فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 2431

«واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى التنازع والتقاتل» 34؛ كما يظهر ذلك جليًا في قصة ابني آدم {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) } [المائدة:27 - 30] .

وفي قصة يوسف عليه السلام مع إخوته؛ حين قالوا بعدما حسدوه: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف:9] .

3.اتباع الهوى.

قال سبحانه عن بني إسرائيل: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة:87] .

فانظر كيف جعلوا أهواءهم هي الفيصل والحكم، وخالفوا بها أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام «وإنما كانوا كذلك؛ لإرادتهم الرفعة في الدنيا، وطلبهم لذاتها، والترؤس على عامتهم، وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك؛ فيكذبونهم لأجل ذلك، ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين! ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم» 35.

وقال سبحانه لرسوله الكريم: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) } [القصص:50] .

ثانيًا: ترك الوحي:

قال الله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) } [المائدة:14] .

«قال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى، {أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} في التوحيد والنبوة، {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} بالأهواء المختلفة، والجدال في الدين، قال مجاهد وقتادة: يعني بين اليهود والنصارى، وقال قوم: هم النصارى وحدهم صاروا فرقًا! منهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكل فرقة تكفر الأخرى» 36.

«فإن قيل: كيف أغريت بينهم العداوة وهم لم يزالوا إلبًا على المسلمين؟

فجوابه: أن العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فرقًا، وذلك الانقسام يجر إليهم العداوة وخذل بعضهم بعضًا، ثم إن دولهم كانت منقسمة ومتحاربة، ولم تزل كذلك، وإنما تألبوا في الحروب الصليبية على المسلمين، ثم لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا، ولا يزال الأمر بينهم كذلك إلى الآن، وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة، وتأليف اتحادٍ بينهم، وكان اختلافهم لطفًا بالمسلمين في مختلف عصور التاريخ الإسلامي، على أن اتفاقهم على أمة أخرى لا ينافي تمكن العداوة فيما بينهم، وكفى بذلك عقابًا لهم على نسيانهم ما ذكروا به» 37، وقد قال سبحانه وتعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر:14] .

ولا شك أن في آية {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ} تحذيرًا لهذه الأمة من سلوك مسلك أهل الكتاب في نسيان دين الله تعالى.

ثالثًا: اختلاف الأفهام:

ومن أسباب الاختلاف أيضًا: اختلاف أفهام الناس ومداركهم، ومما يشير لذلك قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:78 - 79] .

«فمعنى قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أنه ألهمه وجهًا آخر في القضاء هو أرجح؛ لما تقتضيه صيغة التفهيم من شدة حصول الفعل أكثر من صيغة الإفهام، فدل على أن فهم سليمان في القضية كان أعمق، وذلك أنه أرفق بهما، فكانت المسألة مما يتجاذبه دليلان فيصار إلى الترجيح، والمرجحات لا تنحصر، وقد لا تبدو للمجتهد، والله تعالى أراد أن يظهر علم سليمان عند أبيه ليزداد سروره به، وليتعزى على من فقده من أبنائه قبل ميلاد سليمان» 38.

وممكن أن يضرب هذا النموذج في قصة داود وابنه سليمان عليهما السلام مثالًا على اختلاف الأفهام المحمودة؛ حيث إنه لم يحصل جراء اختلاف فهمهما شر بينهما أو نزاع.

قال ابن القيم رحمه الله: «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه؛ لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم: بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكلٌ من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله؛ لم يضر ذلك الاختلاف، فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدًا، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة؛ لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافًا لا يضر» 39.

لاشك أن للاختلاف آثارًا تنجم عنه، لكن وصف تلك الآثار يرجع إلى وصف ذلك الاختلاف؛ فإن اختلافًا محمودًا كانت آثاره كذلك، وإن كان اختلافًا مذمومًا كانت آثاره كذلك.

والذي يهمنا هنا: هو تسليط الضوء على آثار الاختلاف التي ذكرها القرآن الكريم، فنقول:

من الآثار التي ذكرها القرآن الكريم للاختلاف ما يلي:

أولًا: الفشل وذهاب الريح.

قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) } [الأنفال:46] .

وماذا بعد الفشل وذهاب الريح، إلا تسلط الأعداء على المسلمين وسومهم سوء العذاب! قال قتادة: «لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم» 40.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها: كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها» 41.

وقال ابن تيمية في موضع آخر: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها؛ وأمرائها وكبرائها؛ هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة:14] .

فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به؛ وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب» 42.

ثانيًا: الشقاق.

قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) } [البقرة:176] .

ثالثًا: إلغاء كل ما لدى الخصم من حق.

قال عز وجل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) } [البقرة:113] .

قال ابن عطية: «وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها؛ لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وصحة نبوته، وكلاهما تضمن صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فعنفهم الله تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا.

وفي قوله تعالى: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده» 43.

«أما قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالمًا لكي يصح هذا الفرق، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف؛ فكيف حال من لا يعلم!» 44.

رابعًا: التفرق والتحزب.

قال تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } [الروم:31 - 32] .

« {فَرَّقُوا دِينَهُمْ} جعلوه أديانًا مختلفة لاختلاف أهوائهم، {وَكَانُوا شِيَعًا} فرقًا كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها، {كُلُّ حِزْبٍ} منهم {بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} فرح بمذهبه مسرور يحسب باطله حقًا» 45.

خامسًا: العذاب العظيم في الآخرة.

وسواد الوجه كذلك -والعياذ بالله-، قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران:105 - 106] .

«يعني بذلك جل ثناؤه: {وَلَا تَكُونُوا} يا معشر الذين آمنوا {كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} من أهل الكتاب، {وَاخْتَلَفُوا} في دين الله وأمره ونهيه، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} من حجج الله فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه؛ فتعمدوا خلافه! وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءة على الله! {وَأُولَئِكَ لَهُمْ} يعني: ولهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم {عَذَابٌ} من عند الله {عَظِيمٌ} ، يقول جل ثناؤه: فلا تتفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم؛ فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم» 46.

الاختلاف الذي حذرنا الله تعالى منه في كتابه الكريم هو شرٌ كله، وكما أنه سبحانه قد نهانا عنه وحذرنا منه؛ فقد أرشدنا وهدانا إلى سبل اجتنابه والوقاية منه، و «من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1] .

ويقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] .

ويقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) } [آل عمران:105] .

وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف» 47، فإذا وقع الاختلاف فقد هدانا الله تعالى في كتابه الكريم إلى أمور نرفع به عنا الاختلاف والنزاع، منها:

أولًا: الاعتصام بحبل الله تعالى.

قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا الأصل العظيم -وهو الاعتصام بحبل الله جميعًا وأن لا يتفرق- هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة» 48.

وعندما يتأمل المسلم هذه الآية العظيمة يجد فيها مؤكدات كثيرة لوجوب الاعتصام بحبل الله تعالى، فتأمل معنا:

{وَاعْتَصِمُوا} واو الجماعة هنا يعم كل المؤمنين الذين ناداهم الله في الآية السابقة لهذه الآية، {بِحَبْلِ اللَّهِ} لا بشيء سواه، وسواء كان حبل الله هو القرآن أو الرسول أو الدين؛ فيبقى مفهومه: أن نترك أهواءنا وأطماعنا ومصالحنا الشخصية التي هي غير معصومة للشيء المعصوم، الذي هو القرآن أو الرسول أو الدين أو كل هذه الأمور، قال «عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الصراط محتضر؛ تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله! هلم هذا الطريق! ليصدوا عن سبيل الله؛ فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو كتاب الله» 49.

ثم قال سبحانه: {جَمِيعًا} ! مع أنه قد فهم معنى العموم من ضمير الجماعة في قوله: {وَاعْتَصِمُوا} ! لكنه التوكيد والتأكيد على هذا الأمر العظيم.

{وَلَا تَفَرَّقُوا} أيضًا قد فهم هذا المعنى من قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا} ! لكنه كذلك مزيدٌ من التوكيد والتأكيد والاهتمام بهذا الأمر الجليل.

ومن الآيات ذات الصلة بهذا الأمر: قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) } [النحل:64] .

وقوله سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) } [الشورى:10] .

وقوله عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] .

ونحوها من الآيات التي تبين أن الله تعالى أنزل كتابه وأرسل رسوله ليرجع الناس إليهما ويعتصموا بهما من الفرقة والاختلاف والتنازع.

ثانيًا: الإصلاح.

قال الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء:114] .

والمعروف: هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} وهو: الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما؛ ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به، ثم أخبر جل ثناؤه بما وعد من فعل ذلك فقال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ... ولا حد لمبلغ ما سمى الله {عَظِيمًا} يعلمه سواه!» 50.

ولعظيم أمر الإصلاح بين الناس أحل الشارع الحكيم الكذب من أجل ذلك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا» 51.

ثالثًا: الجدال بالتي هي أحسن.

وهو «دفع المرء خصمه عن إفساد قوله؛ بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه، وهو الخصومة في الحقيقة» 52.

قال الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) } [العنكبوت:46] .

وليس الجدال خاص بأهل الكتاب! بل هو عام للكفار والمؤمنين؛ بهدف إحقاق الحق وإبطال الباطل.

وعن جدال المؤمنين يقول تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} [المجادلة:1] .

بل ذكر الله تعالى عن قوم نوح عليه السلام أنهم: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود:32] !

لذا قال الشوكاني رحمه الله: «فأما الجدال لاستيضاح الحق، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح والمرجوح، وعن المحكم والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، وردهم بالجدال إلى المحكم؛ فهو من أعظم ما يتقرب المتقربون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب فقال: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران:187] » 53.

أما الجدال المنهي عنه فهو «الجدال بالباطل، والقصد إلى دحض الحق كما في قوله: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر:5] » 54.

رابعًا: المباهلة.

وهي: «الملاعنة 55، وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا» 56.

قال سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) } [آل عمران:61] .

والمباهلة وسيلة من وسائل رفع الاختلاف بين المختلفين التي ذكرها القرآن الكريم؛ ليتضح للناس المحق من المبطل.

قال ابن كثير -مرجحًا لمعنى المباهلة-: «وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس، رحمهم الله.

ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) } [الجمعة:6 - 8] .

فهم -عليهم لعائن الله- لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى! دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين، فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم.

وهذا كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى -بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم- إلى المباهلة.

فقال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) } فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عينٌ تطرف! فعند ذلك جنحوا للسلم، وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون؛ فضربها عليهم» 57.

وهذه المباهلة ليست خاصة مع الكفار والمشركين؛ بل قد يتباهل المسلمون في بعض المسائل، كما دعى ابن عباس رضي الله عنه إلى مباهلته في بعض مسائل الفرائض 58.

خامسًا: مقاتلة البغاة:

نعم! فمن وسائل رفع النزاع والاختلاف التي ذكرها القرآن الكريم: مقاتلة الطائفة الباغية التي تخالف المسلمين فتبغي عليهم بالقتال، قال الله سبحانه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات:9 - 10] .

وقد ذكرت هذه الآية وسلتين من وسائل رفع الخلاف: الإصلاح {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ، ثم المقاتلة {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فهو قتال له سببه، وله غايته المحددة المعروفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت