أولًا: المعنى اللغوي:
عف عن الشيء يعف عِفَّةً وعَفَافًا: كف عمَّا لا يحل ولا يجمل ولا ينبغي من قول أو فعل، والعفيف من لا يقذف بريبة، والتعفف والاستعفاف هو تكلف العفة وطلبها 1، وامرأة عفيفة أي: عفة الفرج 2، وتتعدى بالألف فيقال: أعففته عن كذا، أي: كففته 3.
فالعفة في اللغة تدور حول الكف والامتناع عن القبائح القولية والفعلية.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي لا يبعد عن المعنى اللغوي، فقد عرفها بعض العلماء بأنها: «هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها، فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة» 4.
وعرفها آخرون بأنها: «حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف هو المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر» 5.
وعرفها الكفوي بأنها: «الكف عما لا يحل» 6.
وعرفت العفة أيضًا أنها الصبر والنزاهة عن الشهوات 7.
فالعفة إذًا: حاجز داخلي يمنع الإنسان من تغليب الشهوة، ويبعده عن عمل القبيح عرفًا وشرعًا، ويدفعه إلى الصبر والنزاهة عن الشهوات الدنيوية والحاجات الإنسانية.
وردت مادة (عفف) في القرآن الكريم (4) مرات 8.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 3 ... {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]
المصدر ... 1 ... {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة:273]
وجاءت العفة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة 9، وترك الشيء 10، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] ، أي: فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئًا 11.
وقال تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) } [النور: 60] ، أي: وترك وضعهن لثيابهن -وإن كان جائزًا- خير وأفضل لهن 12.
السؤال:
السؤال لغةً:
ومعناه لغة ما يطلبه الإنسان، وسأله سؤله أي: قضى حاجته 13.
السؤال اصطلاحًا:
استدعاء معرفة أو ما يؤدي إلى معرفة، واستدعاء مال أو ما يؤدي إلى مال 14.
الصلة بين السؤال والعفة:
ورد السؤال في القرآن الكريم بمعنى مضاد للعفة، فالمتعفف يمتنع عن طلب المال وأخذه من الآخرين بخلاف السائل الذي يسأل المعونة بإظهاره حاجته إليها 15.
الفاحشة:
الفاحشة لغةً:
«القبيح من القول والفعل» 16.
الفاحشة اصطلاحًا:
هي ما توجب الحد في الدنيا والعذاب في العقبى، وتطلق على فعل الزنا 17.
الصلة بين الفاحشة والعفة:
العفة ضد الفاحشة، فهي الكف عن القبيح، أما الفاحشة فهي ممارسة القبح.
الإحصان:
الإحصان لغةً:
هو الإحكام بحيث لا يوصل إلى ما في جوفه 18، و «أحصنت المرأة عفت» 19.
الإحصان اصطلاحًا:
هو «العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام» 20، ويطلق على الوطء الصحيح.
الصلة بين الإحصان والعفة:
التقارب بين مصطلحي العفة والإحصان بين؛ ففي كليهما بعدٌ عما يحرم، واكتفاءٌ بما يحل، وقطعٌ للشهوة المؤدية إلى الحرام.
العفة سببٌ للسعادة في الدارين، وارتكاب الفواحش سبب للشقاء في الدارين، ولهذا لم يفترض الله على الأمة إلا ما يصلحها، ولم يمنعها إلا مما يفسدها، فأحل الحلال وحرم الحرام، وكل ذلك من أجل سعادة البشرية.
وقد تحدث القرآن الكريم عن أنواع من العفة نوجزها في النقاط الآتية:
أولًا: العفة عن المحرمات:
قال الماوردي: «العفة نوعان 21:
أحدهما: العفة عن المحارم، وتعني: الكف عن محارم المسلمين، من الدم والمال والعرض، وهي نوعان:
أحدهما: ضبط الفرج عن الحرام، كالزنا واللواط.
قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [النور: 33] .
«أي: أن يبتعد الإنسان عما حرم عليه من الزنا ووسائله وذرائعه؛ لأن الله عز وجل يقول: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } [الإسراء: 32] .
ولذا فقد أمر الله في كتابه الكريم بحفظ الفرج حيث قال: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] .
قال الماوردي: «فيها قولان: أحدهما: أنه يعني بحفظ الفرج عفافه، والعفاف يكون عن الحرام دون المباح» 22.
والثاني: كف اللسان عن الأعراض، كالقذف والنميمة والغيبة والكذب والاستهزاء ونحو ذلك.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) } [النور: 4] .
أي: يقذفون العفائف المسلمات بأن يرموهن بالزنا كيدًا وظلمًا 23.
قال الطبري: «أي: والذين يشتمون العفائف من حرائر المسلمين فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن أنهن رأوهن يفعلن ذلك فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها» 24.
و الداعي إلى ذلك شيئان:
أحدهما: إرسال الطرف، فقد نهى الله عن ذلك، كما في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور: 30] .
يعني: «يحفظوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه 25؛ لأن النظر بالبصر يحمله على الزنا في الفرج؛ ومنه يكون بدء الفجور 26.
والثاني: اتباع الشهوات والانكباب عليها.
قال عز وجل: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) } [مريم: 59] .
قال ابن تيمية: «إن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ويبقى أسيرًا، ما يهواه يصرفه» 27.
ثانيًا: العفة عن المآثم.
وتنقسم إلى نوعين 28:
الأول: الكف عن المجاهرة بالظلم، وهذا يعني أن تظلم جهارًا.
قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] .
في هذه الآية إخبار منه تعالى بحقيقة يجهلها الناس، وهي أن عاقبة المكر السيئ تعود على الماكرين بأسوأ العقاب وأشد العذاب 29.
والثاني: زجر النفس عن الإسرار بخيانة.
وردت الخيانة في القرآن الكريم بعدة معانٍ، منها 30:
-الزنا: كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [فاطر: 52] .
-الاختيان: مراودة الخيانة، أي: تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة.
قال تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 187] .
مما قيل في تفسير هذه الآية أن كل واحد منهم يريد خيانة نفسه، سواء كان ذلك في جماع النساء أو في المأكل والمشرب في الوقت الذي كان ذلك حرامًا عليهم، وسمي خائنا؛ لأن الضرر عائد عليه 31.
ومما سبق نستطيع تقسيم العفة عن المحرمات بحسب جوارح المسلم:
1.عفة الجوارح.
المسلم يعف يده ورجله وعينه وأذنه وفرجه عن الحرام فلا تغلبه شهواته، وقد أمر الله كل مسلم أن يعف نفسه ويحفظ فرجه حتى يتيسر له الزواج، فقال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] .
2.عفة الجسد.
المسلم يستر جسده ويبتعد عن إظهار عوراته، فعلى المسلم أن يستر ما بين سرته إلى ركبتيه، وعلى المسلمة أن تلتزم بالحجاب؛ لأن شيمتها العفة والوقار.
وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) } [الأحزاب: 59] .
3.عفة البصر.
فقد حرم الإسلام النظر إلى المرأة الأجنبية، وأمر الله المسلمين أن يغضوا أبصارهم، فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] .
وقال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] .
4.عفة اللسان.
المسلم يعف لسانه عن السب والشتم، فلا يقول إلا طيبًا، ولا يتكلم إلا بخير، والله تعالى يصف المسلمين بقوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) } [الحج: 24] .
ويقول عز وجل عن نوع الكلام الذي يقبله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .
ويأمرنا الله سبحانه أن نقول الخير دائمًا، فيقول تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] .
5.عفة الفرج.
ومنه الثناء على عفاف الصديقة مريم عليها السلام، قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) } [الأنبياء: 91] .
6.عفة المأكل والمشرب.
المسلم يعف نفسه ويمتنع عن وضع اللقمة الحرام في جوفه، لأن من وضع لقمة حرامًا في فمه لا يتقبل الله منه عبادة أربعين يومًا، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) } [البقرة: 172] .
ثالثا: العفة عن المباحات:
عرض القرآن الكريم إلى صور من العفة عن المباحات، منها:
1.التعفف عن سؤال الناس.
المسلم يعف نفسه عن سؤال الناس إذا احتاج، فلا يتسول، ولا يطلب المال بدون عمل، وقد مدح الله أناسًا من الفقراء لا يسألون الناس لكثرة عفتهم، في قوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] .
ولهذا فقد حرم الشرع السؤال على من يملك ما يغنيه من مالٍ أو قدرةٍ على التكسب، سواءٌ كان ما يسأله زكاةً أو تطوعًا أو كفارةً، ولا يحل له أخذ ذلك إن أعطي بالسؤال أو إظهار الفاقة، فلو أظهر الفاقة وظنه الدافع متصفًا بها لم يملك ما أخذه، لأنه قبضه من غير رضا صاحبه، إذ لم يسمح له إلا على ظن الفاقة. بينما من كان محتاجًا إلى الصدقة وممن يستحقونها لفقرٍ أو عجزٍ عن الكسب يجوز له السؤال بقدر الحاجة، وبشرط أن لا يذل نفسه، وأن لا يؤذي المسؤول، فإن أذل نفسه أو آذى المسؤول بإلحاحٍ أو إحراجٍ لم تجز له المسألة وأخذ الصدقة وإن كان محتاجًا إليها، وحرم أخذها، ووجب ردها، إلا إذا كان مضطرًا بحيث يخشى الهلاك إن لم يأخذ الصدقة.
لكن من خاف هلاكًا وكان عاجزًا عن التكسب وجب عليه السؤال، فإن ترك السؤال في هذه الحالة أثم لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، والسؤال في هذه الحالة في مقام التكسب؛ لأنها الوسيلة المتعينة لإبقاء النفس، ولا ذل فيها للضرورة، والضرورة تبيح المحظورات كأكل الميتة.
2.التعفف عن مال اليتيم.
إذا كان يرعى اليتيم ويقوم على شؤونه فإن كان غنيا فلا يأخذ منه شيئًا، بل ينميه ويحسن إليه طلبًا لمرضاة الله عز وجل، قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: 6] .
3.عفة القواعد من النساء.
بأن تحافظ على حجابها فذلك خيرٌ لها.
قال تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) } [النور: 60] .
جاء في الآية الندب إلى الاستعفاف بالنسبة للقواعد من النساء وهن اللاتي قعدن عن المحيض وعن الولد بسبب كبر السن والعجز؛ ولأنهن صرن بذلك غير مرغوبات للزواج، أذن لهن بوضع ما تؤمر به المرأة عادة من اللباس الساتر لعورتها، من دون مبالغة في التبرج وإظهار الزينة، وجاء التعقيب بعد هذا الجواز بالترغيب في الاستعفاف، أي: طلب العفة بالتخلي عن هذه الرخصة، وذلك لما في الاستعفاف من خير.
وهذه الآية الكريمة تندرج في سياق آيات أخر حددت شروط اللباس الشرعي للمرأة والقوانين التي تحكم زينتها الظاهرة والباطنة، وبعد بيان طبيعة هذه الزينة وما ينبغي أن يظهر منها ولمن يمكن إظهارها له جاءت هذه الآية بالترخيص للمرأة في وضع خاص وهو كبر السن بالتخفيف عليها في التحفظ في اللباس، مع التنبيه على أن الاستعفاف خير لها، حيث يفهم من هذا التعقيب في ختام الآية أن الاستعفاف هنا نظير الستر الكامل الذي يحسن بالمرأة التجمل به في كل مراحل عمرها 32.
يتميز القرآن بجماله البياني الذي لا يمكن قياسه على غيره، فالقرآن له لغته الخاصة، البينة بنفسها، المكتملة بدون نقصان، والوافية التي لا تحتاج إلى إتمام.
وقد حث القرآن الكريم على العفة بأساليب متنوعة، منها:
أولًا: أسلوب الطلب:
قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] .
{وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي: ليجتهد في العفة وصون النفس، وهو استفعل بمعنى طلب العفة من نفسه وحملها عليها.
فالمأمور بالاستعفاف هو من عُدِمَ المال الذي يتزوج به ويقوم بمصالح الزوجية.
والظاهر أنه أمر ندبٍ لقوله قبل: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32] 33، ولهذا جاء التعبير عنه بقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ} ، ولو كان للإلزام والوجوب لكان النظم هكذا: (وليعف) ؛ لأن في الاستعفاف تردد ومعاودة للفعل بعد الترك، والترك بعد الفعل، وهكذا 34.
قال الطاهر بن عاشور: «أمر كل من تعلق به الأمر بالإنكاح بأن يلازموا العفاف في مدة انتظارهم تيسير النكاح لهم بأنفسهم أو بإذن أوليائهم ومواليهم، والسين والتاء للمبالغة في الفعل، أي: وليعف الذين لا يجدون نكاحًا.
ووجه دلالته على المبالغة أنه في الأصل استعارة. وجعل طلب الفعل بمنزلة طلب السعي فيه؛ ليدل على بذل الوسع» 35.
والسين والتاء إذا دخلتا الفعل فهما للطلب، أي: ليطلب العفة، فهؤلاء الفقراء إن أصروا على عدم الزواج للفقر فليكونوا عفيفين عن النظر والسمع والزنا والفرج فيما لا يحل لهم، عسى الله أن يغنيهم ويكفيهم، فإن الله قد تعهد بذلك من قبل.
وهذه الآية في حق الأحرار 36، حيث أمر الله الذين لا يجدون ما يتزوجون به أن يجتهدوا في العفة عن إتيان ما حرم الله عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم الله من سعته، ويرزقهم ما به يتزوجون.
وفي ذلك عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى تأميلًا لهم وتطمينًا لقلوبهم 37.
وأمر الله بالعفة يقتضي تحميل الفرد المسؤولية عن نفسه في عفته وصيانته لعرضه، فلا يتذرع بطرقه أبواب الحرمات بأنه لم يعط ما يعينه على النكاح، ولذا فإن «للصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى 38.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [البقرة: 183] .
قال الرازي: «اعلم أنه سبحانه لما ذكر تزويج الحرائر والإماء، ذكر حال من يعجز عن ذلك فقال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي: وليجتهد في العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه» 39.
والاستعفاف: هو طلب العفاف والاجتهاد في العفة وصون النفس، كأنه قال: يطلب الأسباب التي تمنعه عن الزنا وتجعله عفيفًا حتى يغنيه الله من فضله، وأسباب العفة تكون في أشياء:
أحدها: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) 40.
فيطلب أسباب العفة إن لم يكن عنده ما ينكح حتى لا يقع في الزنا إلى أن يغنيه الله.
وجائز أن يكون قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي: ليتعفف الذين لا يجدون نكاحًا ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله ويوسع عليهم من رزقه 41.
ولذا لم يجعل الله عز وجل للذي عجز عن النكاح استباحة الفروج والاستمتاع بها زنا إذا لم يكن عنده ما ينكح، كما جعل في الأموال وغيرها رخصة التناول في ملك غيره عند الحاجة والضرورة ببدل؛ لوجوه:
الأول: أن رخصة التناول في ملك غيره إنما تكون عند الضرورة، والضرورات لا تقع في الفروج، وفي الاستمتاع بها بحال؛ لذلك لم تبح.
والثاني: الاستمتاع بالنساء في الأصل كأنه إنما جعل وأبيح لبقاء النسل والتوالد، لا لحاجة أنفسهم وقضاء الشهوة، فإذا لم يكن عنده ما ينكح ارتفع عنه إبقاء النسل والتوالد.
والثالث: أن السعة والغناء وأنواع النعم هي الداعية إلى الحاجة وقضاء الشهوة، فإذا كان فقيرًا لا يجد ما ينكح زالت عنه الأسباب التي تدعو إلى ذلك؛ لذلك لم يبح، وأما الحاجات والضرورات وما ذكرنا كلها تقع في الأموال، وإنما الحاجة في التناول منها لأنفسهم ولإبقائها؛ لذلك افترقا 42.
والخلاصة أن الله جل جلاله أخبر في هذه الآية الكريمة بأنه لا رخصة لمن لم يجد النكاح في الزنا، وأمر بالتعفف للذي لا امرأة له حينما قال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ} وليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة 43، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه 44 حتى يغنيه الله من رزقه 45.
قال القشيري: «يغنيهم الله في الحال أولًا بالنفس، ثم غنى القلب، وغنى القلب غنى عن الشيء، فالغنى عن الدنيا أتم من الغنى بالدنيا» 46.
ولذا فإن المعاني التي نستخلصها من الآية تؤكد دلالة لفظ الاستعفاف على تجنب الفاحشة بالنسبة لمن لم يجد طولا للنكاح.
ثانيًا: الثناء على المتعففين:
امتدح الله في كتابه الكريم طائفة من المؤمنين هي أولى الناس بالعون والمساعدة، ووصف هذه الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة في إكرام أفرادها وسد حاجتهم.
قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] .
لقد وصفهم الله تعالى بالفقراء، أي: الذين هم في حاجة إلى العون والمساعدة؛ لفقرهم واحتياجهم إلى ضرورات الحياة.
ثم ذكر أن من صفاتهم الإحصار، وهو في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض أو شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ما يجري مجرى هذه الأشياء.
أما صفتهم الثالثة فقال فيها: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} ، والضرب في الأرض هو السير فيها للتكسب والتجارة وغيرهما، أي: أنهم عاجزون عن السير في الأرض لتحصيل رزقهم بسبب اشتغالهم بالجهاد، أو بسبب ضعفهم وقلة ذات يدهم.