ومن أسباب شفاء القلوب من مرضها وتجنب الطبع عليها هو الاعتبار بالمصائب والمحن التي تمرّ بها القلوب عند الشدائد، إذ إنّ للقلوب أهمية عظيمة عند الشدائد والمحن، وينبغي للمسلم أن تكون تصرفاته صحيحة غير طائشة، بل يجب أن تكون منضبطة بنور شريعة الإسلام، ولابد لنور القلوب أن يشعشع في قلوب المسلمين أوقات الشدائد.
فالمؤمن الذي يريد أن يتجنب الطبع على قلبه لا بد له أن يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها، وعلى تقديرها ووقوعها يرضى بها؛ لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، فعند وقوعها لا يستعظمها، بل تكون له عبرة يتعظ بها، بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلًا عن تلك المعارف فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه، بخلاف قلب المؤمن الذي يكون دائمًا منشرحًا بنور معرفة الله تعالى، والقلب إذا كان مملوءًا من هذه المعارف، لم يتّسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، وسيكون قلبه سليمًا من جميع أمراض القلوب، أما قلب الجاهل فإنه خال من معرفة الله تعالى، فلا جرم يصير مملوءًا من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا.
والقلوب السليمة حينما تسمع القصص وترى أثار الأمم الخالية التي عاقبها الله تعالى لإعراضها، حتمًا ستكون هذه المشاهد عبرة لها وموعظة، قال تعالى واصفًا هذه القلوب السليمة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .
قال ابن زيد في تفسير قوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: قلب يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب الله بها من عصاه من الأمم 172. وبين ابن أبي زمنين أن الخطاب هنا هو خاص بقلب المؤمن 173. الذي صرف قلبه إلى التفهم، فهو في حضور دائم مع الله ولا يغفل عنه طرفة عين.
وقال السمرقندي في تفسيره للآية: «أي: لمن كان له عقل؛ لأن محل العقل هو القلب» 174. فكنى بالقلب؛ لأنه موضعه.
وقال الزمخشري في قوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: «لمن كان له قلب واع؛ لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له» 175.
قال يحيى بن معاذ: القلب قلبان، قلب محشّ بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من أمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد احتشى بأهوال الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة 176.
وفسر الرازي قوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} بأن المراد: قلب موصوف بالوعي، أي: لمن كان له قلبًا سليمًا أدرك الحقائق وتفكر كما ينبغي، فكأنه تعالى قال: إن في ذلك لذكرى وعبرة لمن يصلح أن يقال: له قلب، وحينئذ فمن لا يتذكّر ولا يتعظ لا قلب له أصلًا، كما في قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] .
حيث لم تكن آذانهم وألسنتهم وأعينهم مفيدة لما يطلب منها، كذلك من لا يتذكر كأنه لا قلب له، كالجمادات لها صور وليس لها قلوب للذكر ولا لسان للشكر 177.
وفي قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} لطيفة حيث أتى الخالق عزوجل بـ (أو) لتقسيم المتذكر إلى تال وسامع، أو إلى فقيه ومتعلم، أو إلى عالم كامل الاستعداد لا يحتاج لغير التأمل فيما عنده، وقاصر محتاج للتعلم، فيتذكر إذا أقبل بكليته، وأزال الموانع بأسرها، وفي تنكير (قلب) وإبهامه، تفخيم وإشعار بأنّ كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر، فهو ليس بقلب 178.
فالمانع من التأثير والاعتبار هو سهو القلب وغيبته عن تعقل، وصاحب القلب الحي لا يمكن أن يتأثر بأي مرض من أمراض القلوب، بل سيكون هو القلب الناجي من جميع الأمراض لا سيما الطبع؛ لأنه قلب حي ذكي زكي، إذا ورد عليه شيء من آيات الله تذكر بها وانتفع فارتفع؛ لأنه يعقل عن الله، كما قال تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70] . أي: حي القلب واعيه 179.
ولما كان القلب هو محل الإيمان والكفر، ومركز الهداية والضلال، فإنه يتعرض للمواقف الكبيرة التي تظهر حقيقته؛ لأن الله تعالى يمتحن هذه القلوب ليقيم الحجة على أصحابها، يمتحنها بالابتلاء والاختبار والفتنة، وهذا قانون إلهي واضح قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] .
والقتال والجهاد في سبيل الله نوع من أنواع الامتحان والابتلاء، وفي معركة أحد عندما خالف الرماة الأوامر طلبًا للغنيمة، تحّول النصر إلى هزيمة، فتسرّب اليأس إلى قلوب المنافقين، بينما ثبت المؤمنون في الميدان إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الاختبار كشف عن صدق المؤمنين وكذب المنافقين، وهنا بدأ التشكيك من قبل المنافقين: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] .
وهذا هو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص لله وللعقيدة حينما تصطدم في موقعة من المواقع بالهزيمة، وحينما تعاني آلام الهزيمة، وهنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله، أمر الحياة والموت، ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء 180.
قال تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] .
قال ابن الجوزي في الآية: «إبانة ما في القلوب من الاعتقاد لله ولرسوله وللمؤمنين» 181.
فليس كالمحنة محك يكشف ما في الصدور ويصهر ما في القلوب، فينفي عنها الزيف والرياء، ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء 182.
وجعل الابتلاء وهو الامتحان والاختبار بالسراء والضراء للصدور، أما التمحّيص فهو التطهير والتصفية 183. فالابتلاء يكون سببًا في تمحيص ما في القلوب، وذاك أن الابتلاء لا يكون إلا للظاهر، أما التمحيص فللباطن، فهو كالتزكية والتطهير 184.
فالقلوب هي محلّ الابتلاء والتمحيص، ومحل الأقوال والأعمال، ولهذه القلوب شأنًا عظيمًا عند الله تبارك وتعالى، كيف لا والقلب هو الذي إذا كان حيًّا، فإن الجسد يحيا، وإذا مات مات الجسد.
ولمّا كان القلب هو المخاطب وهو السعيد وهو الشقي، فلا سعادة للعبد ولا لذّة ولا قرب من الله تعالى ولا مناجاة، ولا شفاء من جميع أمراض القلوب إلا بصلاح قلبه، فصلاح القلوب هو الذي ينجيها من الطبع عليها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأصل صلاح القلب هو حياته واستنارته» 185. فقلب المؤمن عبارة عن مصباح يضيء.
يقول تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] .
يقول ابن مسعود رضي الله عنه لرجل: «داو قلبك، فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم» 186.
فالمؤمن في قلبه مصباح يضيء ويجعله يميز بين الشبهات والدلائل الواضحات، وبين الهدى والضلال، بل إن هذا المصباح عبارة عن فرقان يفرق بين الحق والباطل، فقلب المؤمن يدفع الفتن والشهوات لسلامته وصفائه، فيزداد إشراقه وبياضه، وتزداد مناعته من الذنوب والمعاصي والشهوات والشبهات، وبالتالي يكون سليمًا صحيحًا من جميع الأمراض لا سيما الطبع على القلوب.
للطبع على القلوب نتائج وخيمة ذكرها الله تعالى في كتابه، وهذه العقوبة إنما هي نتيجة لأعمال الإنسان بعد إنذاره وتحذيره، ومعلوم أن قلب الإنسان ينال من الطبع على قلبه بقدر تلوثه بالذنوب والمعاصي، وعلى هذا الأساس فإن الموانع والحجب التي تضرب على القلب تعطل حواس الإنسان كالسمع والبصر، فتمنعه من الإدراك؛ لأن الطبع على القلوب يقترن به الطبع على الاسماع والأبصار؛ لأنها أهم منافذ القلوب، وكأن الله تعالى بهذا الطبع سد عنهم طرق هذه الحواس، فغدوا لا ينتفعون بها {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .
وكذلك ينتج عن طبع القلوب البقاء على الكفر وعدم الإيمان بالله تعالى، ومن نتائجه أيضًا الجهل وعدم الفهم والعلم، واتباع الهوى والشهوات والإصرار على المنكرات.
أولًا: تعطيل وسائل المعرفة:
إن من أفظع النتائج السلبية والوخيمة التي تحصل بعد الطبع على القلوب هو تعطيل وسائل المعرفة والإدراك من السمع والبصر وغير ذلك، والقرآن الكريم حينما يتحدث عن القلب يصفه بأنه المنظم لكل السلوك البشري والمتحكم بكل تصرفات الإنسان، بل هو المتحكم بكل وسائل الإدراك الأخرى.
فالإبصار لا يتم إلا عن طريقه، والسمع لا يكون إلا بعد إذنه، والتعقل والتفقه لا يكتمل إلا بكون القلب حاضرًا.
قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] .
والمعنى أن لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم - والعياذ بالله- من خلقه لهم قلوب لا يتفكرّون بها في آيات الله ولا يتدبرون بها أدلته الوحدانية، ووصفهم بأنهم {لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} لإعراضهم عن الحق، وتركهم التدبر، فهم لهم {أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا} أي: لهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته فيتأملونها ويتفكروا فيها، فيعملوا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم، وفساد ما هم عليه مقيمون من الشرك بالله {وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} آيات الله، فيعتبروا فيها، ولكنهم يعرضون عنها 187.
فالآية القرآنية الكريمة تشير إلى أن وسائل المعرفة من السمع والبصر وغير ذلك قد تعطلّت؛ لأنهم انشغلوا بما استحوذ عليهم من شهواتهم، فصارت عقولهم لا تفكّر في شيء غيره، وتخطط للحصول على الشهوة، وكذلك العيون لا ترى، إلا ما يستهويها، وكذلك الآذان، وكل منهم يرى، غير مراد الرؤية ويسمع غير مراد السمع.
والفرق بين فقه القلوب ورؤية العين وسماع الآذان، أن فقه القلب هو فهم القضايا التي تنتهي إليها الإدراكات، إذ إن لكل وسيلة إدراكًا، وهي من المحسات، وبعد أن تتكون المحسات يمتلك الإنسان خميرة علمية في قلبه وتنضج لتصير قضية عقلية منتهية ومسلمًا بها، فكل الحواس إذن تربي المعاني عند الإنسان، وحين تربي المعاني في النفس الإنسانية تتكون القضايا التي تستقر في القلب 188، لذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على خلقه بأنه علمهم فقال: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
قال ابن كثير بعد أن ذكر منّة الله تعالى على عباده بإيجادهم: ثم بعد هذا يرزقهم تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار التي بها يحسون المرئيات، والأفئدة وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح 189.
فالقلوب توصل إلى عملية التفقه والتعقل، والأعين عن طريقها تصل إلى الإبصار، والأذن أول خطوة للوصول إلى عملية السمع، ولهذا نجد أن الخالق سبحانه وتعالى نفى عن الكفار السمع والبصر والعقل، لعدم انتفاعهم بها كما قال سبحانه: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} .
فهم يسمعون ويبصرون بالحواس الظاهرة، وبها قامت عليهم الحجة، ولا يسمعون ولا يبصرون بالحواس الباطنة، التي هي سماع القلب، التي هي روح حاسة السمع، والتي هي حظ القلب، ولو سمعوه من هذه الجهة لحصلت لهم الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة 190.
قال شيخ الإسلام: «والقلب الحي المنّور، فإنه لما فيه من النور يسمع ويبصر ويعقل، والقلب الميت فإنه لا يسمع ولا يبصر» 191.
ومن المعلوم أن الإدراك قواه ثلاثة هي: السمع والبصر والفؤاد، وكلها من شأن النفس المدركة بالقلب. لذا قال الإمام الغزالي: (اعلم أن محل العلم هو القلب) 192.
ورأى كذا لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين، ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل، وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأدلة 193. فالتعقل والسمع في الحقيقة من شأن القلب الذي هو النفس المدركة.
يقول شيخ الإسلام: «فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حجبته له ترسل إليه الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه، فمدار الأمر على القلب» 194. وتأثر القلب بما يراه ويسمعه أعظم من تأثره بما يلمسه ويذوقه ويشمه؛ لأن هذه الثلاثة هي أهم طرق العلم وهي السمع والبصر والعقل 195، يقول ابن القيم: «فإن القلب إذا فسد فسد السمع والبصر، بل أصل فسادهما من فساده» 196.
نستنتج من ذلك أن فهم المسموع أو المرئي إنما يكون بالقلب، والخطاب الإلهي موجه لفهمه، ومعجزاته المخلوقة جعلت مبصرة، ليفهم وجه الاستدلال منها، لذا كان كل إثبات أو مدح للسمع أو البصر إنما هو لإدراك الغاية من المسموع والمبصر، وإلا صارت هذه القوى لا تتجاوز درجة الإحساس والشعور، وهذا نصيب البهائم، فهي ذات سمع وبصر وقلب لكن لم تمنح الفؤاد، وهو من القلب.
فتأمل تشبيه الخالق سبحانه وتعالى للكفار بالأنعام بأن لكل واحد منهم قلبًا وأذنًا وعينًا، غير أنها معطّلة عن الفقه والسمع والبصر، فقلب البهيمة ينقصه فؤاد، وقلب الكافر يلزمه إعماله ليكتمل، فهؤلاء الكفار أبدانهم حية تسمع الأصوات وترى الأشخاص، ولكن حياة البدن بدون حياة القلب من جنس حياة البهائم 197. فالسمع والبصر والفؤاد محتوى ضمن كل هو القلب.
فالقلب هو المدخل الوحيد إلى مراكز الإدراك في العقل البشري؛ لأن القلب له أكثر من مهمة يقوم بها، فبالإضافة إلى مهمته كعضو إحساس تابع لمركزه في الدماغ، فإنه أيضًا متحكم في كل وسائل الإدراك الأخرى، فالإبصار لا يتم إلا عن طريقه، والسمع لا يكون إلا بعد إذنه، والتفقه والتعقل لا يكتمل إلا بكون القلب حاضرًا، لذلك يقول الحق سبحانه واصفًا أهمية القلب في كل عمليات الإدراك: {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] .
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: «لا يسمعون موعظة ولا تذكيرًا، سماع منتفع بها» 198.
فالطبع على القلوب لا يستعمل إلا في الشر، والمراد أن هذه القلوب وصلت من الفساد إلى حالة لا تقبل معها خيرًا، كالهدى والإيمان والعلم النافع الذي هو فقه الأمور ولبابها، وإنما يحصل الطبع بالإصرار على الشرور والمعاصي 199.
يقول الشعراوي: وجعل الطبع على القلوب نتيجة للاختيار؛ لأن القلوب وعاء اليقين الإيماني، فحين يملأ إنسان وعاء اليقين بالكفر، فهذا يعني: أنه عشق الكفر وجعله عقيدة عنده 200.
وكذلك قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .
هذه الآية من سورة الحج تشير بصورة واضحة وجلية إلى حقيقة مفادها أن القلب يمثل المدخل إلى العقول بكل معانيه وخاصة مراكز الإدراك (السمع والأبصار والأفئدة) فالقلب هو المدخل الوحيد إلى مراكز الإدراك في العقل البشري.
يقول ابن عطية في تفسيره لهذه الآية: «وهذه الآية تقتضي أن العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا ينكر أن للدماغ اتصالًا بالقلب يوجب فساد العقل متى اختلّ الدماغ» 201. وفي قوله: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عمى العين، وإنما العمى حق العمى عمى القلب 202. وبيّن القاسمي أنّ المعنى ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم بإتباع الهوى والانهماك في الغفلة 203.
والله تعالى جعل العمى للعين عدم إدراك المرئيات واستقبال الصور، والجهل عمى القلب، أي فقدان لبصيرته، {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} أي: الإدراك التام إنما يكون بالقلب، وتعطله بعمى القلب، والعمى لا يطلق إلا على البصر، فكانت الأبصار في (أولي الأبصار) فهي إحدى قوى القلب لرؤية الحق وفهم الحجة، فالعمى هنا أصاب بصيرة القلب.
ثم لما كان التعقل والسمع في الحقيقة من شأن القلب، أي: النفس المدركة، وهو الذي يبعث الإنسان إلى متابعة ما يعقله أو يسمعه من ناصحه، عدّ الله تعالى إدراك القلب رؤية له ومشاهدة، ومن لا يعقل ولا يسمع أعمى القلب 204، كأنه قال تعالى: لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها، لكنّ العمى في قلوبهم 205، فأبصارهم وإن كانت سالمة لا عمى بها، ولكن العمى الحقيقي هو عمى القلوب، فعمى الأبصار ليس بشيء إذ قيس بعمى القلوب والبصائر 206.
فالقلب هو العاقل والمدبر والمتفقه والعالم والسامع والمبصر، فهو الذي يدرك ما يتلقى من الحواس، وتعطّله تعطل للحواس، فالأذن تنقل المسموعات له، وخاصية السمع، بمعنى: إدراك المسموع وفهمه هي بالقلب، والعين تنقل المرئيات للقلب، وخاصية التبصر، بمعنى: إدراك المرئي وفهمه هي بالقلب، فمهمة القلب التعقل والتدبر والتفكر والسمع، والبصيرة والنظر والتأمل والفهم، بل هو النفس المدركة.
فمن الحقائق المطلقة التي ذكرها القرآن الكريم وأكدها في كثير من آياته أن القلب هو مركز العاطفة، والتفكر، والتعقل، والذاكرة، والقرآن الكريم دقيق في كلماته فقال: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] .
فالذي يفهم ويعقل هو القلب وليس الدماغ، وكذلك قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] .
فهو يخاطب فينا مركز الإدراك والفهم وهو القلب، وليس الدماغ؛ لأن القلب هو مركز الإيمان والعقيدة، والفهم والإدراك، فالقلب هو مناط المسؤولية، والذي يحرم نعمة الفهم والإدراك هو الذي يطبع الله على قلبه 207.
لذلك يمكن القول: إن الطبع على القلوب يقترن به الطبع على الأسماع والأبصار؛ لأنها أهم منافذ القلوب إلى مواد المعارف التي تأتي من خارج كيان الإنسان 208.
ولذلك قال الله تعالى في شأن من شرح بالكفر صدرًا في سورة النحل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [النحل: 108 - 109] .
فالخالق عز وجل صرف عنهم طريق الهدى وكأنه بهذا الطبع سدّ عنهم طرق هذه الحواس، حتى لا ينتفعوا بها في اعتبار وتأمل 209. فهو أغلقها عن قبول الحق، ذلك لأن القلب هو الوعاء الذي تصبّ فيه الحواس التي هي وسائل الإدراكات المعلومية، وأهمها السمع والبصر، فبالسمع تسمع الوحي والتبليغ من الله، وبالبصر ترى دلائل قدرة الله في كونه وعجيب صنعه مما يلفتك إلى قدرة الله، ويدعوك للإيمان به سبحانه، فإذا ما انحرفت هذه الحواس عمّا أراده الله منها، وبدل أن تمد القلب بدلائل الإيمان تعطّلت وظيفتها 210.
ثانيًا: عدم الإيمان:
ومن نتائج الطبع على القلوب هو عدم الإيمان بالله تعالى والبقاء على الكفر، فالختم، والطبع، والغشاوة، والقفل، هي عقوبات للكفار والمنافقين في الدنيا، وقعت عليهم بسبب سوء أعمالهم وعدم قبولهم الحق، وهذه العقوبات لم يفعلها الله تعالى بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان، ودعاه إليه، وإنما عاقبه الله بها بعد تكرار الدعوة منه للكفار، وتكرار الإعراض منهم، والمبالغة في الكفر والعناد، فحينئذ يطبع الله على قلوبهم ويختم عليها، فلا تقبل الهدى بعد ذلك.