فهرس الكتاب

الصفحة 1805 من 2431

القدر

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (قدر) تدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، والقدر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها 1.

و «القدر والتقدير: تبيين كمية الشيء، يقال: قدرته وقدرته، وقدره بالتشديد: أعطاه القدرة، يقال: قدرني الله على كذا وقواني عليه، فتقدير الله الأشياء على وجهين:

أحدهما: بإعطاء القدرة.

والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص، حسبما اقتضت الحكمة» 2.

«والقدير: هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة، لا زائدًا عليه، ولا ناقصًا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف ابن الأثير القدر بأنه: «عبارةٌ عما قضاه الله وحكم به من الأمور» 4.

وقيل: «هو: تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه -سبحانه- أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته لها، ووقوعها على حسب ما قدرها جل وعلا وخلقه لها» 5.

وردت مادة (قدر) في القرآن الكريم (131) مرة، يخص موضوع البحث منها (107) مرات 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 18 ... {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) } [المرسلات:23]

الفعل المضارع ... 1 ... {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [المزمل:20]

فعل الأمر ... 1 ... {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ:11]

المصدر ... 23 ... {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) } [الأحزاب:38]

اسم الفاعل ... 18 ... {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) } [الأنعام:37]

اسم المفعول ... 1 ... {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) } [الأحزاب:38]

الصفة المشبهة ... 45 ... {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } [البقرة:20]

وجاء القدر في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 7:

الأول: العظمة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] . أي: ليلة العظمة.

الثاني: التصوير، ومنه قوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات:23] . أي: صورنا فنعم المصورون.

الثالث: الجعل، ومنه قوله تعالى: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} [يونس:5] . أي: جعل له منازل.

القضاء:

القضاء لغة:

«أصل كل قضاء أمرٍ: الإحكام، والفراغ منه، ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: القاضي بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به» 8.

القضاء اصطلاحًا:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي.

الصلة بين القدر القضاء:

قال الخطابي رحمه الله: «إنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه» 9.

المشيئة:

المشيئة لغة:

المشيئة مهموزة: الإرادة، وقد شئت الشيء أشاؤه 10.

المشيئة اصطلاحًا:

هي إرادة الله وأمره.

الصلة بين القدر والمشيئة:

القدر أعم من المشيئة، فالمشيئة جزء من القدر، وما قدره الله فقد شاءه.

الإرادة:

الإرادة لغة:

وهي: نقيض الكراهة، أو هي: المشيئة، والمشهور ترادفهما 11.

الإرادة اصطلاحًا:

إرادة الله النافذة.

الصلة بين القدر والإرادة لغة:

القدر أعم من الإرادة، فالإرادة جزء من القدر، وما قدره الله فقد أراده.

الحكم:

الحكم لغة:

أصله في اللغة: المنع للإصلاح، والحكم بالشيء: أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا 12.

الحكم اصطلاحًا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

الصلة بين القدر والحكم:

الحكم أصله: المنع بهدف الإصلاح، أما القدر: فهو تقدير الله تعالى الأشياء في الأزل.

الإيمان بالقدر شأنه عظيم، ومنزلته علية في الدين، وهو ليس على مرتبة واحدة؛ بل له مراتب، وللإيمان به فضائل وثمرات، نحاول في مطالب هذا المبحث أن نفصل - بما يقتضي المقام - هذه المسائل:

أولًا: منزلة الإيمان بالقدر:

قال الله تعالى مادحًا عباده المتقين بأول صفة من صفاتهم في أول سورة بعد الفاتحة: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [البقرة:3] .

ومن أعظم الغيب الذي أخفاه الله عن الخلق هو: القدر سر الله المكتوم، فالإيمان بالقدر منزلته عظيمة من دين الإسلام؛ فهو ركن من أركان الإيمان التي يقوم عليها، ولا يصح إيمان أحدٍ لم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله من عند الله تعالى، يبين هذا بوضوح حديث جبريل الطويل، الذي رواه لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه: (قال: فأخبرني عن الإيمان، قال:(أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، قال: صدقت) 13.

ومما يشهد لذلك: كثرة ورود (القدر) في الآيات القرآنية كما مر في مبحث (الاستعمالات القرآنية للفظ القدر) ، وفيها ترسيخ لمعانيه في قلوب المؤمنين به سبحانه.

قال ابن عباس رضي الله عنه: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر فإن تكذيبه بالقدر نقض للتوحيد» 14.

فلا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة) قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ قال: (اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة) ، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) } [الليل:5 - 10] .

ثانيًا: مراتب القدر:

الإيمان بالقدر يقوم على أربعة مراتب، من أقر بها جميعها فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر:

المرتبة الأولى: العلم.

علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها، وقد اتفق عليها الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليها جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة، وخالفهم مجوس الأمة.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } [البقرة:30] .

وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) } [لقمان:34] .

وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية:23] .

«قال أبو إسحاق: (أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه) ، وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين فالمعنى: أضله الله عالما به وبأقواله، وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره؛ قبل خلقه وبعده، وأنه أهلٌ للضلال وليس أهلًا أن يهدى، وأنه لو هدي لكان قد وضع الهدى في غير محله وعند من لا يستحقه، والرب تعالى حكيم إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها؛ فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال» 15.

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام:53] .

«أي: ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض، فابتلى الرؤساء والسادة بالأتباع والموالي والضعفاء، فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف أنفة، وأنف أن يسلم وقال: هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني!! قال الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} ؟! وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها، ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية، فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها، وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم، وتحبوني كحبهم؛ لمننت عليكم كما مننت عليهم، ولكن لمنني ونعمي محال لا تليق إلا بها، ولا تحسن إلا عندها» 16.

المرتبة الثانية: الكتابة.

إن الله تعالى كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض.

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) } [الأنبياء:105 - 106] .

«فـ {الزَّبُورِ} هنا: جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود، و {الذِّكْرِ} أم الكتاب الذي عند الله، و {الْأَرْضَ} الدنيا، وعباده الصالحون 17: أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا أصح الأقوال في هذه الآية، وهي علم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه، والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم، وشتتوهم في أطراف الأرض، فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في الذكر الأول أنهم يرثون الأرض من الكفار، ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله.

وقال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) } [يس:12] .

فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم، والكتاب المقارن لأعمالهم، فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث، ويجازيهم بأعمالهم، ونبه بكتابته لها على ذلك فقال: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} من خير أو شر فعلوه في حياتهم، {وَآثَارَهُمْ} ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدي بهم فيها بعد موتهم، وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} وهو اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء، وكتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها وحفظه لها والإحاطة بعددها وإثباتها فيه» 18.

وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) } [الأنعام:38] .

«أي: الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحدًا من جميعها من رزقه وتدبيره، سواء كان بريًا أو بحريًا، كما قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) } [هود:6] أي: مفصحٍ بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها» 19.

وخير مفسر لكتاب الله تعالى هو كلام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فلنتأمل في هذا الحديث بيان رسول الله لمعنى مرتبة الكتابة؛ عن عبادة بن الوليد بن عبادة، قال: حدثني أبي قال: (دخلت على عبادة بن الصامت وهو مريض يتخيل فيه الموت -أو يتبين- فقلت: يا أبتاه، أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني، إنك لن تطعم طعم الإيمان، ولن تبلغ حق حقيقة العلم حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه، وكيف لي أعلم ما خير القدر من شره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله عز وجل القلم قال: اكتب؛ فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة، يا بني، إن مت ولست على ذلك دخلت النار) 20.

المرتبة الثالثة: المشيئة.

إن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

قال الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) } [الإنسان:30] «أي: لا يقدر أحدٌ أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعا {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له، ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} » 21، وقال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام:35] .

وقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس:99] .

وقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود:118] .

وقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام:112] .

وقال: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد:4] .

وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على طائفتي الضلال: نفاة المشيئة بالكلية، ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم وضلالهم، وهو سبحانه تارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته، وتارة أن ما لم يشأ لم يكن، وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، وأنه لو شاء ما عصي، وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى، وجعلهم أمة واحدة؛ فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته، وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته، وهذا حقيقة الربوبية، وهو معنى كونه رب العالمين، وكونه القائم بتدبير عباده، فلا خلق ولا رزق، ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط، ولا موت ولا حياة، ولا إضلال ولا هدى، ولا سعادة ولا شقاوة؛ إلا بعد إذنه، وكل ذلك بمشيئته وتكوينه؛ إذ لا مالك غيره، ولا مدبر سواه، ولا رب غيره، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68] .

قال الشافعي في رواية الربيع عنه: «المشيئة إرادة الله، قال الله عز وجل: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) } [الإنسان:30] فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله» 22.

بقي أن ننبه هنا في آخر هذه المرتبة إلى أن «لفظ الإرادة ينقسم إلى: إرادة كونية؛ فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية؛ فتكون هي المحبة، إذا عرفت هذا فقوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر:7] .

وقوله: {لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205] .

وقوله: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .

لا يناقض نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره؛ فإن المحبة غير المشيئة، والأمر غير الخلق، ونظير هذا لفظ: (الأمر) فإنه نوعان: أمر تكوين، وأمر تشريع، والثاني قد يعصي ويخالف، بخلاف الأول، فقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} [الإسراء:16] لا يناقض قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف:28] ولا حاجة إلى تكلف تقدير: أمرنا مترفيها فيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها، بل الأمر ههنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع» 23.

المرتبة الرابعة: الخلق.

فكل ما سوى الله تعالى فهو مخلوق له سبحانه، خلقه بعد أن علمه وكتبه وشاءه.

قال الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) } [الأنعام:102] .

وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) } [فاطر:3] .

«الاستفهام في قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} إنكاري فهو مضمن معنى النفي، والمعنى: لا خالق إلا الله وحده، والخالق هو المستحق للعبادة وحده» 24.

«قال ابن الجوزي في (المقتبس) : سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} قال: فطلبت الفكر في المناسبة بين ذكر النعمة وبين قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} ؛ فرأيت أن كل نعمة ينالها العبد فالله خالقها، فقد أنعم بخلقه لتلك النعمة، وبسوقها إلى المنعم عليه» 25.

«فلا خالق إلا الله، وأعمال عباد الله مخلوقة لله مقدورة له كما قال: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } [الصافات:96] .

والعباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يخلقون، كما قال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر:3] .

وكما قال: {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان:3] .

وكما قال: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل:17] .

وكما قال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) } [الطور:35] وهذا في كتاب الله كثير» 26.

قال ابن القيم: «وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد» 27.

«ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله تعالى خالقٌ لأفعال العباد كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } [الصافات:96] .

ووجه ذلك: أن فعل العبد من صفاته، والعبد مخلوق لله، وخالق الشيء خالق لصفاته، ووجهٌ آخر: أن فعل العبد حاصل بإرادة جازمة وقدرة تامة، والإرادة والقدرة كلتاهما مخلوقتان لله عز وجل، وخالق السبب التام خالق للمسبب.

فإن قيل: كيف نجمع بين إفراد الله عز وجل بالخلق مع أن الخلق قد يثبت لغير الله، كما يدل عليه قول الله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] ؟

فالجواب على ذلك: أن غير الله تعالى لا يخلق كخلق الله، فلا يمكنه إيجاد معدوم، ولا إحياء ميت، وإنما خلق غير الله تعالى يكون بالتغيير وتحويل الشيء من صفة إلى صفة أخرى، وهو مخلوق لله عز وجل، فالمصور مثلا إذا صور صورة فإنه لم يحدث شيئًا! غاية ما هنالك أنه حول شيئا إلى شيء، كما يحول الطين إلى صورة طير أو صورة جمل، وكما يحول بالتلوين الرقعة البيضاء إلى صورة ملونة، فالمداد من خلق الله عز وجل، والورقة البيضاء من خلق الله عز وجل، هذا هو الفرق بين إثبات الخلق بالنسبة إلى الله عز وجل، وإثبات الخلق بالنسبة إلى المخلوق، وعلى هذا يكون الله سبحانه وتعالى منفردًا بالخلق الذي يختص به» 28.

ثالثًا: الاحتجاج بالقدر:

يجب على كل مؤمن بالله تعالى أن يوقن أنه سبحانه له الحكمة البالغة في كل خلقه، وأنه سبحانه {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [الأنبياء:23] .

فهو عز وجل: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54] .

و {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) } [الشورى:49 - 50] .

و {يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 247] .

و {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269] .

و {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37] .

إذا عرف هذا فنقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت