أما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر، فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها: ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم؟ أنكر ذلك كثير منهم وقالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. فقيل للرسل: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ أو قيل لهم: ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به؟
كما قال جل ثناؤه لأمة نبينامحمدصلى الله عليه وسلم: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة: 143] .
فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم، وللمرسل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر 35.
فسؤال المجرمين تقرير وتوبيخ وإفضاح، وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح 36.
فأما الذي هو عن الله منفي من مسألته خلقه، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول، ليعلم السائل علم ذلك من قبله، فذلك غير جائز أن يوصف به الله سبحانه وتعالى، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها، وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن: 39] .
وقوله سبحانه: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص: 78] ؛ يعني: لا يسأل عن ذلك أحد منهم مستثبت، ليعلم علم ذلك من قبل من سأل منه، لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره 37.
من جميع ما سبق تظهر الخصائص التالية لسؤاله سبحانه خلقه:
خامسًا: كيف يرتب السائل المسؤولية:
إن الله سبحانه وتعالى لا يسأل الناس ويحاسبهم دون موجب، بل إنه سبحانه قدم بين يدي السؤال ما تكون به الحجة للمجيب أو عليه، فإنه سبحانه أسند وعهد إلى عباده بمسؤوليات، ثم هداهم - توجيهًا - وأرشدهم إلى كيفية أدائها وما يترتب على الأداء والإخلال، وأخذ سبحانه على نفسه إحصاء أعمالهم وكتابتها والإشهاد عليهم، ثم إنه سبحانه وتعالى يجمعهم بقدرته لا يتخلف منهم أحد، ثم إنه سبحانه بعد ذلك يسألهم محاسبًا، ويوفيهم حسابهم. ومن هذا الترتيب تظهر مراتب المسؤولية التي رتب الله سبحانه؛ وهي: العهد والإسناد، الهداية والإرشاد، الرقابة والإحصاء والإشهاد، الإرجاع والجمع، والسؤال حسابًا والجزاء.
العهد والإيجاب والإسناد:
العهد يطلق على الأمر والوصية؛ قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) [آل عمران: 183] .
أي: أمرنا وأوصانا 38.
وقال سبحانه: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [يس: 60] .
والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء، يقال: عهد إليه وتعهد إليه؛ لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها 39.
والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره، فنقضه يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [الرعد: 25] .
وفسر بالعهد الذي أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ?) [آل عمران: 81] .
و (عهد الله) هو ما عهد به أي: ما أوصى برعيه وحفاظه 40.
وهذا السؤال في آية يس معناه الخبر والقصص، والمقصود به التوبيخ والتقرير 41، فإنه تعالى يقول للمجرمين وقد فرق بينهم وبين المؤمنين: ألم أوصكم وآمركم في الدنيا أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله وأقول لكم: إن الشيطان لكم عدو مبين 42. وجعلت ذلك مسؤولية مسندة إليكم.
والعهد يقتضي في معناه الميثاق والاتفاق، فإن الله قد أخذ الميثاق على عباده أنه من أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه حاسبه بما هو أهله فإما عفا عنه وإما عذبه ثم عفا عنه، وإما خلده في العذاب، والآيات القرآنية متواترة في ذلك.
قال سبحانه: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ? إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72] .
وبمعنى الأمر والإيجاب قال سبحانه: (وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا ?23? وَاخفِض لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ وَقُل رَبِّ ارحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيرًا ?24? رَبُّكُم أَعلَمُ بِما في نُفوسِكُم إِن تَكونوا صالِحينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلأَوّابينَ غَفورًا ?25? وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ وَالمِسكينَ وَابنَ السَّبيلِ وَلا تُبَذِّر تَبذيرًا ?26? إِنَّ المُبَذِّرينَ كانوا إِخوانَ الشَّياطينِ وَكانَ الشَّيطانُ لِرَبِّهِ كَفورًا?27? وَإِمّا تُعرِضَنَّ عَنهُمُ ابتِغاءَ رَحمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرجوها فَقُل لَهُم قَولًا مَيسورًا ?28? وَلا تَجعَل يَدَكَ مَغلولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبسُطها كُلَّ البَسطِ فَتَقعُدَ مَلومًا مَحسورًا ?29? إِنَّ رَبَّكَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَيَقدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبيرًا بَصيرًا?30? وَلا تَقتُلوا أَولادَكُم خَشيَةَ إِملاقٍ نَحنُ نَرزُقُهُم وَإِيّاكُم إِنَّ قَتلَهُم كانَ خِطئًا كَبيرًا ?31? وَلا تَقرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبيلًا ?32? وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلّا بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظلومًا فَقَد جَعَلنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كانَ مَنصورًا ?33? وَلا تَقرَبوا مالَ اليَتيمِ إِلّا بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ حَتّى يَبلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفوا بِالعَهدِ إِنَّ العَهدَ كانَ مَسئولًا ?34? وَأَوفُوا الكَيلَ إِذا كِلتُم وَزِنوا بِالقِسطاسِ المُستَقيمِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا?35? وَلا تَقفُ ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنهُ مَسئولًا ?36? وَلا تَمشِ فِي الأَرضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخرِقَ الأَرضَ وَلَن تَبلُغَ الجِبالَ طولًا?37? كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكروهًا) [الإسراء: 23 - 38] .
قال الشنقيطي: وقضى ربك معناه: أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه 43.
قال ابن عباس والحسن وقتادة: ليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر 44.
فالذي يسند المسؤوليات حقيق بالسؤال عنها، ولذلك أوضح الله عز وجل في السياق السابق أن المسؤوليات التي أسندها إلى عباده سيسألهم عنها، وأن السؤال لا يتعلق بعمل الجوارح فقط في أداء المسؤوليات، بل يتعلق كذلك بالتلقي والقبول.
والخلاصة أن الله كلف العباد وألزمهم وأوجب عليهم مسؤوليات على الجملة والتفصيل، وهو سائلهم عنها بموجب كونه المسند لها والعاهد بها.
الهداية والإرشاد:
تبين آيات القرآن الكريم أن الله هدى عباده وأرشدهم إلى كيفية أداء هذه المسؤوليات التي عهد بها إليهم، وأنه سبحانه أعلمهم بعواقب اختيارهم.
قال سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ?3?إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ?4?إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ?5?) [الإنسان: 3 - 5] .
يعني جل ثناؤه بقوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) إنا بينا له طريق الجنة، وعرفناه سبيله 45.
وقال ابن كثير: أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى? عَلَى الْهُدَى?) [فصلت: 17] .
وكقوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 10] .
أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد -في المشهور عنه-والجمهور 46.
ثم إنه سبحانه وضح عواقب اختيارهم، فالسلاسل والأغلال والسعير معدة للكافرين، أما الأبرار فإن مآلهم الشراب الهنيء والفضل الكبير.
وتظهر آيات القرآن الكريم -كما في الآية الآنفة الذكر من سورة فصلت- أن الله سبحانه وتعالى أرشد كل أمة إلى سبيل الرشد والخير، وبين لهم عواقب الغي والفساد، وأنه سبحانه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، والقرآن الكريم ذاخر بقصص الرسل مع أقوامهم؛ كيف دعوهم إلى الحق وبينوا لهم سبيل الرشاد.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ? فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [إبراهيم: 4] .
وهذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم 47.
فالهداية والإرشاد تأتي في المرتبة بعد العهد والإيجاب، وهي الدلالة على السبيل المؤدي إلى أداء المسؤوليات المعهود بها على وجهها الأتم، والتعريف بالسبل التي تصد عن ذلك.
قال تعالى: (وَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ? وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام: 153] .
المراقبة والإحصاء والإشهاد:
إن الله سبحانه بعد أن عهد بالمسؤوليات، وأرشد إلى سبيل أدائها، أخبر أنه سبحانه يراقب أعمال العباد ويحصيها عليهم ويشهد عليها، مع أنه سبحانه العليم الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددا، لا يخفى عليه شيء، يعلم الغيب والسر وأخفى.
قال سبحانه في المراقبة: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1] .
والمعنى: أن الله لم يزل عليكم رقيبًا، أي: حفيظًا، محصيًا عليكم أعمالكم 48.
وقال عز من قائل: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) [الأحزاب: 52] .
أي: راقبًا أو مراقبًا بمعنى حافظًا ومطلعًا على كل شيء فاحذروا تجاوز حدوده سبحانه وتخطي حلاله إلى حرامه 49.
وقال سبحانه في الإحصاء: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ? أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة: 6] .
أي: أنه سبحانه يبعث الرجال والنساء جميعًا من قبورهم في حالة واحدة فيخبرهم بما عملوا في الدنيا، وأنه سبحانه قد أحصى ذلك عليهم، أي: ضبطه وأثبته وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم، ونسوه هم حتى ذكرهم به في صحائفهم، والله على كل شيء من أمر خلقه شاهد يعلمه ويحيط به، فلا يعزب عنه شيء 50.
وقال سبحانه: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) [النبأ: 29] .
أي: وكل شيء أحصيناه فكتبناه كتابا، كتبنا عدده ومبلغه وقدره، فلا يعزب عنا علم شيء منه 51.
وكل شيءٍ من قليل وكثير، وخير وشر مكتوب في اللوح المحفوظ، فلا يخشى المجرمون أن يعذبوا بذنوب لم يعملوها، ولا يحسبوا أنه يضيع من أعمالهم شيء، أو ينسى منها مثقال ذرة.
كما قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَ?ذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ? وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ? وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49] 52.
وفي الإشهاد: قال ابن زيد: الأشهاد أربعة:
أولها: الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد. قال تعالى: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌڑ) [ق: 21] .
وقال سبحانه: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18] .
وقال عز من قائل: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ?10?كِرَامًا كَاتِبِينَ ?11?يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ?12?) [الانفطار:10 - 12] .
وثانيها: شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ? فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ? وَأَنْتَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 117] .
وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة: 143] .
وقال: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: 41] .
وثالثها: شهادة أمة محمد خاصة. قال تعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ) [الزمر: 69] .
وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51] .
ورابعها: شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه.
قال تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور: 24] .
وقال: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى? أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس: 65] 53.
والإشهاد دلالة على تمام عدله سبحانه، حتى إنه سبحانه يفسح المجال للمجادلة وإيراد الحجج يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتستشهد، كما في آية يس السابقة: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى? أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( [يس: 65] .
قال ابن كثير: فهذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، فإنهم إذ ينكرون ما اجترموه ويحلفون أنهم ما فعلوه، يختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم 54.
وفي الصحيح عن أنس بن مالكٍ، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال:(هل تدرون مم أضحك؟) ، قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب: ألم تجرني من الظلم؟، قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل) 55.
قال صالح بن عبد القدوس -وهو أحد شعراء العصر العباسي-:
واذكر مناقشة الحساب فإنه
لا بد يحصى ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته
بل أثبتاه و أنت لاه تلعب
الجمع والسؤال والحساب:
إن الله سبحانه بعد أن عهد إلى عباده أمره، وهداهم وأرشدهم وإلى طريق الفلاح دلهم، وأخبرهم بأنه رقيب عليهم، وأنه يحصي عليهم أعمالهم و يشهد عليهم، بعد هذا كله توعدهم بأنه سبحانه جامعهم جميعًا لا محالة، وسائلهم عما عهد إليهم، ومحاسبهم على أعمالهم.
قال سبحانه في الجمع: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: 26] .
يعني: أنه يجمعكم جميعا أولكم وآخركم، وصغيركم وكبيركم أحياء ليوم القيامة فلا تشكوا في ذلك، فإن الأمر كما وصفت لكم 56.
وقال سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [آل عمران: 25] .
وقال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 9] .
وقال سبحانه: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ? فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى: 7] .
وقال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ?) [التغابن: 9] .
وقال عز من قائل: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ? أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62] .
فالقرآن الكريم أثبت الجمع، وأنه واقع لا محالة، وأنه الجميع مجموع، وذلك في آيات كثيرة.
وقال سبحانه في السؤال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: 6] .
فإن الله بعد أن يجمع الخلائق ليوم القيامة يسأل المرسل إليهم عما أجابوا رسله، ويسأل الرسل عن تبليغ الدعوة لأقوامهم حتى يكون أبلغ في التبكيت على من خالفهم، وقد مضى بيان ذلك. والآيات والواردة في السؤال والمحاسبة كثيرة وقد مضى ذكرها.
وقال سبحانه في المحاسبة: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم (26 ) ) [الغاشية: 25 - 26] .
فالمرجع والمنقلب إلى الله سبحانه، والحساب والجزاء عليه سبحانه على وفق العمل إن خيرا فخير، وإن شرا فشر 57.
وقال سبحانه: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ? فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 284] .
قال الطبري: (حَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) يعني بذلك: يحتسب به عليكم من أعمالكم، فمجاز من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، وغافر لمن شاء منكم من المسيئين 58.
القضاء والجزاء:
قال سبحانه في القضاء: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَھ) [يونس: 93] ؛ أي: يحكم بينهم ويفصل يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي 59.
والحكم والفصل بالعدل بين المتنازعين والمختلفين يقتضي الحساب والسؤال والتقرير بالوقائع. وقضاء الله مبني على العدل والإحسان، فلا تظلم نفس شيئًا.
قال سبحانه: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ? وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ? وَكَفَى? بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] .
وقال سبحانه في الجزاء: (الْيَوْمَ تُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ? لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر: 17] .
وهو إخبار عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب؛ يقول: اليوم يثاب كل عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه 60.
وقال جل من قائل: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ?22?) [الجاثية: 22] .
كما في الحديث القدسي: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) 61.
وقال سبحانه: (. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى? ?39?. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى? ?40?ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى?(41 ) ) [النجم: 39 - 41] .
أي: يجزى الإنسان بسعيه الجزاء الأكمل والأتم 62.
والآيات في ذكر الجزاء وترتيبه بعد الابتلاء كثيرة. والله سبحانه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم إذ يعفو عن كثير، فلا يحاسب المؤمنين بحديث النفس، ويغفر الكثير من الخطأ والزلات، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
وقد جمع الله سبحانه في آية الأنعام المعاني السابقة؛ فقال: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ? أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62] .
فالرد كالرجع في قوله: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 28] 63، قيل: يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق مالك الكل ومتولي الأمور، الذي له القضاء دون خلقه، وهو إذا حاسب فحسابه سريع؛ لأنه لا يحتاج إلى فكرة ورؤية وعقد يد 64، بل إنه سبحانه أسرع من يحاسب فلا يتأخر جزاؤه 65.
أولًا: الرسل عليهم السلام:
والرسل عليهم السلام في القرآن: هم من اختارهم الله سبحانه واصطفاهم من الملائكة والناس، وكلفهم بإنفاذ ما شاء من قدره، أو بلاغ ما شاء من رسالاته وشرعه؛ قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: 75] .
فالملائكة رسل الله فيما شاء من شرعه وقدره، ورسله من الناس لإبلاغ رسالاته، وهو سميع لأقوال عباده بصير بهم عليم بمن يستحق ذلك منهم، قال سبحانه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124] 66. وعن مجاهد في قوله تعالى: (ڑ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ(8 ) ) [الحجر: 8] .
قال: بالرسالة والعذاب 67.
أما الملائكة فإنهم مجبولون على الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ قال تعالى: (ا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] .
وقال سبحانه ردًا على من قال إن الملائكة بنات الله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَ?نُ وَلَدًا ? سُبْحَانَهُ ? بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ(26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى? وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28 ) ) [الأنبياء: 26 - 28] .
فأبطل الله سبحانه دعوى القائلين بذلك، بوصفهم بأنهم عباد مكرمون بكرامته سبحانه لهم، مقربون عنده، وبأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يقولون شيئًا حتى يقوله، أو يأمرهم به، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم. ثم وصفهم بأنهم العاملون بما يأمرهم به سبحانه، التابعون المطيعون له 68. وبمثل هذا في تفسير قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى? وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ? يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فاطر: 1] .
قال السعدي: وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلًا، ولم يستثن منهم أحدًا، دليل على كمال طاعتهم لربهم، وانقيادهم لأمره 69. فلا يقع عليهم السؤال والمحاسبة إذ لا تقع عليهم المسؤولية والتبعة. وهذا هو الأصل.
وأما الرسل من البشر، فالمسؤولية في حقهم ثابتة، وسؤالهم في القرآن وارد في غير موضع؛ قال تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: 6 - 7] .
يعني لنسألن الأمم عن إجابتهم الرسل، (ڑ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) عن الإبلاغ (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا 70.
مقاصد سؤال الرسل:
إن الرسل أحرى الخلق بالاستقامة على الحق، ولكن ثبت سؤالهم في القرآن الكريم في غير موضع، كما قال ربنا سبحانه: (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف: 6] .
والرسل يسألون عن الإبلاغ كما تقدم، والله سبحانه غير غائب عن خبرهم بل يعلم جميع ذلك، فلم يسألهم؟ والجواب أن الله سبحانه يسأل الرسل يوم القيامة لمقاصد عظيمة؛ منها:
قال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا ?41?يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى? بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ?42?) [النساء: 41 - 42] .
وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ(84 ) ) [النحل: 84] .
وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ? وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ ? وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89] .
فهذه الآيات توضح أن سؤال الرسل عن البلاغ إقامة للشهادة على أقوامهم بأن أمر الله ودعوته وعهده قد وصلتهم، كما يشهد الرسل على إجابتهم ما داموا فيهم، كما جاء في التنزيل على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ? فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ? وَأَنْتَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 117] .
وذلك لما يرون من تبرؤ معبوديهم من عبادتهم، وإثبات وصول دعوة الحق لهم؛ كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ? قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ? إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ?116?مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ? فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ? وَأَنْتَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ?117?) [المائدة: 116 - 117] .
قال القرطبي: واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين؛ أحدهما: أنه سأله عن ذلك توبيخا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع 71.
تعريف الرسل بما غير أقوامهم من بعدهم: وهذا هو القول الثاني في الآية السابقة، فإنه سبحانه بهذا السؤال قصد تعريف عيسى عليه السلام أن قومه غيروا بعده، وادعواعليه ما لم يقله 72.
سلوك الرسل حال السؤال:
يظهر الرسل حال سؤالهم عظيم تنزيههم لربهم وتعظيمه ومعرفة قدره سبحانه، وعظيم امتثالهم لأمره وشرعه، وعظيم تواضعهم لله وافتقارهم إليه، واستحالة ادعائهم ما ليس لهم بحق، وجواب عيسى عليه السلام عن السؤال مثال بين على ذلك.
وفي سورة المائدة يسأل الله سبحانه الرسل عما أجابتهم أممهم، وكيف ردوا عليهم حين دعوهم إلى طاعته وتوحيده، قال عز من قائل: (? يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ? قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ? إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(109 ) ) [المائدة: 109] .
فردوا إليه سبحانه العلم إذ أجلوه وتأدبوا معه فيما عندهم من العلم، وفزعوا من هول يوم القيامة، واعترفوا بفوات ما غاب منهم مما هو في صدور الناس، أو مما أحدثوا بعدهم، ومما كان من عاقبة أمرهم 73.
وفي سلوك الرسل حال السؤال إظهار منهجهم في أداء رسالاتهم وأنهم يبلغون رسالات الله ويخشونه، كما قال تعالى (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ?) [الأحزاب: 39] .
وكمال تأدبهم مع الله سبحانه، والتسليم لأمره ولحكمته.
مسؤولية الرسل:
مسؤولية الرسل في مقام الرسالة تقتصر على البلاغ المبين؛ قال تعالى: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النحل: 35] .
وهذا سؤال استنكاري يفيد تقرير أن الرسل ليس عليهم إلا التبليغ البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة 74.
وقال عز من قائل: (وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ? وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [العنكبوت: 18] .
وهذه الآية تحتمل أن تكون من كلام إبراهيم عليه السلام تكملة لما سبق من كلامه، ويكون المعني بالرسول -بالتالي- إبراهيم، وهذا إظهار في مقام الإضمار لتقرير أن واجب الرسول - أي رسول- هو إبلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا 75.
وقال تعالى على لسان الثلاثة الرسل في معرض ضرب المثل لمشركي قريش بأصحاب القرية: (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ(16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17 ) ) [يس: 16 - 17] .