ومما سبق في تفسير هذه الآية أن نبيهم عليه السلام نهاهم عن العبث واللعب في بناء ما لا يحتاجون إليه، أما إذا كان البناء مما لهم به حاجة فلا يمكن أن ينهاهم عنه؛ قال ابن كثير: «أي وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليهه السلام ذلك؛ لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة» 42.
3.أنكر عليهم اتخاذ المصانع.
قال تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:129] .
وفي معنى المصانع يقول الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونًا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل. فالصواب أن يقال فيه، ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع» 43.
ولكن من الملاحظ أن نبيهم عليه السلام ينهاهم عن هذه الأبنية حينما تتعلق بها قلوبهم على أمر مذموم، فبناؤهم لهذه المصانع لكي يخلدوا فيها، وهذا أمر محال ولهذا جاءهم استنكار نبيهم.
قال ابن كثير: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:129] أي: لكي تقيموا فيها أبدًا وذلك ليس بحاصل لكم بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم» 44.
4.أنكر عليهم أيضًا تجبرهم على الناس.
قال تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء:130] .
فالبطش هو: الضرب عند الغضب بسوط أو سيف، والجبارين جمع جبار، والجبار: الشديد في غير الحق، الذي يقتل ويضرب على الغضب، فالمعنى: إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر، أي الإفراط في الأذى وهو ظلم.
قال تعالى: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص:19] .
وشأن العقاب أن يكون له حد مناسب للذنب المعاقب عليه بلا إفراط ولا تفريط، فالإفراط في البطش استخفاف بحقوق الخلق 45.
وسبب إنكارهم يبينه الإمام ابن الجوزي بقوله: «وإنما أنكر عليهم ذلك لأنه صدر عن ظلم إذ لو ضربوا بالسيف أو بالسوط في حق ما ليموا» 46.
ثالثًا: أسلوبه في دعوة قومه:
لابد لهذا النبي الكريم من أسلوب في دعوته قومه ليتم بذلك بلاغه على أكمل وجه، وإن المتأمل في دعوته عليه السلام لقومه يجد أن له أسلوبا واضحا سلكه حينما عرض عليهم دعوته يتمثل فيما يلي:
1.تخويفهم عذاب الله.
ذكر الله تعالى عنه هذا في آيتين:
الأولى: قوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:135] .
فقد بين لهم عليه السلام أن عاقبة تكذيبهم العذاب العظيم.
قال الشوكاني: « {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:135] إن كفرتم وأصررتم على ما أنتم فيه ولم تشكروا هذه النعم والمراد بالعذاب العظيم الدنيوي والأخروي» 47.
وقال البيضاوي: «ثم أوعدهم فقال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} في الدنيا والآخرة، فإنه كما قدر على الإنعام قدر على الانتقام» 48.
والثانية: قوله سبحانه: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف:21] .
قال ابن عاشور: «وجملة {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تعليل للنهي في قوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} ، أي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم بسبب شرككم» 49.
وقال السعدي: «فأمرهم بعبادة الله الجامعة لكل قول سديد وعمل حميد، ونهاهم عن الشرك والتنديد وخوفهم -إن لم يطيعوه- العذاب الشديد، فلم تفد فيهم تلك الدعوة» 50.
2.تذكير نعم الله عليهم.
والتذكير بنعمة الله تعالى طريق من طرق مواعظ الرسل 51.
قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف:69] .
قال ابن كثير: «أي: واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} أي: زاد طولكم على الناس.
{بَسْطَةً} أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم؛ كقوله في قصة طالوت: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة:247] .
{فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: نعمة ومننه عليكم لعلكم تفلحون» 52.
وقال أبو السعود: «فاذكروا آلاء الله التي أنعم بها عليكم من فنون النعماء التي هذه من جملتها وهذا تكرير للتذكير لزيادة التقرير وتعميم إثر تخصيص لعلكم تفلحون كي يؤديكم ذلك إلى الشكر المؤدي إلى النجاة من الكروب والفوز بالمطلوب» 53.
وزاد ذلك إيضاحًا في سورة الشعراء فقال تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:132 - 134] .
قال ابن عاشور: «وقد جاء في ذكر النعمة بالإجمال الذي يهيئ السامعين لتلقي ما يرد بعده فقال: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء:132] .
ثم فصل بقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} [الشعراء:133] وأعيد فعل {أَمَدَّكُمْ} في جملة التفصيل لزيادة الاهتمام بذلك الإمداد فهو للتوكيد اللفظي» 54.
4.استعطافهم بإلانة القول لهم.
قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف:65] .
فهو عليه السلام يناديهم بـ (يا قوم) ؛ ليبين لهم أنهم هم أولى من يحرص على نجاته إذ هم قومه، وأقاربه ثم يستعطفهم بقوله: {أَفَلَا تَتَّقُونَ} : مستخدما أداة العرض؛ وفي هذا من لطف الخطاب، والوعظ بأداة العرض الجاذبة للقلوب، ما لا يخفى 55.
قال ابن عطية: «وقوله: {أَفَلَا تَتَّقُونَ} استعطاف إلى التقى والإيمان» 56.
وقال أبو السعود: «قال مستعطفا لهم ومستميلا لقلوبهم مع ما سمع منهم ما سمع من الكلمة الشنعاء الموجبة لتغليظ القول والمشافهة بالسوء يا قوم ليس بي سفاهة أي شيء منها ولا شائبة من شوائبها» 57.
5.الشدة في الخطاب لهم.
يبين ذلك قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [هود:50] .
فجملة {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} توبيخ وإنكار، أي: ما أنتم إلا كاذبون في ادعاء إلهية غير الله تعالى 58.
قال الطبري: «يقول: ما أنتم في إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل فرية مكذبون» 59.
ويبينه أيضًا قوله تعالى: {وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود:52] .
يقول الطبري: «يقول: ولا تدبروا عما أدعوكم إليه من توحيد الله، والبراءة من الأوثان والأصنام {مُجْرِمِينَ} ، يعني: كافرين بالله» 60.
فحاصل أسلوبه في دعوته لهم هو الجمع بين الترغيب والترهيب والشدة واللين إذ لكل مقام مقال، ولكن لم ينفع معهم ذلك، قال ابن كثير: «فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم» 61.
ويحسن بنا في نهاية هذا المبحث أن نذكر بعضا من هدايات الآيات الكريمة التي ذكرت فيه؛ فمن ذلك:
· كون هود عليه السلام من قبيلة عاد وأخ لهم نسبا ً، فهذا أدعى لأن تعرف صفاته وأخلاقه التي تبعث على تصديق قومه له لهم.
· أهمية الدعوة إلى توحيد الله تعالى، والإيمان بالرسل وبالبعث، وهذا الأصول تنتظم أركان الإيمان الأخرى.
· من الله تعالى على رسوله هود عليه السلام وغيره من الرسل بصفات كانت دليل صدق على دعواهم النبوة من أهمها كونه ناصحًا أمينًا.
· من كان مستغفرًا عما سلف من ذنوبه، عازمًا على عدم العودة لارتكاب المعصية في مستقبل الأيام يسر الله له رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه.
· شدة خوف الأنبياء على أقوامهم يدعوهم إلى بذل الجهد في محاولة استجابة الدعوة.
· إبداء مشاعر الداعية لمدعويه كالمحبة لهم وخوفه عليهم من العذاب، وتذكيره إياهم بنعمة الله تعالى، مدعاة لقبول ما يدعو إليه ممن أراد الله به خيرًا.
· تنوع الخطاب في الدعوة لينا وشدة وترغيبًا وترهيبًا يراعى فيه مقتضى حال المدعو وطبيعته، فمن الناس من يستجيب إذا ألنت له في الخطاب، ومنهم من تكون الشدة والقسوة رادعًا له 62.
[انظر: هود: عناصر رسالة هود عليه السلام وأسلوبه في الدعوة إلى الله]
حال قوم عاد كحال الأقوام التي سبقتها والتي جاءت بعدها من حيث تكذيب أنبيائهم ورسولهم، وجحودهم، وكفرهم بالله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) } [ق:12 - 14] .
وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) } [ص:12 - 14] .
«أخبرنا الله في القرآن عن قصة قوم عاد، وكفرهم بالله، وتكذيبهم نبيهم هودًا عليه السلام وقد ذكرت قصتهم بالتفصيل في سور: الأعراف وهودٍ والشعراء وفصلت والقمر وغيرها» 63.
ونبين موقفهم من نبيهم إن شاء الله على النحو الآتي:
قوم عاد كانت لهم أصنام يعبدونها دون الله تسمى «صداء، وبغاء، وصمود» فبعث الله إليهم نبيه هودًا عليه السلام برسالاته وداعيًا إلى عبادته، فبلغهم الرسالة ونصح لهم ما استطاع، وكان أمينًا في نصحه لهم، لقوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) } [الشعراء:125 - 126] .
فردوا نصيحته وطرحوا قوله، وكرهوا ما جاءهم به، وتمثل ذلك في صور، وهي:
وما كان رد قومه على دعوته إلا أنهم كفروا بالله، لقوله تعالى: {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود:60] .
والمعنى: {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ} «فهذه شهادةٌ مؤكدةٌ عليهم بالكفر، أي: كفروا نعمه عليهم بجحودهم بآياته وتكذيبهم لرسله كبرًا وعنادًا، يقال: كفره وكفر به، وشكره وشكر له، ومعنى مادة الكفر في الأصل التغطية.
و {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} أي: دعاءٌ عليهم بالهلاك والبعد من الرحمة حكايةً لبدئه، وتسجيلًا لدوامه، كرر ألا المنبهة لما بعدها تعظيمًا لأمره، وكرر اسمهم ووصفهم بـ قوم هودٍ ليفيد السامع بالتكرير تقرير استحقاقهم للعنة والإبعاد وسببه، أنهم ليس لهم شبهة عذرٍ لرد الدعوة المعقبة للحرمان مما كانوا فيه من خيرٍ ونعمةٍ، والانتهاء إلى ضده من شقاءٍ ونقمةٍ» 64.
{أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ} «أي بنعمة ربهم، يقال: كفرته وكفرت به مثل شكرته وشكرت له، {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} أي: لا زالوا مبعدين من رحمة الله، والبعد الهلاك والتباعد عن الخير، يقال: بعد يبعد بعدًا إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعدًا إذا هلك، والمبالغة في التنصيص والتكرير بعبارتين مختلفتين تدل على تقوية التأكيد ونهاية التحقيق، وقد تقدم أن العرب تستعمله في الدعاء بالهلاك» 65.
على الرغم من أن هودًا عليه السلام الذي جاء بعد نوح عليه السلام دعا قومه فأعرضوا عنه، كما كانت دعوة نوح، ولقي منهم ما لقي نوح من قومه من تكذيب وتسفيه، ولكنه مضى معهم كما مضى نوح مع قومه ناصحًا، متلطفًا، يلقى السيئة بالحسنة، والشر بالخير، وهم مع هذا لا يزدادون إلا عنادًا وإصرارًا على ما هم فيه من عمى وضلال.
وتجيء الخاتمة التي لا تختلف أبدا نجاة للمؤمنين، وهلاك للمكذبين المعاندين 66.
وهذا أكبر دليل على إصرارهم على الكفر بالله تعالى.
لم يقتصر ردهم بالكفر على دعوة نبيهم، وإنما قابلوها بالجحود والاستنكار، وهذا ما ذكره الله في كتابه العزيز: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } [هود:53] .
والمعنى: «قالوا: يا هود أي قالوا لنبيهم: ما جئتنا بحجة وبرهان على ما تدعيه أنك رسول من عند الله، ولن نترك عبادة آلهتنا بمجرد قولك: اتركوهم، وما نحن لك بمصدقين، وما نظن إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب شتمك لها ونهيك عن عبادتها وعيبك لها.
فكان جوابهم متضمنا أربعة أشياء كلها عناد وحماقة واستكبار، وهي المطالبة بالبينة والإصرار على عبادة الآلهة، مع أنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى، وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر، وعدم التصديق برسالة هود مما يدل على الإصرار والتقليد والجحود، وإفساد عقله، وجعله مجنونًا بواسطة الآلهة» 67.
فرغم كل ذلك من دعوتهم لعبادة الله، والاستغفار والتوبة إليه وإتيانهم بالمعجزات إلا أنهم أنكروا ذلك وقالوا ما جئتنا ببينة، كما ذكر في الآية السابقة، وهذا ما بينه الزحيلى في تفسيره: قال لهم: (استغفروا ربكم) من الشرك، (ثم توبوا إليه) أخلصوا التوبة من المعاصي والكفر بالله، وارجعوا إليه بالطاعة، أي: اطلبوا المغفرة من الله بالإيمان، ثم توسلوا إليها بالتوبة، ثم لا يكون التبري من الآخرين إلا بالإيمان بالله والرغبة فيما عنده، (يرسل السماء) الغيث، وكانوا قد منعوه واشتدت حاجتهم إليه؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع، و (يزدكم قوة إلى قوتكم) أي: يزدكم قوة مع قوتكم بالمال والولد، أو يضاعف قوتكم بالتناسل والأموال، (ولا تتولوا مجرمين) مشركين.
فكان ردهم: (ما جئتنا ببينة) ببرهان على قولك، وبحجة تدل على صحة دعواك، وهذا لفرط عنادهم، وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات، (وما نحن بتاركي آلهتنا) وعبادتها، صادرين عن قولك أو لقولك، (وما نحن لك بمؤمنين) إقناطٌ له من الإجابة والتصديق.
(إن نقول) ما نقول في شأنك، (اعتراك) أي: أصابك بعض آلهتنا بسوء بجنون، لسبك إياها وصدك عنها، فأنت تهذي وتتكلم بالخرافات 68.
وما يدلل على جحودهم بآيات الله وعدم إيمانهم بها، قوله تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) } [هود:59] أي: «تلك الآية فيها إجابة عن سؤال هو: ماذا كان من أهل تلك الديار حتى حل بهم هذا المسخ؟ فكان الجواب: «جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد» ! والجبار العنيد هو كل رأس من رؤوس الكفرة والمشركين الذين يتولون كبر الحرب التي يعلنها أعداء الله على رسل الله.
وفي قوله: {وَعَصَوْا رُسُلَهُ} ما يسأل عنه:
كيف جاء النظم القرآني محدثا عن أنهم عصوا رسل الله مع أنهم لم يعصوا إلا رسولهم هودًا الذي أرسل إليهم؟
والجواب: أن رسل الله على طريق واحد، يقومون على أداء رسالة واحدة هي الدعوة إلى الله سبحانه والإيمان به وبكتبه ورسله، واليوم الآخر.
فهم من جهة بمنزلة رسول واحد، يتجدد مع الزمن في صورة من ظهر منهم من الرسل، وهم من جهة أخرى رسل كثيرون يجيء بعضهم إثر بعض في صورة رسول؛ إذ لا يختلف أحد منهم عن صاحبه في مفهوم الرسول وفى مضمون رسالته ومحتواها، فهم رسل في رسول، وهم رسول في رسل!» 69.
هذا ما صدر عنهم التكذيب بالأنبياء والرسل وبكل ما جاؤوا به، مثلهم مثل الأقوام التي سبقتها لقوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) } [الشعراء:123] .
وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) } [ق:12 - 14] .
والمعنى: {كَذَّبَتْ} وسم الفعل بالتاء إشارة إلى هوانهم في جنب هذا المجد ولما كان هؤلاء الأحزاب المذكورون لقوتهم وكثرتهم كأنهم أهل المجد قاطبة قد استغرقوا زمانها ومكانها، {كُلٌّ} أي من هذه الفرق {كَذَّبَ الرُّسُلَ} أي كلهم قاموا بتكذيب رسولهم، فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار العجز والدعاء إلى الله، {فَحَقَّ} فتسبب عن تكذيبهم لهم أنه ثبت عليهم ووجب {وَعِيدِ} أي: الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه، فعجلنا لهم منه في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكًا عامًا كإهلاك نفس واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية، وأتبعناه ما هو في البرزخ، وأخرنا ما هو في القيامة إلى البعث، بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم، إن لنا الإحاطة البالغة فتسل بإخوانك المرسلين وتأس بهم، ولتحذر قومك ما حل بمن كذبهم إن أصروا 70.
ومن شدة افترائهم قالوا: من أشد منا قوة؟! مما جعلهم يتكبرون في الأرض بغير حق، لقوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) } [فصلت:15] .
والمعنى: «فأما عادٌ فاستكبروا على عباد الله في الأرض التي هي محل الاختبارات الإلهية بغير الحق، أي بلا إطاعة وانقياد وسابقة دين ونبي يرشدهم إلى طريق الحق، وهم من شدة تعنتهم وبطرهم قد قالوا على سبيل الشرف والمباهات: من أشد على وجه الأرض منا قوةً وأكثر عددًا وعددًا، وأتم بسطة واستيلاء؟! وإنما قالوا هذه حين تخويف الرسل إياهم بإلمام العذاب عليهم، وهم قد كانوا أعظم الناس جسامة وأوفرهم قوة وقدرة، لذلك اغتروا بما عندهم من الثروة والرياسة، فكذبوا الرسل وقالوا لهم: نحن ندفع العذاب الذي ادعيتم نزوله أيها الكاذبون المفترون بوفور حولنا وقوتنا. أيغترون على قوتهم وجسامتهم وينكرون كمال قدرة الله وشدة انتقامه، ولم يروا ولم يعلموا أن الله العزيز القدير الذي خلقهم وأظهرهم من كتم العدم، ولم يكونوا شيئًا مذكورا؟! هو سبحانه بعلو شأنه وبكمالات أسمائه وصفاته أشد منهم قوةً، وأتم حولا وقدرة، وأحكم بطشًا وانتقامًا، ولكن قد كانوا بآياتنا يجحدون وينكرون بحسب الظاهر عنادًا ومكابرة واغترارًا بما معهم من الثروة والجسامة بعدما تمادوا على غيهم وأصروا على عتوهم وضلالهم» 71.
ولم يتوقفوا عند هذا الحد وإنما ازدادوا في طغيانهم إلى أن قالوا لنبيهم: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) } [الشعراء:136] .
أي: لما سمعوا منه ما سمعوا من العظة والتذكير والنصيحة على طريق المبالغة قالوا من نهاية استكبارهم واستنكافهم وشدة إنكارهم: سواءٌ علينا يا هود أوعظت بما وعظت أم لم تكن أنت من الواعظين المذكرين، أي: وعظك وعدمه سواءٌ عندنا لا نبالي بشيءٍ منه، ولا نلتفت إلى ما تقوله، إذ نحن ما نسمع منك خرافاتك، ولا نمتثل بها، ولا نترك لأجلها وأجلك أخلاق أسلافنا التي قد كانوا عليها 72.