قول الله تبارك تعالى في الآية السابقة: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة:5] .

فوجود العفة في المرأة شرط للزواج منها سواء كانت مسلمة أو كتابية، فالكتب السماوية كلها توجب عفاف المرأة ولا مجال لأي قول خلاف ذلك.

ولابد هنا من وقفة للتأكيد على شرط الإحصان، وإضافة شرط آخر للزواج من الكتابية.

لابد هنا من التأكيد على أن صفة الإحصان التي أباح الله بها للمسلم أن يتزوج الكتابية في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:5] .

إذا فقدت؛ فذلك يدل على عدم جواز زواج المسلم بالكتابية التي لا توجد فيها صفة الإحصان، وقد اختلف في صفة الإحصان هذه على قولين:

القول الأول: أن المراد بها العفة، فإذا كانت الكتابية عفيفة لم تقارف الفاحشة جاز نكاحها، وممن فسر الإحصان بالعفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه عندما كتب إليه حذيفة بن اليمان: (أحرام هي- يعني الكتابية - كتب إليه عمر قائلًا: لا، ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن، قال أبو عبيدة: يعني العواهر) 73.

وقال مطرف عن الشعبي في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة:5] .

قال: (إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة وأن تحصن فرجها) 74.

وممن قال بذلك: السدي، ومجاهد وسفيان.

القول الثاني: أن المراد بالإحصان هنا الحرية، أي: يجوز نكاح الكتابية الحرة دون الأمة وإن كانت قد أتت بفاحشة إذا تابت منها، بشرط أن تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على ولده أن يجبر على الكفر.

وقد رجح هذا القول ابن جرير الطبري، وذكر القائلين به في تفسيره 75.

وعلى كلا القولين فإن الكتابية التي في دار الكفر وليست في دار الإسلام يرجح جانب الحذر منها، لما في بيئتها من الفساد الواضح.

وكيف تكون عفيفة من توصم بالعار والأمراض النفسية إذا بلغت سنًا معينًا، ولم تجد من يعيش معها معيشة غير مشروعة، كما يعيش الزوج مع زوجته؟

وكيف لا يخشى من عدم عفة امرأة تختلط بالأجانب في الخلوة كما مضى؟!!!

والحاصل في هذا الزمان: أن من يتزوج من بلدٍ كافر فإنه يتزوجهن وفق قوانينها، فيطبقون عليه نصوص قوانينهم، وفيها من الظلم والجور الشيء الكثير في هذا الباب، ولا يعترفون بولاية المسلم على زوجته وأولاده، وإذا ما غضبت المرأة من زوجها هدمت بيته، وأخذت أولادها بقوة القانون، فينشأ أولاده على الكفر.

وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم رغبنا بذات الدين من المسلمات، فلو كانت مسلمة توحد الله لكنها ليست ذات دينٍ وخلق فإنه لا يرغب بزواجها؛ لأن الزواج ليس هو الاستمتاع بالجماع فقط؛ بل هو رعاية لحق الله وحق الزوج، وحفظٌ لبيته وعرضه وماله، وتربية لأولاده، فكيف يأمن من يتزوج كتابية على تربية أبنائه وبناته على الدين والطاعة، وهو تاركٌ لهم بين يدي تلك الأم التي تكفر بالله تعالى وتشرك معه آلهة؟

فعلى الإنسان المسلم العاقل أن يتخير لنطفته أين يضعها، وأن ينظر نظرًا مستقبليًا لحال أولاده ودينهم، وألا يعميه عن النظر الواعي شهوةٌ جارفةٌ، أو مصلحةٌ دنيويةٌ عاجلةٌ، أو جمال ظاهري خادع، فإنما الجمال جمال الدين والأخلاق 76.

فلابد من إضافة هذا الشرط لشروط نكاح المسلم من الكتابية، لأهميته وخاصة مع فساد أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى فيه هذا الزمان.

المحصنات من سبايا الجهاد:

السبايا: هن النساء المتزوجات اللواتي يقعن سبايا في ملك المسلمين في حرب يدافعون بها عن الدين، وأزواجهن كفار في دار الكفر، فحينئذ ينحل عقد زواجهن، ويكن حلالًا للمسلمين بالشروط المعروفة في كتب الفقه.

ويقول أبو حنيفة: إن من سبي معها زوجها فلا تحل لغيره، لأنه لا بد من اختلاف الدار بين الزوجين، دار الإسلام ودار الكفر 77.

ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح، سواء سبي الزوجان الكافران معًا، أو سبي أحدهما قبل الآخر، وقال ابن المواز: لا يهدم السبي النكاح 78.

لذا ورد أن الآية: (الْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء:24] .

نزلت في سبايا أوطاس، وهي وقعة كانت بعد موقعة حنين، فسبى فيها المسلمون النساء والذراري، فتحرج المؤمنون في غشيان أولئك النسوة، ومنهم المتزوجات، فأذن لهم في غشيانهن بعد أن تسلم إحداهن وتستبرأ بحيضة، أما قبل إسلامها فلا تحل؛ لأنها مشركة 79.

إن الاستمتاع بالجارية بالوطء أو مقدماته لا يكون مشروعًا، إلا أن تكون مملوكة للرجل الحر ملكًا تامًا كاملًا، وهي التي ليس له فيها شريك، وليس لأحد فيها شرط أو خيار، ويشترط ألا يكون فيها مانع يقتضي تحريمها عليه، كأن تكون أخته من الرضاعة، أو موطوءة فرعه أو أصله، أو تكون متزوجة، أو أختًا لأمة أخرى يطؤها، أو مشركة غير كتابية. فإذا استوفت ذلك كله جاز له وطؤها بملك اليمين لابعقد الزوجية.

والجارية التي يتخذها سيدها للوطء تسمى سرية، فإذا حبلت من سيدها وأتت بولد، ولو سقط سميت أم ولد، وعتقت بعد موت سيدها.

أما وطء الأمة الكافرة بملك اليمين، فإنها إن كانت كتابية فجمهور العلماء على إباحة وطئها بالملك، لعموم قوله تعالى: (إِلَّا عَلَى? أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون:6] .

ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري بالإماء منهم، وليس في وطئها مع إباحة التزوج بهن نزاع، بل في التزوج بها خلاف مشهور، والقول بجواز التزوج بهن مع المنع من التسري بهن لم يقله أحد ولا يقوله فقيه 80.

وقد أجمع العلماء على حل ذلك، ثم إن حل نكاحهن يقتضي حل التسري بهن من طريق الأولى والأحرى، وذلك أن كل من جاز وطؤها بالنكاح جاز وطؤها بملك اليمين بلا نزاع، وأما العكس فقد تنازع فيه العلماء؛ وذلك لأن ملك اليمين أوسع 81.

وأما إن كانت الأمة المملوكة له مجوسية، أو عابدة وثن، ممن لا يحل نكاح حرائرهم؛ فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين، قال ابن عبد البر: وعليه جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وما خالفه فهو شذوذ لا يعد خلافًا، ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس.

قال الشيخ عطية سالم رحمه الله في تقييده لأضواء البيان: الذي يظهر من جهة الدليل والله تعالى أعلم، جواز وطء الأمة بملك اليمين، وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية؛ لأن أكثر السبايا في عصره صلى الله عليه وسلم من كفار العرب، وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم وطأهن بالملك لكفرهن ولو كان حرامًا لبينه، بل قال صلى الله عليه وسلم: (لا توطأ حاملٌ حتى تضع ولا غير ذات حملٍ حتى تحيض حيضةً) 82، ولم يقل حتى يسلمن، ولو كان ذلك شرطًا لقاله، وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهن مجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى أسلمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت