فهرس الكتاب

الصفحة 2020 من 2431

قال الله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99 - 100] .

وهو من كان يقول قبل: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 35 - 37] .

ثانيًا: اعتقاد المؤمن أن الموت مرحلة:

وأما المؤمن، فإنه يعتقد بأن الموت ليس إلا طريقًا للدار الآخرة، وهو أول مراحلها؛ ولذا فقد أخبر الله تعالى أن مجيء الموت هو طريق لما بعده من نفخ الصور، ومجيء الشهود، ورؤية ما لم تره من قبل، فقال: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 19 - 22] .

إن المخاطب بهذه الآيات هو الإنسان 45، سواء كان مؤمنًا أم كافرًا، والمؤمن يقبله كعين يقين، فلا يشك بما جاء من عند الله.

ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء الأداء في الغاية، كان كأنه لا ينفر إلا منه، فأشار إلى ذلك بتقديم الجار فقال: {مِنْهُ تَحِيدُ} 46.

قال أبو السعود رحمه الله: «بعدما ذكر استبعادهم للبعث والجزاء وأزيح ذلك بتحقيق قدرته تعالى وعلمه، وبين أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم، أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه لا محالة من الموت والبعث، وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال، وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذانًا بتحقيقها وغاية اقترابها» 47.

وذكر سبحانه أن خروج الروح ما هي إلا مساق إليه، فليس خروجها نهاية الأمر، قال سبحانه: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 26 - 30] .

قال السعدي رحمه الله: «يعظ تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أي: من يرقيه؛ لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية. ولكن قضاء الله إذا حتم فلا مرد له. {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} للدنيا. {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها» 48.

ثم إن الموت إما جسر يمد للمؤمن إلى الجنة، أو جسر يمد للكافر إلى جهنم والعياذ بالله.

قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 83 - 95] .

وبناء على ما تبين، فإن من الألفاظ التي نهى عنها أهل العلم: قول بعض الناس: (دفن فلان في مثواه الأخير) !! لأنه من المعلوم أن الموت والقبر ما هما إلا مرحلة بين الدنيا والآخرة، فبعدههما يأتي البعث ثم الحشر، ثم العرض في يوم القيامة ثم إلى جنة أو نار: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .

ولذا فلو أطلقها إنسان معتقدًا ما ترمي إليه من المعنى الإلحادي الكفري المذكور؛ لكان كافرًا مرتدًا فيجب إنكار إطلاقها، وعدم استعمالها 49.

ثالثًا: التوبة عند الموت:

التوبة: مأخوذة من (توب) ، والتاء والواو والباء: أصل يدل على الرجوع 50. وتاب إلى الله تعالى من كذا وعن كذا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة 51. والتوبة النصوح: هي توثيق العزم على أن لا يعود 52.

والتوبة هي ترك الذنب مخافة الله، واستشعار قبحه، وندم على المعصية من حيث هي معصية، والعزيمة على ألا يعود إليها إذا قدر عليها، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال 53. وحقيقتها ليست فقط ترك الذنب، بل لابد فيها من التزام بأمر الله.

وقد أتت التوبة في القرآن على ثلاثة أوجه 54:

أولًا: بمعنى الندم: كقوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] .

ثانيًا: بمعنى التجاوز: كقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117] .

ثالثًا: بمعنى الرجوع عن الشيء: كقول موسى عليه السلام: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] .

وقد أمر الله عباده بالتوبة فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} [النور: 31] .

وبشرهم بقبولها بقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25] .

وفتح لهم باب الرجاء، بعفوه عنهم ومغفرته لهم، فقال: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .

ولذا كان واجبًا على الخلق أن يبادروا بالتوبة إلى الله، بل واتفقت الأمة على ذلك 55، فإن فعلوا فقد أوجب الله على نفسه قبولها منهم في وقتها، فقال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17] .

وحتى تكون توبة العبد مقبولة عند الله، لابد وأن تكون في وقتها، ووقتها الذي قدره الله موسع، وهو من وقوع الذنب إلى ما قبل حضور الموت.

قال الله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] .

يعني بذلك -جل ثناؤه-: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصي الله حتى إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه، ثم قال: وقد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه، بشغله بكرب حشرجته وغرغرته: {إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} يقول: فليس لهذا عند الله توبة؛ لأنه قال ما قال في غير حال توبة 56.

وذكر هذا النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إن الله عز وجل ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر) 57، وقوله: (ما لم يغرغر) أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه 58.

ووقتها كذلك إلى ما قبل رؤية العذاب أو بعض علامات الساعة.

قال الله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] .

وجمهور المفسرين على أن المقصود بقوله: {يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} أي: طلوع الشمس من مغربها 59.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} ) . ثم قرأ الآية 60.

رابعًا: الوصية عند الموت:

الوصية في اللغة: أخذت هذه اللفظة من وصيت الشيء إذا أوصلته 61.

أما شرعًا فتعني: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع 62.

والوصية مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:

أما بالكتاب فلورود الآيات الكثيرة التي دلت على مشروعيتها.

قال الله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) . قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي 63.

ونقل ابن قدامة رحمه الله الإجماع على مشروعيتها 64.

قال ابن عبد البر -رحمه الله: «أجمعوا على أن الوصية غير واجبة، إلا على من عليه حقوق بغير بينة، وأمانة بغير إشهاد، إلا طائفة شذت فأوجبتها» 65.

يخبرنا القرآن عن ذلك المشهد المؤثر بين يعقوب عليه السلام عندما حضرته الوفاة وأبنائه، ولنا أن نتخيل هذا المشهد بصورته المعهودة: أب مضطجع ومسجى في غطائه يكابد الموت، وأبناء حوله جلوس يرقبونه، ويتألمون لفراقه، عند ذلك يترك يعقوب الحديث عن الألم والفراق وينظر إلى ما هو أجل وأكمل.

ويسوق القرآن لنا هذا الحوار بين يعقوب وبنيه داعيا إلى تأمل الحوار.

قال الله: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132 - 133] .

والكلمة التي وصى بها إبراهيم بنيه هي التي قال الله عنها: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28] 66، قال الطبري: «هي قوله: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] 67. قال ابن كثير: «وقد قرأ بعض السلف (ويعقوب) بالنصب عطفًا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرا ذلك» ، ثم قال: «والظاهر -والله أعلم-، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة» 68.

وكيف ينهاهم يعقوب عن الموت وليس الموت إليهم، فيصح أن ينهوا عنه؟.

والجواب: «أنهم لم ينهوا عن الموت، وإن كان اللفظ على ذلك، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلا يصادفهم الموت عليه، فإنه لابد منه. وتقديره: اثبتوا على الإسلام؛ لئلا يصادفكم الموت وأنتم على غيره» 69.

بعدها يبين الله مشهد يعقوب مع أبنائه الذين حضروا موته؛ ليوصيهم وصية مودع، لكنها على سبيل الاختبار، فلما سألهم أجابوه بما أطمأنت إليه نفسه، وقرت به عينه، بأنهم على دين التوحيد وأنهم لن يشركوا به، وسيعملون بما اعتقدوه {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133] .

فجمعوا بذلك بين العلم والعمل 70. وبالرغم من كل ما قام به إخوة يوسف من جرائم إلا إنهم تمسكوا بدينهم. والحقيقة أن هذه أعظم الوصايا وأرفعها قدرًا وأعلاها شأنًا، كيف لا وهي مختصة بأرفع الأمور وهو توحيد الله، والبعد عن الشرك.

والموضع الآخر الذي ذكر الوصية عند الموت هو قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 180 - 181] .

ومعنى الآية: فرض عليكم إذا حضرت لأحدكم مقدمات الموت وأسبابه وعلله، إن ترك مالًا أن يوصي للوالدين والأقارب، وهذا واجب على كل من يتقي الله 71.

قال السعدي رحمه الله: «واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث» 72. «وليعلم أن الله لا يتعبد في وقت من الأوقات إلا بما فيه الحكمة البالغة» 73.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع» 74.

وأما الموضع الثالث فهو قول الله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} وفي الآية: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] .

والآية التي تليها مباشرة {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} ، ثم: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} ، ثم: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] .

وهذه الآيات تبين أن الوصية أو الدين مقدمان على قسمة الميراث؛ لأن الدين حق على الميت والوصية حق له، وإذا كان الدين والوصية قد وقعا معا فيقدم الدين على الوصية 75.

والموضع الأخير هو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاما 76 من فضة مخوصًا من ذهب، فأحلفهما رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم وجدوا الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المائدة: 106] 77.

قال ابن كثير رحمه الله: «الأكثرون على أن هذه الآية محكمة، وليس فيها نسخ، ومن ادعى النسخ فعليه البيان» 78.

ومعنى الآيات يا أيها المؤمنون: إذا قرب الموت من أحدكم، فليشهد على وصيته اثنين أمينين من المسلمين، أو آخرين من غير المسلمين عند عدم وجود غيرهما من المسلمين، تشهدونهما إن أنتم سافرتم في الأرض فحل بكم الموت، وإن ارتبتم في شهادتهما فقفوهما من بعد الصلاة، فيقسمان بالله قسمًا خالصًا لا يأخذان به عوضًا من الدنيا، ولا يحابيان به ذا قرابة منهما، ولا يكتمان به شهادة لله عندهما، وأنهما إن فعلا ذلك فهما من المذنبين 79.

ويمكن أن يستدل بهذه الآية الكريمة على عدة أحكام 80:

أولًا: أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي.

ثانيًا: تعظيم أمر الشهادة حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط.

ثالثًا: أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله ثابتًا.

رابعًا: أن شهادة الوصية لابد فيها من اثنين عدلين.

خامسًا: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة.

خامسًا: وقوع موت ثم حياة في الدنيا:

لما حصل إنكار من بعض البشر على قدرة الله في بعث الخلائق يوم القيامة، أعطى الله بعض الإشارات الواقعة في الدنيا؛ لتدل على صدق وقوعه في الآخرة، فأبانه الله حقيقة مشاهدة في أكثر من موطن، فأحيا بعض البشر، ومن قدر على هذا في الدنيا، هان عليه الأمر بعد.

وقد ذكرت سورة البقرة وحدها أمثلة متعددة على وقوع الموت ثم الحياة في الدنيا، وبيانه:

1.أول القصص في ذكر الإحياء صراحة في الدنيا، هي عندما طلب قوم موسى منه، أن يريهم الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة. قال الله: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 56] .

2.بعدها تأتي القصة الثانية التي صرحت بالإحياء في الدنيا، وهي قصة بقرة بني إسرائيل، التي أمرهم الله أن يذبحوها؛ كي يكشفوا جريمة القتل. قال الله: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ? كَذَ?لِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى? وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [البقرة: 73] . ثم يأتي التصريح بأن الشهداء أحياء عند الله، وليسوا بأموات، فقال: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ? بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَ?كِن لَّا تَشْعُرُونَ) [البقرة: 154] .

3.ثم يصرح الله تعالى بالإحياء في قصة (الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ?) [البقرة: 243] .

4.ثم قصة الذي مر على قرية (هِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى? يُحْيِي هَ?ذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ? فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ?) [البقرة: 259] .

5.فطلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية الإحياء، قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى? ?) [البقرة: 260] .

أخبر القرآن أن لا موت في الآخرة، وإنما هو خلود في الجنة أو النار، وسنوضح هذا المعنى فيما يأتي:

أولًا: حال الموت في الآخرة:

بعد كل هذا يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم نهاية الموت يوم القيامة وانتهاء أمره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} (وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا) {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] ) 81.

والمعنى من قوله عليه السلام: أن الموت سيجسد كهيئة كبش مختلط سواده ببياضه، وعندما ينادى الفريقان، سيرفعون أعناقهم ويمدونها للاطلاع على ما سيحدث من ذبح للموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت