ومن أبلغ الأمثال التي تبين أن المشرك قد تشتت شمله واحتار في أمره: ما بينه تعالى بقوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] .
فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحد، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.
والموحد لما كان يعبد الله وحده لا شريك له فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا 44.
والمقصود أن الله تعالى يضرب الأمثال في كتابه من أجل بيان التوحيد، أو من أجل بيان أعداء التوحيد، كما قال الله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10] .
فالله جعل حالة هاتين المرأتين عظة، وتنبيهًا للذين كفروا، أي: ليذكرهم بأن الله لا يصرفه عن وعيده صارف، فلا يحسبون أن لهم شفعاء عند الله، ولا أن مكانهم من جوار بيته، وعمارة مسجده، وسقاية حجيجه تصرف غضب الله عنهم، فإن هم أقلعوا عن هذا الحسبان أقبلوا على التدبر في النجاة من وعيده بالنظر في دلائل دعوة القرآن، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو كان صارف يصرف الله عن غضبه لكان أولى الأشياء بذلك مكانة هاتين المرأتين من زوجيهما رسولي رب العالمين 45.
أو يضرب الأمثال في كتابه في الذين ثبتوا على مبدأ التوحيد، كما قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 11] .
فلما ضرب المثل للذين كفروا أعقب بضرب مثل للذين آمنوا؛ لتحصل المقابلة، فيتضح مقصود المثلين معًا، وجريًا على عادة القرآن في إتباع الترهيب بالترغيب، وجعل المثل للذين آمنوا بحال امرأتين لتحصل المقابلة للمثلين السابقين، فهذا مراعاة النظير في المثلين، وجاء أحد المثلين للذين آمنوا لإخلاص الإيمان، والمثل الثاني لشدة التقوى، فكانت امرأة فرعون مثلًا لمتانة المؤمنين، ومريم مثلًا للقانتين؛ لأن المؤمنين تبرءوا من ذوي قرابتهم الذين بقوا على الكفر بمكة 46.
ومن ضرب الأمثال في ميدان العقيدة: قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] .
وقوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 24] .
وقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .
وقوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] .
وقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
وقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] .
وهي أمثال غاية في البلاغة والتأثير، وغاية فيما تحويه من نهاية في العظة والعبرة، ونهايةٍ في البلاغة، وإيجاز اللفظ، وحسن التشبيه، وقوة الكناية.
ومن المجالات المهمة التي تناولتها الأمثال القرآنية مجال الأعمال؛ أعمال المؤمنين، وأعمال الكافرين.
فكثرت الأمثال التي توضح بطلان أعمال الكافرين، وتجسم أعمالهم بالرماد المتجمع بعضه فوق بعض، ثم تذروه الرياح، فتتناثر ذراته في كل اتجاه.
يقول تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] .
فيصور الله في هذا المثل أعمال الكفار في مقاومة رسل الله، ومحاربة دينه، بالرماد المتجمع في مكان ما، لكن لا تماسك بين ذراته، وهو خفيف جدًا، فاشتدت به الريح في يوم عاصف، فنسفت ذلك الرماد، وبددته في كل مكان، حتى لم يعد له وجود حقيقي، كذلك أعمال الكافرين في مواجهة الرسول، وأولياء الله، فهي كالرماد متفرقة مشتتة في كل مكان، ويوم القيامة يجعل تلك الأعمال هباء منثورًا، وهي كناية عن أن أعمال الكافرين لا تقوى على مقاومة قدرة الله وقوته.
وفي مثلٍ آخر يتخذ من (الريح) أيضًا أداة التدمير، كما كانت في المثل السابق أداة البعثرة للرماد، ونثره في كل مكان، فيقول الله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117] .
فيصور الله لنا أعمال أهل الكفر التي يظنون أنها تفيدهم بأنها مثل السراب في صحراء قاحلة، تظهر من بعيد للظمآن ماء، لكنه إذا اقترب منه لم يجده شيئًا، فينخدع من بعيد، وعند الحاجة تنكشف له الحقيقة، بأنه مجرد سراب لا يسمن ولا يغني من جوع، كذلك الكفار يظنون أن أعمالهم في الدنيا تغنيهم شيئًا يوم القيامة، لكن هذا الزعم الخادع ينكشف لهم يوم القيامة.
فالمثلان مترابطان في بيان ضياع أعمال الكافرين، والتركيز فيهما على أعمالهم لا على ذواتهم، كما يلاحظ اتحاد المثلين في الإفناء والضياع.
ولكن القرآن الكريم يركز في مثلٍ آخر على شخصية الكافر وآماله بما يتناسب مع السياق، مع تغييرٍ في البنية الأسلوبية، ففي المثلين السابقين كان التركيز على الرماد والزروع والنبات والرياح، وفي المثل الآتي يتم التركيز على بنية أسلوبية جديدة، مادتها الماء والسراب والظلام، فيقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [: 39 - 40] .
فالمثل هنا يجمع بين الأعمال وأصحابها في الضياع؛ إذ نلحظ التركيز أيضًا على شخصية الكافر في المثل المعروض إلى جانب أعماله، فأعماله سراب خادع، وهو ظمآنٌ يظنه ماء، فيجري وراء ظنه، فيكتشف حقيقة السراب الخادع، وجاء التعقيب هذه المرة بقوله: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [: 39] .
لإبراز الغرض الديني من تصوير المثل؛ ولبيان تلك الحياة التي عاشها الكافر في وهم وظنون وخداع، حتى جاء اليوم الموعود في الحساب والجزاء.
ثم عقب على هذا المثل بمثل آخر زيادةً في الإيضاح والتنويع في البنى الأسلوبية، ففي المثل الثاني يركز على الصحراء وما يتراءى فيها من سراب خادع، والمثل الثاني يركز على ظلمات البحر تتلاطم أمواجه، وتغطيه السحب الكثيفة، كما تغطيه ظلمات الليل، فتنعدم الرؤية البصرية في هذه الظلمات المركبة المتراكمة، ويبرز التقابل في المثلين بين عناصر التعبير والتصوير؛ لاستيفاء تفصيلات المعاني الدينية المطلوبة، فالسراب في المثل الأول يوحي بالأوهام والخراب، والكافر يجري وراء السراب والأوهام، والظلمات المتراكمة من البحر والسحاب وظلمات الليل توحي بانعدام الرؤية، والكفر ظلمات يحجب ما أنفقته يد الخير فلا تفيد صاحبها شيئًا.
ويأتي التعقيب متناسقًا مع جو الليل والظلمات: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [: 40] .
ويبرز نور الله من خلال ذلك هو الوحيد الذي ينير للإنسان طريقه في ظلمات الحياة المتراكمة.
وفي الجانب الآخر يضرب الله تعالى الأمثال لأعمال المؤمنين الصالحة، فيقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .
فشبه سبحانه إنفاق المنفق في سبيله سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سبل الخير من كل بر بمن بذر بذرًا فأنبتت كل حبة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على مائة حبة، والله يضاعف بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبت عند النفقة، وهو إخراج المال بقلب ثابت، قد انشرح صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، وخرج من قلبه قبل خروجه من يده، فهو ثابت القلب عند إخراجه غير جزع ولا هلع، ولا متبعه نفسه، ترجف يده وفؤاده، ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه، وبحسب طيب المنفق ونيته 47.
ونظير المثل السابق قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] .
وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره يبذر ماله في أرض زكية، فمغله 48 بحسب بذره، وطيب أرضه، وتعاهد البذر بالسقي، ونفي الدغل والنبات الغريب عنه، فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال، وكان مثله كمثل جنة بربوة، وهي المكان فيه نصب الشمس والرياح، فتربى الأشجار هناك أتم تربية، فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع فرواها ونماها، فآتت أكلها ضعفي ما تؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل، وإن لم يصبها وابل فطل، والطل: مطر صغير القطر، يكفيها لكرم منبتها تزكو على الطل، وتنمى عليه، مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل، فمن الناس من يكون إنفاقه وابلًا، ومنهم من يكون إنفاقه طلًا، والله لا يضيع مثقال ذرة 49.
ثالثًا: ميدان الأخلاق:
جاءت الأمثال القرآنية ترغب في كثير من الأخلاق والسلوكيات الحسنة، وتحذر من غيرها، مستعينة بالترغيب والترهيب والإقناع العقلي.
ففي جانب الأخلاق الحسنة، قال تعالى -وهو يشبه حال المخلص في النفقة في سبيل الله-: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] .
والربوة: هي التل المرتفع، والطل: المطر الخفيف، فشبه سبحانه في التمثيل السابق عمل المنفق لمرضاة الله تبارك وتعالى بجنة خضراء يانعة تقع على أرض مرتفعة خصبة، تستقبل النسيم الطلق، والمطر الكثير النافع، وقيد المشبه به ببستان مرتفع عن الأرض؛ لأن تأثير الشمس والهواء فيه أكمل، فيكون أحسن منظرًا، وأزكى ثمرًا، أما الأماكن المنخفضة التي لا تصيبها الشمس في الغالب إلا قليلًا فلا تكون كذلك.
ووجه التمثيل في هذا المثل أن المنفق ابتغاء مرضاة الله هو في إخلاصه وسخاء نفسه وإخلاص قلبه كالجنة الجيدة التربة الملتفة الشجر، العظيمة الخصب في كثرة بره وحسنه، فهو يجود بقدر سعته، فإن أصابه خير كثير أغدق ووسع في الإنفاق على ذوي الحاجات، وإن أصابه خير قليل أنفق منه بقدره، فخيره دائم، وبره لا ينقطع؛ لأن الباعث عليه ذاتي لا عرضي كأهل الرياء، وأصحاب المن والإيذاء، فـ (الوابل) و (الطل) على هذا عبارة عن سعة الرزق، وما دون السعة.
ولك أن تقول: إن وجه التمثيل هنا أن النية الصالحة في الإنفاق كالوابل للجنة، فبها تكون النفقة نافعة للناس؛ لأن أصحابها يتحرون مواضعها، فيضعون نفقتهم موضع الحاجة، لا يبذرون بغير روية، وأن أمثال هؤلاء المخلصين لا يخيب قاصدهم؛ لأن رحمة قلوبهم لا يغور معينها، فإن لم تصبه بوابل من عطائها لم يفته طله، فهم كالجنة التي لا يخشى عليها اليبس والزوال.
وهذا التمثيل يفيد أن إنفاق المؤمن قد يكون إنفاقًا كثيرًا مثل المطر الغزير، وقد يكون إنفاقًا قليلًا مثل المطر القليل، وفي كلٍ خير، وهو يعبر عن اهتمام المؤمن بغيره، والعمل على النهوض بأمته قدر استطاعته، وبحسب إمكاناته.
وضرب الله تعالى مثلًا في الإنجيل لعباده المؤمنين أنهم كالزرع، يظهر في أول أمره رقيقًا ضعيفًا متفرقًا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد، وتعجب جودته أصحاب الزراعة العارفين بها؛ فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في أول الأمر في قلة وضعف، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة، فقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] .
فبعد أن ذكر الله وصفهم في التوارة ذكر مثلهم في الإنجيل، فهم موصوفون فيه بوصف آخر، فهم في كمالهم وتعاونهم {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ} أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء، {فَاسْتَغْلَظَ} ذلك الزرع، أي: قوي وغلظ {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} : جمع ساق، {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} من كماله واستوائه وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة رضي الله عنهم هم كالزرع في نفعهم للخلق، واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه قد لحق الكبير السابق وآزره وعاونه على ما هو عليه من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ؛ ولهذا قال: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون معهم في معارك النزال ومعامع القتال 50.
إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع، صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة، حالاتها الظاهرة والمضمرة، فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} ولقطة تصور قلوبهم، وما يشغلها ويجيش بها {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} وهذه صفتهم فيها، ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل 51.
وفي جانب الأخلاق السيئة:
ضرب الله مثلًا لحال المنفق رياءً حيث لا يحصل من إنفاقه على شيءٍ من الثواب، فقال تعالى: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 264] .
فقد مثل حال المرائي في إنفاقه بحال الحجر الأملس يكون عليه تراب، فيصيبه مطر غزير، فيذهب بما عليه من تراب، فأعمال المرائي مثل التراب الذي كان على الحجر، فإنها تذهب هباء، ولا يجد لها ثوابًا، وفي هذا المثل تقرير لخيبة المرائي على وجه أبلغ ما يكون.
ومن ذلك تشبيه المنتكس بالكلب في كثرة مساوئه:
حيث ضرب الله مثلًا لحال العالم المنحط في أهوائه بحال الكلب الذي هو أخبث الحيوانات وأخسها نفسًا؛ ذلك أن المنحط في أهوائه شديد اللهف على الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه، فقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175 - 176] . وهذه الآيات وإن نزلت بسبب رجل من بني إسرائيل 52 إلا أنه كما يقول المحققون من أهل العلم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا ويقول: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} أخبر أمتك يا محمد! بنبأ ذلك الرجل الذي آتيناه آياتنا؛ آتيناه العلم، وآتيناه الآيات والدلالات الواضحات على عظمة الله، فبدل أن يعمل بها ويستمر عليها، انسلخ منها، والانسلاخ عن الشيء هو: تركه مع عدم الرغبة في العودة إليه، أي: انسلخ منها كما تنسلخ الحية من جلدها، والمراد أنه خرج منه بالكلية، بأن كفر بها، ونبذها وراء ظهره، ولم ينتفع بما اشتملت عليه من عظات وإرشادات، وحقيقة السلخ: كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق شيئًا على أتم وجه: انسلخ منه، وفى التعبير به ما لا يخفى من المبالغة 53.
فالانسلاخ حقيقته خروج جسد الحيوان من جلده حينما يسلخ عنه جلده، والسلخ: إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده، واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو ترك التلبس بالشيء، أو عدم العمل به، ومعنى الانسلاخ عن الآيات الإقلاع عن العمل بما تقتضيه؛ وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية 54.
وقوله: {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] .
أي: فلحقه الشيطان وأدركه فصار هذا الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين الراسخين في الغواية، مع أنه قبل ذلك كان من المهتدين، وفى التعبير بقوله: {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} مبالغة في ذم هذا الإنسان وتحقيره، جعل كأنه إمام للشيطان، والشيطان يتبعه، فهو على حد قول الشاعر 55:
وكنت أرى من جند إبليس فارتقى