أولًا: المعنى اللغوي:
العنصرية مأخوذة من العنصر، بفتح الصاد وهو الأفصح، وبضمها وهو الأشهر، وقد وردت كلمة العنصر بمعانٍ مختلفة، لكن الذي يعنينا منها ما يتفق والمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة.
وعلى ذلك: فالعنصر: الأصل، وما في معناه من الجنس، والنسب، والحسب. يقال: هو لئيم العنصر، أي الأصل. قال الأزهري: العنصر: أصل الحسب. والعنصر أيضًا بمعنى الجنس، يقال فلان من العنصر الآري أو السامي 1.
ثانيًا: العنصرية في الاصطلاح:
عرف بعض الباحثين العنصرية بأنها: «عقيدة تستند إلى أسطورة مناقضة للدين الحق، والعلم الصحيح، حول تفوق أو نقص هذه الأجناس أو تلك، محاولة بذلك تبرير السياسة العدوانية ضد الكائن البشري، التي تقوم على الاغتصاب والإرهاب والاستعباد» 2.
وعرفها باحث آخر بأنها: التمييز بين الأجناس في القوانين والمعاملات، على أساس الدم والخصائص البيولوجية المتعلقة بتكوين الجسم. وما يتبع ذلك من الحياة الفكرية ومظاهر السلوك والاجتماع 3.
نخلص من ذلك إلى أن العنصرية: اعتقاد التميز عن سائر الناس بسبب الجنس، أو اللون، أو الوطن، أو القبيلة، أو غير ذلك.
وبذلك نجد ترابطًا بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للعنصرية.
الحمية:
الحمية لغة:
من مادة حمي، ومعناها: الأنفة، والغيرة، والغضب الشديد 4.
الحمية اصطلاحًا:
لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
قال الكفوي: «الحمية، مشددة كالدنية: الأنفة والغضب» 5.
الصلة بين العنصرية والحمية:
الحمية صورة من صور العنصرية؛ لارتباطها بالجنس والجماعة حتى لو كانت على الباطل، كما فعل كفار قريش عندما تعصبوا لجاهليتهم ولما كان عليه آباؤهم.
إلا أن الحمية قد تكون أعم من العنصرية، فالعنصرية لا تكون إلا مذمومة، أما الحمية فقد تكون ممدوحة إذا كانت في الأمور الإيجابية.
العصبية:
العصبية لغة:
أصل مادة (عصب) تدل على ربط شيء بشيء 6.
والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين، وقد تعصبوا عليهم إذا تجمعوا، فإذا تجمعوا على فريق آخر قيل: تعصبوا 7.
العصبية اصطلاحًا:
قال الأزهري: «العصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين» 8.
وعرفها بعضهم بأنها: «رابطة اجتماعية نفسية، شعورية ولا شعورية معًا، تربط أفراد جماعة ما، قائمة على القرابة، ربطًا مستمرًا، يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد» 9.
وبذلك لا يخرج المعنى الاصطلاحي للعصبية عن معناها اللغوي.
الصلة بين العنصرية والعصبية:
العصبية صورة من صور العنصرية.
القبلية:
القبلية لغة:
هي نسبة إلى القبيلة، وينسب إليها أيضًا فيقال: قبيلية، و «القبيلة من الناس: بنو أب واحد. ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل: معنى الجماعة؛ يقال لكل جماعة من أب واحد: قبيلة» 10.
القبلية اصطلاحًا:
يمكن تعريف القبلية بأنها المحاماة والمدافعة والنصرة لمن يشترك معهم برابط النسب، سواء كان بحق أو بباطل، كانوا ظالمين أو مظلومين.
الصلة بين العنصرية والقبلية:
يلاحظ أن القبلية صورة من صور العنصرية.
الحزبية:
الحزبية لغة:
أصل مادة (حزب) تدل على تجمع الشيء 11.
يقال: حزب الرجل أصحابه وجنده الذين على رأيه، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم حزب، وإن لم يلق بعضهم بعضًا 12.
الحزبية اصطلاحًا:
بالنظر في المعنى اللغوي للحزبية يمكن تعريفها بأنها: تعصب الشخص لشيعته وطائفته وفرقته، فيوافقهم في الأعمال، أو الأهواء، أو الأفكار.
الصلة بين العنصرية والحزبية:
يتضح من المعنى الاصطلاحي للحزبية أنها صورة من صور العنصرية.
الطائفية:
الطائفية لغة:
مصدر، نسبة إلى الطائفة، والطائفة من الشيء: قطعة منه، والطائفة مجموعة من الناس، وفي التنزيل العزيز: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] 13.
الطائفية اصطلاحًا:
هي تمسك جماعة أو طائفة تربط بينها رابطة ما كالنسب أو الدين أو المذهب الاعتقادي بمصالحها ومنظومة قيمها المشتركة، وبتعصبها في الحق والباطل.
الفرق بين العنصرية والطائفية:
يتبين مما سبق أن الطائفية صورة من صور العنصرية.
الوحدة:
الوحدة لغة:
قال ابن فارس: «الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد، ومن ذلك الوحدة. وهو: واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله» 14.
وقال الراغب: «الوحدة: الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود، حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد» 15.
الوحدة اصطلاحًا:
يمكن تعريف الوحدة بأنها: اتحاد الدول أو البلاد، والأفراد والجماعات في سائر أمور حياتهم ومعاشهم وسيرتهم وغايتهم، وبموجب هذه الوحدة يصبح الجميع شيئًا واحدًا أو أمة واحدة.
الصلة بين العنصرية والوحدة:
الوحدة من الألفاظ المقابلة للعنصرية، فهما ضدان متقابلان.
العنصرية تقف وراءها أسباب كثيرة ومتعددة تدفع إليها، وهذا بيان لأهم أسباب العنصرية:
أولًا: الكبر والاستعلاء:
الكبر والاستعلاء أصل كل الأخلاق المذمومة، وأهم سبب للعنصرية هو الكبر عن قبول الحق، والاستعلاء على خلق الله، فهناك تلازم بين العنصرية والتكبر والترفع والازدراء.
وإن أول من مارس هذا الخلق البغيض -الكبر- هو إبليس -لعنه الله- حينما أمره الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام، فامتنع بحجة أنه خير منه، وبين رب العالمين السبب المانع لإبليس من السجود فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .
واذكر -أيها الرسول- للناس تكريم الله لآدم حين قال سبحانه للملائكة: اسجدوا لآدم إكرامًا له وإظهارًا لفضله، فأطاعوا جميعًا إلا إبليس امتنع عن السجود، وأظهر كبره وترفع عن الحق زعمًا منه أنه خير من الخليفة عنصرًا، وأزكى جوهرًا كما قَصَّ ذلك عنه: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .
فهو الأحق بالرياسة 16.
والملاحظ أن الله ذكر تكبر إبليس بقوله: {وَاسْتَكْبَرَ} «والاستكبار التزايد في الكبر؛ لأن السين والتاء فيه للمبالغة، ومن لطائف اللغة العربية أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجئ منها إلا بصيغة الاستفعال أو التفعل إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلبا الكبر، أو متكلفا له، وما هو بكبير حقًا» 17.
ولذلك لما طلب إبليس بعدم سجوده أن يكون كبيرًا -وهو ليس كذلك- عاقبه الله بضد فعله فطرده من رحمته، وجعله ذليلًا حقيرًا، فقال سبحانه: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] .
قال الزمخشري: «وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار، فمن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه» 18.
فإبليس بصنيعه تكبر على أمر الله، واستعلى على آدم عليه السلام واحتقره وازدراه.
فالكبر والاستعلاء صفات شيطانية أسسها وبرع فيها وتبناها إبليس منذ خلق آدم، بل هو كبيرهم، وعلى درب إبليس سار الكفار في كل زمان ومكان، فمنعتهم عنصريتهم وكبرهم عن قبول الحق، والاستعلاء على غيرهم من البشر -وخاصة الأنبياء- فقال سبحانه عن فرعون وقومه لما جاءهم موسى عليه السلام بالآيات البينات: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .
وقال سبحانه عن كفار قريش: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2] .
أي: تَكَبُّرٍ وامتناع عن قبول الحق والإذعان له.
«والمراد بالعزة هنا: الحمية والاستكبار عن اتباع الحق، وأصل الشقاق: المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما في شق غير الذي فيه الآخر. والمراد به هنا: مخالفة المشركين لما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: إنك -أيها الرسول الكريم- لصادق فيما تبلغه عن ربك، ولست كما يقول أعداؤك في شأنك، بل الحق أن هؤلاء الكافرين في حمية واستكبار عن قبول الهداية التي جئتهم بها من عند ربك، وفي مخالفة ومعارضة لكل ما لا يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة للأصنام، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة» 19.
والتعبير بـ «في» في قوله: {فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} «للإشعار بأن ما هم عليه من عناد ومن مخالفته للحق، قد أحاط بهم من كل جوانبهم، كما يحيط الظرف بالمظروف» 20.
وقد أخبر ربنا سبحانه أن فريقًا من الناس إذا وعظ وذكر بترك الأفعال والأقوال السيئة استكبر وامتنع عن قبول الحق والوعظ فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206] .
«أي: إذا وعظ هذا الفاجر وذكر وقيل له: انزع عن قولك وفعلك القبيح، حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد وأمعن في العناد» 21.
ويؤخذ من هدايات الآيات السابقة التحذير من الكبر والحسد حيث كانا سبب إبلاس الشيطان، وامتناع اليهود والكفار من قبول الإسلام.
فالتكبر عن قبول الحق، واحتقار البشر هما شعار العنصرية، وبذلك فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر فقال: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) 22.
و «البطر أن يتكبر عند الحق فلا يقبله. وقوله: (وغمط الناس) معناه: استحقارهم واستهانتهم» 23.
فالمستكبر هو الذي جمع بين وصفين: غمط الناس، وبطر الحق، وبطر الحق: يعني رده، وغمط الناس: يعني احتقارهم، فهو في نفسه عالٍ على الحق، وعالٍ على الخلق، لا يلين للحق ولا يرحم الخلق.
ثانيًا: الاغترار بالمال والأنصار:
يغتر العنصريون بما لديهم من ثروات وأموال وأولاد وذرية، ويظنون أنهم أرفع من غيرهم في الدنيا، وأحسن حالا وعاقبة في الآخرة، ولم يدروا أن المال والولد عرض زائل وظل مائل، وأن الخير في اتباع سبيل الهدى والعمل الطيب، وقد انخدع الكفار في بداية عهد الإسلام، وسيطر عليهم غرور المال وكثرة الولد والاعتزاز بالقبيلة، فأبان الله سبب عنادهم وغرورهم الزائف في أموالهم وأولادهم، فقال سبحانه: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] .
فالآية تبين افتخار المترفين بأموالهم وأولادهم، واستكبارهم بما آتاهم الله من فضله، وجعلهم ذلك دليلًا على أن الله لا يعذبهم.
فـ «هذا هو رد المترفين على كل دعوة إلى الإيمان بالله، وتلك هي حجتهم عند أنفسهم وعند الناس، إنهم بما يملكون من كثرة في الأموال، وما عندهم من كثرة في الأولاد والرجال، لن يكونوا تابعين لغيرهم،
ولن يجعلوا لأحد كلمة عندهم، حتى ولو كان رسولا من رسل الله، يدعوهم إلى الله، ويكشف لهم معالم الطريق إلى الحق والهدى!! إنهم أكثر أموالا وأولادا من هذا الرسول، فكيف يقوم فيهم مقام الناصح ذي الرأي والسلطان، {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24] .
وكيف يتفضل إنسان على من كان أكثر منه مالا وولدا؟ وفى قولهم: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} إشارة إلى أنهم بما لهم من كثرة في المال والأولاد لن ينزلوا عن مقام السيادة لأحد، ثم إنهم إذا عذب غيرهم من الفقراء والمستضعفين لن يعذبوا هم؛ فإن الله ما أعطاهم هذا الوفر في المال والكثرة في الأولاد إلا لأنهم أهل للكرامة، وموضع للفضل عنده، وكما كانوا في الدنيا في هذا المقام بين الناس، فهم في الآخرة- إن كانت هناك عندهم آخرة- في هذا الموضع أيضا، حيث يعذب الفقراء والمستضعفون، أما هم فلن يعذبوا، بل ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز، ذلك ظنهم بأنفسهم!» 24.
فـ «المترفون تخدعهم القيم الزائفة والنعيم الزائل، ويغرهم ما هم فيه من ثراء وقوة، فيحسبونه مانعهم من عذاب الله، ويخالون أنه آية الرضى عنهم، أو أنهم في مكان أعلى من الحساب والجزاء» 25.
فالاغترار بالأموال والأنصار صفة مشتركة بين العنصريين على اختلاف أزمانهم وأماكنهم، فقد ذكر الله مثلًا في كتابه لكل من اغتر بماله وأنصاره وأولاده وخدمه فقال سبحانه: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 32 - 34] .
«تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله. وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة. ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره» 26.
وقوله: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} «أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في بعض الأمور المعتادة، مفتخرا عليه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} فخر بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأي افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو بمنزلة فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها» 27.
وقد صدق قتادة رحمه الله حين قال: «تلك -والله- أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر» 28.
وقد نسي العنصريون في ظل سكرتهم ونشوتهم بالأنصار والأموال، نسوا حقائق مهمة بينها رب العالمين في كتابه، فأخبر أن هذه الأموال والأولاد لن تفيدهم شيئًا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 116] .
وأن الأموال والأولاد ليست ميزانًا للقرب من الله، بل الإيمان والعمل الصالح أساس القرب، فقال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] .
ويتبين من هدايات الآيات اغترار المترفين بما آتاهم الله من مال وولد، ظانين أن ذلك من رضا الله تعالى عليهم، وبيان ما يقرب إلى الله ويدني منه وهو الإيمان والعمل الصالح، لا كثرة المال والولد كما يظن المغرورون المفتنون بالمال والولد.
ثالثًا: تزكية النفس:
أصحاب العنصرية يعتقدون بما لهم من جاه وسلطان، أو حسب ونسب، أو جنس ولون، أو أموال وأولاد أن لهم منزلة عند الله، وأنهم يستحقون الجنة، فيزكون أنفسهم ويمدحونها بالباطل، وقد أخبرنا القرآن عن تزكية أهل الكتاب لأنفسهم بادعائهم الباطل أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودة، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 23 - 24] .
فعن ابن عباس «أن يهود كانوا يقولون: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودات، ثم ينقطع العذاب» 29.
ومما زكوا به أنفسهم ما ذكره القرآن بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] .
فهذه «حكاية لما صدر عن الفريقين من أقاويل فاسدة ودعاوى باطلة، يدل على سفاهة عقولهم، وبلادة تفكيرهم، حيث قالوا في حق الله تعالى ما لا يليق بعظمته سبحانه. ومرادهم بالأبناء: المقربون. أي نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم.
ومن مرادهم بالأحباء: جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب. ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة، كما يقال: أبناء الدنيا وأبناء الآخرة. ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم أشياع وأتباع من وصف بالبنوة. أي: قالت اليهود: نحن أشياع ابنه عزير، وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه عيسى. وأطلق الأبناء على الأشياع مجازًا إما تغليبًا أو تشبيهًا لهم بالأبناء في قرب المنزلة. وهذا كما يقول أتباع الملك: نحن الملوك» 30.
فكل منهما ادعى دعوى باطلة يزكون بها أنفسهم، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزيدًا عند الله تعالى على سائر الخلق.
وعطف سبحانه قولهم: {وَأَحِبَّاؤُهُ} على قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} للإشارة إلى غلوهم في الجهل والغرور وتزكية النفس بالباطل، حيث قصدوا أنهم أبناء محبوبون، وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم، بل هم محل رضاه وإكرامه.
وقد رد الله عليهم بقوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18] .
أي: «قل لهم يا محمد: إذا كان الأمر كذلك!! فلم يعذبكم بذنوبكم في الدنيا كما ترون من تخريب دياركم وهدم الوثنيين لمسجدكم في بيت المقدس، ومن لصوق العداوة والبغضاء فيكم أيها النصارى، فأنتم تتحاربون وتتقاتلون إلى الأبد، وستظل الحرب بينكم دائما حتى تفنوا جميعا إن شاء الله. وأما في الآخرة فيكون العذاب عسيرا عليكم أهل الكتاب، والأب لا يفعل هذا مع أبنائه والأولاد لا يعصون آباءهم كما تفعلون!! بل أنتم وغيركم من جميع الطوائف والملل بشر وخلق من خلق الله، لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان الصادق الخالص من شوائب الوثنية» 31.
فالعنصريون من أهل الكتاب ديدنهم تزكية أنفسهم بالباطل، كما قال ربنا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 49] .
فهذا «تعجيب من تمادحهم بالتزكية التي هي التطهير والتبرئة من القبيح فعلا وقولا، المنافية لما هم عليه من الطغيان والشرك الذي قصه تعالى عنهم قبل. فالمراد بهم اليهود، وقد حكى تعالى عنهم أنهم يقولون: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] .
وحكى عنهم أيضا أنهم قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80] .
وأنهم قالوا: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] .
أي: انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم فيه من الكفر والإثم العظيم، أو من ادعائهم تكفير ذنوبهم مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه.
وقوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} تنبيه على أن تزكيته هي المعتد بها دون تزكية غيره. فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حَسَنٍ وقبيح. وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين» 32.
«وفي الآية تحذيرٌ من إعجاب المرء بنفسه وبعمله» 33.