أولًا: المعنى اللغوي:
فأما لفظ الآية:
فتطلق في اللغة العربية على إطلاقين:
الأول: إن الآية هي: العلامة، وهذا هو المشهور في كلام العرب 1.
قال الراغب: «الآية هي: العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء ظاهر، وهو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج، ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئًا مصنوعًا علم أنه لا بد له من صانع» 2.
الثاني: إن الآية تأتي بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم 3.
وأما لفظ الكون:
فالكون لغة: الوجود المطلق العام، واسم لما يحدث دفعة، كحدوث النور عقب الظلام مباشرة، وقيل: الكون حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عُرِفت الآية بعدة تعريفات، أهمها:
عرفها ابن عطية بقوله: «الآية: العلامة المنصوبة للنظر والعبرة» 5.
وعرفها البيضاوي بقوله: «الآية في الأصل: العلامة الظاهرة، ويقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته» 6.
وعرفها ابن عاشور بقوله: «الآية: أصلها العلامة الدالة على شيء، من قول أو فعل، وآيات الله الدلائل التي جعلها دالة على وجوده، أو على صفاته، أو على صدق رسله، ومنه آيات القرآن التي جعلها الله دلالة على مراده للناس» 7.
وقال الشنقيطي: «الآية تطلق في القرآن العظيم على إطلاقين:
الأول منهما: إطلاق الآية على الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) } [البقرة:252] .
وأما الثاني: فهو إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) } [آل عمران:190] .
أي: علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا» 8.
وأما الكون اصطلاحًا فهو: مجموع الموجودات الكائنة من مختلف صور المادة والطاقة والزمان والمكان وما تتشكل عليه من كافة الجمادات والأحياء 9.
ثالثًا: معنى الآيات الكونية:
الآيات الكونية هي: الآيات المنسوبة إلى الكون الذي هو الخلق الذي كونه الله تعالى فكان، وذلك: السماوات والأرض والجبال والسهول والأنهار والشمس والقمر والنبات والحيوان والجماد، وخلق الإنسان، وآيات الله عز وجل في الآفاق، وما فيهما وما بينهما من سائر المخلوقات 10.
العلامة:
العلامة لغةً:
العلامة لغةً: بتخفيف اللام المفتوحة الأمارة وعلامة الشيء ما يعرف به 11.
العلامة اصطلاحًا:
ما يستدل به من آثار، سواء كان على طريق، أو أي شيء 12.
الصلة بين الآية والعلامة:
أن الآية هي العلامة الثابتة من قولك: تأييت بالمكان إذا تحبست به وتثبت، والآية تشمل العلامة والدليل القاطع 13.
الأمارة:
الأمارة لغةً:
هي: العلامة 14.
الأمارة اصطلاحًا:
التي يلزم من العلم بها الظن بوجود المدلول، كالغيم بالنسبة إلى المطر، فإنه يلزم من العلم به الظن بوجود المطر 15، وقد يطلق على الدليل القطعي أيضًا 16.
الصلة بين الآية والأمارة:
إن الأمارة هي العلامة الظاهرة، ويدل على ذلك أصل الكلمة، وهو الظهور، ومنه قيل: أمر الشيء إذا كثر ومع الكثرة ظهور الشأن، ومن ثم قيل: الأمارة لظهور الشأن 17.
إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى قد أقسم بكثير من الآيات الكونية في مثل قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) } [الواقعة:75 - 76] .
وقوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) } [الذاريات:20 - 23] .
وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) } [الطارق:1 - 6] .
وقوله تعالى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) } [الفجر:1 - 5] .
وقوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) } [البلد:1 - 5] .
وقوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) } [الشمس:1 - 9] .
وقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) } [الليل:1 - 4] .
وقوله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) } [الضحى:1 - 3] .
وقوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) } [التين:1 - 4] .
وأسلوب القسم في القرآن الكريم طريق من طرق توكيد الكلام وإبراز معانيه ومقاصده على النحو الذي يريده المتكلم، إذ يؤتى به لدفع إنكار المنكرين أو إزالة شك الشاكين 18.
ويمكن بيان الحكمة في القسم بالآيات الكونية فيما يأتي:
1.إن القسم بالآيات الكونية في القرآن الكريم له حكم عظيمة، ومقاصد كثيرة، وفي طياته مواطن للعظة والعبرة، ومجالات رحبة للتأمل والنظر، ولطائف خفية يكتشفها المؤمن بنور بصيرته، فيزداد بها يقينًا يسمو به إلى مراتب العارفين بربهم جل جلاله وعز شأنه.
2.إن القسم في القرآن الكريم لا يكون إلا باسم معظم في ذاته أو لمنفعة فيه، أو للتنبيه على كوامن العبرة فيه، فقد أقسم الله تعالى بالنجم والشمس والقمر، والليل والنهار، والسماء والأرض، والخيل، والتين والزيتون، وطور سنين، والبلد الأمين، وغير ذلك من مخلوقاته، لكونها إما معظمة عند الله تعالى أو لما فيها من دلائل القدرة، وآيات العظمة، أو مواطن العبرة 19.
3.إن إقسام الله تعالى بهذه الأمور ينبئ عن شرفها، وأن فيها فوائد دينية ودنيوية، مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد، أو توجب الحث على الشكر.
قال القرطبي: قد يقسم الله تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله لقدرته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) } [الليل:3] ، ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه، كما قال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) } [الشمس:1] . وقال تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) } [الشمس:5] . وقال تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) } [الطارق:1] 20.
قال ابن القيم: «وقد تضمن هذا القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم بالسماء وبانيها والأرض وطاحيها والنفس ومسويها، وقد قيل إن مصدرية فيكون الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم بالمصنوع الدال عليه وبصنعته الدالة على كمال علمه وقدرته وحكمته وتوحيده، ولما كانت حركة الشمس والقمر والليل والنهار أمرًا يشهد الناس حدوثه شيئًا فشيئًا ويعلمون أن الحادث لا بد له من محدث كان العلم بذلك منزلًا منزلة ذكر المحدث له لفظًا فلم يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة» 21.
4.إن القسم بالآيات الكونية في القرآن الكريم توكيد، أو تعظيم، أو تنبيه على ما فيها من عظات وعبر، ونفع وضرر 22.
فمن التوكيد، نحو قوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) } [الصافات:1 - 6] .
ومن التعظيم: قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) } [الواقعة:75 - 76] .
ومن التنبيه: قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } [النجم:1 - 3] .
وقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) } [الحاقة:38 - 41] .
وقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) } [التكوير:15 - 20] 23.
5.أقسم الله عز وجل بهذه المخلوقات لما فيها من عجائب الصنعة الدالة عليه، وأراد أن ينبه عباده دائمًا بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة، حتى يتأمل المكلف فيها، ويشكر عليها؛ لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل له وقع في القلب، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى 24.
قال الإمام ابن القيم: «ومن ذلك قسمه سبحانه وتعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) } [الليل:1 - 3] .
وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنه سعي الإنسان في الدنيا وجزاؤه في العقبى، فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع أحواله؛ إذ هو من آياته الدالة عليه فأقسم به وقت غشيانه وأتى بصيغة المضارع؛ لأنه يغشى شيئًا بعد شيء، وأما النهار فإنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة، ولهذا قال في سورة الشمس وضحاها {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) } [الشمس:3 - 4] .
وأقسم به وقت سريانه، وأقسم به وقت إدباره وأقسم به إذا عسعس، فقيل: معناه أدبر، فيكون مطابقًا لقوله: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) } [المدثر:33 - 34] .
وقيل: معناه أقبل، فيكون كقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) } فيكون قد أقسم بإقبال الليل والنهار، وعلى الأول يكون القسم واقعًا على انصرام الليل ومجيء النهار عقيبه، وكلاهما من آيات ربوبيته.
ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى، وذلك يتضمن الأقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه ذكره وأنثاه.
وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنهار، وكل ذلك من آيات ربوبيته فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية؛ كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية، فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها، كما أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة الشمس فيها.
وأقسم سبحانه بزمان السعي، وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي، كما اختلف الليل والنهار، والذكر والأنثى، وسعيه وزمانه مختلف، وذلك دليلٌ على اختلاف جزائه وثوابه، وأنه سبحانه لا يسوِي بين من اختلف سعيه في الجزاء، كما لم يسوِ بين الليل والنهار، والذكر والأنثى» 25.
6.إن القسم من المؤكدات المشهورة التي تمكن الشيء في النفس وتقويه، وقد نزل القرآن الكريم للناس كافة، ووقف الناس منه مواقف متباينة، فمنهم الشاك، ومنهم المنكر، ومنهم الخصم الألد. فالقسم في كلام الله يزيل الشكوك، ويحبط الشبهات، ويقيم الحجة، ويؤكد الأخبار، ويقرر الحكم في أكمل صورة، وإنما أقسم الله بمخلوقاته؛ لأنها تدل على بارئها، وهو الله تعالى، وللإشارة إلى فضيلتها ومنفعتها؛ ليعتبر الناس بها 26.
7.إن الله سبحانه أقسم بكثير من مخلوقاته العظيمة، دلالة على عظم مبدعها، لما فيه من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته، ألا يترك عباده سدى عظات بالغة، وآيات ناطقة بوحدانية الله تعالى وعظيم قدرته على تصريفها، وإرسالها نعمة على قوم، ونقمة على آخرين، وجعل فيها الحياة للإنسان والحيوان والنبات، وصنفها وفق حكمته أصنافًا شتى، وجعل لكل صنف منها وظيفة كونية خاصة، فمنها ما يذرو النبات ويحركه؛ لينمو ويزدهر، ومنها ما يحمل السحب المثقلة بالماء، ومنها ما يجري بهذه السحب في يسر وخفة إلى حيث شاء الله جل جلاله، ومنها ما ينزل المطر من هذه السحب بقدر معلوم إلى أماكن محدودة. ومنها ... ومنها 27.
8.إن هذه الأقسام التي أقسم الله بها ما هي إلا دعوة للتأمل والنظر في كل آية من آيات الكون الدالة على خالقها سبحانه وحكمته وقدرته 28، فمن ذلك أن الله تعالى «أقسم بالشمس: إما على التنبيه منها على الاعتبار المؤدي إلى معرفة الله تعالى، وإما على تقدير ورب الشمس، والضحى: ارتفاع ضوء الشمس وإشراقه، قاله مجاهد» 29.
أولًا: الوحدانية:
استدل القرآن الكريم على وحدانية الله تعالى بالآيات الكونية.
قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [البقرة:163 - 164] .
فهذه الآيات تدل على أنه واحد عز وجل، فأما آية السماء فمن أعظم الآيات؛ لأنها سقف بغير عمد، والآية في الأرض عظيمة فيما يرى من سهلها وجبلها وبحارها، وما فيها من معادن الذهب والفضة والرصاص والحديد اللاتي لا يمكن أحد أن ينشئ مثلها، وكذلك في تصريف الرياح، وتصريفها أنها تأتي من كل أفق فتكون شمالًا مرة وجنوبًا مرة، ودبورًا مرة وصبًا مرة، وتأتي لواقح للسحاب.
فهذه الأشياء وجميع ما بث الله في الأرض دالة على أنه واحد، كما قال عز وجل: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا إله غيره؛ لأنه لا يأتي بمثل هذه الآيات إلا واحد 30.
قال ابن كثير: « {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [يس:40] .
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) } [الأنبياء:33] .
وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان، كما قال تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) } [الحديد:6] أي: يزيد من هذا في هذا ومن هذا في هذا» 31.
وكذلك قوله جل شأنه: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) } [الجاثية:3 - 6] .
والمعنى: وفي خلق الله إياكم أيها الناس، وخلقه ما تفرق في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يعني: حُجَجًا وأدلةً لقوم يوقنون بحقائق الأشياء، فيقرون بها، ويعلمون صحتها 32.
وفي السماوات والأرض آيات ودلائل كثيرة، منها:
-يدل خلقها على خالق لها؛ لأنه لا يكون بناء بغير بانٍ.
-أنها أعظم الخلق.
-أنها محكمة على اتساق ونظام، وهذا يدل على أن صانعها واحد.
-أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها بغير عمد.
والآيات والبراهين في خلق الإنسان كثيرة، منها:
-خلق الإنسان على ما هو به من وضع كل شيء في موضعه لما يصلح له، وذلك يقتضي أن الصانع عالم بموضع المصالحة.
-جعل الحواس الخمس على الهيئة التي تصلح لها، كل هذا في تدبير محكم 33.
وقوله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) } [النور:44 - 46] .
قال الرازي: «اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية، وذلك؛ لأنه لما استدل أولًا بأحوال السماء والأرض، وثانيًا بالآثار العلوية، استدل ثالثًا بأحوال الحيوانات» 34.
وقوله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) } [الروم:25 - 27] .
فجملة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم:25] ، من أفانين الاستدلال على الوحدانية والبعث، ومن طرائق الموعظة لتطرية نشاط السامعين لهذه الدلائل الموضحة المبينة 35.
وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) } [لقمان:25] .
ففي الآية إلزام للكافرين على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر، وأن لا يعبد معه غيره.
ثم قال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أن ذلك يلزمهم، وإذا نُبِهُوا عليه لم ينتبهوا أن الله هو الغني عن حمد الحامدين، المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه 36.