فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 2431

وقال: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] .

والمراد بـ (سبيل الله) المعنى الأعم، كما قال الحافظ ابن حجر، لا خصوص القتال، وإلا لكان الذي ينفق ماله على الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ونحوها دون خصوص القتال داخلًا في دائرة الكانزين والمبشرين بالعذاب 119.

وعلى هذا فيدخل {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} كل نفقة ينفقها المسلم في أوجه الخير المختلفة، بل حتى الزكاة فتدخل في ذلك، قال ابن عثيمين: «الأمر بالإنفاق في سبيل الله؛ والزكاة تدخل في هذا الإنفاق، بل هي أول ما يدخل؛ لأنها أوجب ما يجب من الإنفاق في سبيل الله، وهي أوجب من الإنفاق في الجهاد، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام» 120.

وزعم بعض المعاصرين أن عبارة {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إذا قرنت بالإنفاق كان معناها الجهاد جزمًا، ولا تحتمل غيره مطلقًا 121. ويدل على ذلك أن هذه العبارة (أنفقوا في سبيل الله) تذكر كثيرًا بعد الأمر بالجهاد، فكأن المراد منه الإنفاق في الجهاد. وهو زعم غير مبني على الاستقراء التام لموارد الكلمة في الكتاب العزيز، وآيتا البقرة والتوبة المذكورتان تردان عليه.

ففي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] .

أي: في وجوه الخيرات الشاملة للجهاد وغيره؛ ولأنه قد أطلق في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254] .

ولم يقل: في سبيل الله، كما في سائر الآيات الأخرى.

فالظاهر: هو حمل قوله: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} على ما ينفق على الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل وصلة الرحم، وسائر وجوه الخير والبر، ولكن إذا كان سياق الآيات أو الآية في ذكر القتال وجهاد الكافرين ترجح أن يكون المراد (في سبيل الله) ما دل عليه السياق، فيحمل على إنفاق الأموال في القتال في سبيل الله.

وفي قوله: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فيه إشارة إلى الإخلاص في العمل، ويدخل في هذا القصد والتنفيذ، أن يكون القصد لله، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله؛ لأن (في) للظرفية، والسبيل بمعنى الطريق، وطريق الله: شرعه، والمعنى: أن هذا الإنفاق لا يخرج عن شريعة الله، والإنفاق الذي يكون موافقًا للشرع هو ما ذكره بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .

ومعنى إنفاقهم في شرع الله: أن يكون ذلك إخلاصًا لله واتباعًا لشرعه، فمن نوى بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله، كرجل أنفق في الجهاد، أو أنفق في الصدقة على المساكين، لكنه أنفق ليقال: إن فلانًا جواد، أو إنه كريم، هذا ليس في سبيل الله؛ لأنه مراءٍ، لم يقصد وجه الله عز وجل، ولم يرد السبيل الذي يوصل إلى الله، ولا يهمه أن يقبل الله منه أو لا يقبل، المهم عنده أنه يقال عند الناس: إنه رجل كريم أو جواد.

وأما أن يكون على حسب شريعة الله، فإن أنفق في وجهٍ لا يرضى به الله، فليس في سبيل الله -وإن أخلص لله-، كرجل ينفق على البدع يريد بذلك وجه الله، وهذا كثير، كبناء الربط للصوفية المنحرفة، وبناء البيوت للأعياد الميلادية، وبناء القصور للمآتم، وطبع الكتب المشتملة على بدع، هذا الإنسان قد يريد بذلك وجه الله، لكنه خلاف شريعة الله، فلا يكون في سبيل الله 122.

والمقصود أن {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} له معنيان: معنى عام، يدخل ضمنه الصدقات، وإعطاء المحتاجين، وصلة الأرحام، وتقوية الضعفاء من الفقراء والمساكين، ورعاية حقوق الأهل والأولاد وغير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى، ويدخل ضمنه الحقوق الواجبة كالزكوات والأخماس، والإنفاق على الحج والعمرة وأمثالها، ويدخل ضمنه تشغيل الأموال بفتح مشاريع ليستفيد الناس من هذه المشاريع وغير ذلك.

والمعنى الثاني: معنى خاص، والمقصود به الجهاد في سبيل الله، ويدخل فيه نصرة دين الله، ومحاربة أعدائه، وإعلاء كلمته في الأرض؛ حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.

والسياق هو الذي يميز هذا المعنى الخاص من المعنى العام السابق، وهذا المعنى هو الذي يجيء بعد ذكر القتال والجهاد، مثل: {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} و {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ومن ذلك قوله تعالى بعد آيات القتال في سورة البقرة: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] .

فالإنفاق هنا: إنفاق في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمته على أعدائه المحاربين له الصادين عنه.

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: «الإنفاق في سبيل الله بمعناه المشهور وهو الإنفاق في عتاد الجهاد لم يكن إلا بعد الهجرة، فإن سبيل الله غلب في القرآن إطلاقه على الجهاد» 123.

وقال البغوي رحمه الله تعالى: «قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أراد به الجهاد، وكل خير هو في سبيل الله، ولكن إطلاقه ينصرف إلى الجهاد» 124.

ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الحديد: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] .

فالسياق يدل على أن الإنفاق هنا كالإنفاق في الآية السابقة.

وفي سورة الأنفال قال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] .

فالمقام يدل بوضوح على أن سبيل الله في الآية هو محاربة أعداء الله، ونصرة دين الله، كما صرح بذلك الحديث الصحيح: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) 125.

وهذا المعنى الخاص هو الذي يعبر عنه أحيانًا بالجهاد والغزو، وتفسيره بنصرة الإسلام أولى، وإلا لكان مضمون معنى: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} جاهدوا في الجهاد، ولا ينبغي قصر المراد من {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} على الإنفاق لأجل الجهاد فقط، وذلك لأن المراد منه مطلق سبيل الله، سواء كان في الجهاد العسكري، أو الجهاد الثقافي، أو الجهاد العمراني، أو إعانة المحتاجين، أو بناء المستشفيات والمستوصفات، أو تأسيس صندوق للقروض، أو غير ذلك؛ لأن سبيل الله طريقه، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس إلا عبر الطريق الذي رسمه وحدده، تعين أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد.

وقد عبر القرآن عن هذا المعنى في آية أخرى بلفظ: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ، كما قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] .

فيقصد به طلبًا لمرضاة الله تعالى، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص» 126.

قال ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة: «يعني بذلك جل ثناؤه: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ} فيصدقون بها، ويحملون عليها في سبيل الله، ويقوون بها أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين في سبيل الله، وفي غير ذلك من طاعات الله، وطلب مرضاته» 127.

وجاء التعبير عن هذا المعنى في آية أخرى بلفظ: (وجه الله) كما قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9] .

فقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} بيان لشدة إخلاصهم، ولطهارة نفوسهم، وهو مقول لقول محذوف، أي: يقدمون الطعام لهؤلاء المحتاجين، مع حبهم لهذا الطعام، ومع حاجتهم إليه، ثم يقولون لهم بلسان الحال أو المقال: إنما نطعمكم ابتغاء وجه الله تعالى، وطلبًا لثوابه ورحمته.

فيحتمل أنهم قالوا هذا الكلام بألسنتهم، أو قالوه في نفوسهم، فهو عبارة عن النية والقصد. أو هو بيان من الله تعالى عما في ضمائرهم من الإخلاص؛ لأن الله تعالى علمه منهم، فأثنى عليهم، وإن لم يقولوا شيئًا، أي: قائلين بلسان الحال أو المقال؛ لإزاحة توهم المن المبطل للصدقة، وتوقع المكافآت المنقصة للأجر، أو إنهم يقولون ذلك لهم تأنيسًا لهم، ودفعًا لانكسار النفس الحاصل عند الإطعام، أي: ما نطعمكم إلا استجابة لما أمر الله، فالمطعم لهم هو الله.

وقوله: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} أي: لا نطلب على طعامنا مكافأة ولا ثناءً 128. ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} فهذه هي العلة والغاية وهي خوفهم من هذا اليوم الموصوف بهذه الصفات.

والقصر المستفاد من (إنما) قصر قلب، مبني على تنزيل المطعمين منزلة من يضن أن من أطعمهم يمن عليهم، ويريد منهم الجزاء والشكر، بناء على المتعارف عندهم في الجاهلية، والمراد بالجزاء: ما هو عوض عن العطية من خدمة وإعانة، وبالشكور: ذكرهم بالمزية 129.

ثانيًا: ألا يتبع الإنفاق بالمن والأذى:

ومن آداب الإنفاق في سبيل الله ألا يتبع المنفق نفقته بالمن والأذى، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] .

ونظيره قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] .

فقوله: {ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ} أي: لا يتبع نفقته التي أنفقها منَا أو أذى. وعطف بـ {ثُمَّ} إما لبعد ما بين المنزلتين، أو للمهلة حقيقة، ويكون فيه إشارة إلى أنهم يمنون بنفقة طال أمدها، وداموا عليها، فأحرى أن لا يمنوا بنفس الإنفاق 130، ولأن ذكر المن والأذى وإن كان متأخرًا عن الإنفاق إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهرًا على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله، بل لأجل الترفع على الناس، وطلب الرياء والسمعة، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب.

وفيه إشارة على أن المن والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه، ولم يحصل له مقصود الإنفاق، ولو أتى بالواو، وقال: {ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى} لأوهمت تقييد ذلك بالحال، وإذا كان المن والأذى المتراخي مبطلًا لأثر الإنفاق، مانعًا من الثواب، فالمقارن أولى وأحرى 131.

وقوله: {مَنًّا وَلَا أَذًى} المن: أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه، بحيث يقول: أنا فعلت معه كذا وكذا، إظهارًا لميزته عليه، والأذى: أن يتطاول عليه بذلك، ويقول: لولا أنا لم يكن منك شيء مثلًا. ويقعان بالقول والفعل.

ولكثرة وقوع المن من المتصدقين وعسر تحفظهم منه أفرده بالذكر، وقدم على الأذى، وإلا فالأذى يشمل المن وغيره، وإنما نص عليه لكثرته.

وقد جعل ابن القيم المن نوعين، فقال: «فالمن نوعان: أحدهما: منٌ بقلبه، من غير أن يصرح به بلسانه، وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من نقصان شهود منة الله عليه في إعطائه المال، وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل، ومنع غيره منه، فلله المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منة لغيره.

والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه، فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه اصطنعه، وأنه أوجب عليه حقًا وطوقه منة في عنقه، فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا، ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: يقول: أعطيتك فما شكرت، وقال عبد الرحمن بن زيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا، ورأيت أن سلامك يثقل عليه، فكف سلامك عنه، وكانوا يقولون: إذا اصطنعتم صنيعة فانسوها، وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها ... ، وحظر الله على عباده المن بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه؛ لأنه من العباد تكدير وتعيير، ومن الله سبحانه وتعالى إفضال وتذكير، وأيضًا فإنه هو المنعم في نفس الأمر والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده في الحقيقة، وأيضًا فالامتنان استعباد، وكسر وإذلال لمن يمن عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله ... ، ومن هنا -والله أعلم- بطلت صدقته بالمن، فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده فلم يرض به، ولاحظ العوض من الأخذ، والمعاملة عنه، فمن عليه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله، ومعاملته له» 132.

ويفهم من هذه الآية أن من أتبع إنفاقه المن والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا، في قوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] .

وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] .

والحكمة من أن المن والأذى مبطلان للصدقة لما فيه من جرح شعور المسكين، والشرع حريص على الحفاظ على شعور وإحساس المسكين، بحيث لا يشعر بجرح المسكنة، ولا ذلة الفاقة.

فالشرع يريد الإنفاق الطيب المحمود الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها، الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعورًا، الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه ... ، والمن عنصر كريه لئيم، وشعور خسيس واطٍ، فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب، أو رغبة في إذلال الآخذ، أو رغبة في لفت أنظار الناس، فالتوجه إذن للناس لا لله بالعطاء، وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب، ولا تخطر كذلك في قلب مؤمن، فالمن من ثم يحيل الصدقة أذى للواهب، وللآخذ سواء، أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء، ورغبة في رؤية أخيه ذليلًا له كسيرًا لديه، وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله، وأذى للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام، ومن رد فعل بالحقد والانتقام 133.

وفي قوله: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ} دلالة على أن حصول المن والأذى يخرجان الإنفاق عن أن يكون فيه أجر وثواب أصلًا من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن، ولم ينفق لطلب رضوان الله ولا على وجه القربة والعبادة، فلا جرم أن يبطل الأجر.

وفي الآية تحذير للمتصدق من هاتين الصفتين الذميمتين؛ لأنهما مبطلتان لثواب الصدقة، فإن قيل: ظاهر هذا اللفظ أن مجموع المن والأذى يبطلان الأجر، فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الآخر لا يبطل الأجر، أجيب: بأن الشرط يقتضي أن لا يقع هذا ولا هذا، أي: فتبطل بكل واحد منهما 134.

وقد أفرد المن بالذكر في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم) قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار: قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: (المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) 135.

وقوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا} شبه المنان بنفقته كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء لا من أجل رضا الله، وإن مثل هذا المنافق في انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحبًا للظهور مثل حجر أملس لا ينبت شيئًا، ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج، فنزل المطر الشديد، فأزال ما عليه من تراب، فانكشف حقيقته، وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد، لا يصلح لإنبات أي شيء عليه.

فالتشبيه في الجملة الكريمة بين الذي ينفق ماله رياء وبين الحجر الكبير الأملس الذي عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله، ثم ينزل المطر، فيزيل التراب، وتنكشف حقيقته، ويراه الرائي عاريًا من أي شيء يستره، وكذلك المنافق المرائي في إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس، ثم لا يلبث أن ينكشف أمره؛ لأن ثوب الرياء يكشف دائمًا عما تحته، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه.

ومن المفسرين من يرى أن التشبيه في الجملة الكريمة بين المنفق الذي يبطل صدقته بالمن والأذى، وبين الحجر الأملس، وأن الضمير في قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} يعود إلى هذا المبطل لصدقته بالمن والأذى، فيكون المعنى: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، فيكون مثلكم كمثل الحجر الأملس الذي عليه تراب، كان يرجى أن يكون منبتًا للزرع، فنزل المطر فأزال التراب فبطل إنتاجه، فالمن والأذى يبطلان الصدقات، ويزيلان أثرها النافع، كما يزيل المطر التراب الذي يؤمل منه الإنبات من فوق الحجر الأملس.

والأظهر في عود الضمير في قوله: {فَمَثَلُهُ} على الذي ينفق ماله رئاء الناس؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن التشبيه في قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} قد جاء بلفظ المفرد، وهو المناسب للذي ينفق ماله رئاء الناس؛ لأنه مفرد مثله، بخلاف قوله: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} فإن الضمير فيه بلفظ الجمع، فمن الأولى أن يعود الضمير في قوله: {فَمَثَلُهُ} إلى المرائي لتوافقهما في الإفراد 136.

ثم فاضل سبحانه وتعالى بين الكلمة الطيبة والصدقة المؤذية، فأخبر أن كلمة طيبة وقولًا حسنًا يواجه به الفقير والمسكين خير من صدقة يتبعها أذى، فقال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة: 263] .

فالقول المعروف وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره، والمغفرة وهي العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى، فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة، فهما نوعان من أنواع الإحسان والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها، ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة، ويدخل في المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة، والأذى له بسبب رده فيكون عفوه عنه خيرًا من أن يتصدق عليه ويؤذيه، هذا على المشهور من القولين في الآية.

والقول الثاني: أن المغفرة من الله أي: مغفرة لكم من الله؛ بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى، وفيها قول ثالث- أي: مغفرة وعفو من السائل إذا رد وتعذر المسئول خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى، وأوضح الأقوال هو الأول، ويليه الثاني، والثالث ضعيف جدًا؛ لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسئول لا للسائل الآخذ، والمعنى: أن قول المعروف له، والتجاوز والعفو خير لك من أن تتصدق عليه وتؤذيه 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت