فهرس الكتاب

الصفحة 1386 من 2431

2.أن آدم وحواء ربما قربا من باب الجنة، وكان إبليس واقفًا من خارج الجنة على بابها، فيقرب أحدهما من الآخر، وتحصل الوسوسة هناك 36.

وهناك العديد من الروايات التي قد يتبادر إلى الذهن منها أن حواء هي من أغوت آدم، لكن الله عز وجل برَأ حواء من هذه التهمة، فقد قال سبحانه وتعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} .

فالشيطان هو الذي زين المعصية لآدم كما زينها لحواء، أي: أن الشيطان هو الذي قام بإغواء آدم وحواء، ولم تقم حواء بإغواء آدم على المعصية، فالغواية جاءت من الشيطان للاثنين معًا 37.

ولكن كيف استطاع الشيطان أن يخرج آدم وحواء من الجنة مع علم آدم بعداوة إبليس له قبل إغوائه، لعل السبب يرجع إلى أن إبليس لقيَ آدم مرارًا وتكرارًا، ورغَبه في الأكل من الشجرة بطرق كثيرة، وبالتكرار والمواظبة على الطلب أثَر كلامه على آدم عليه السلام 38.

وحلف لهما كما يروي القرآن الكريم: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] .

أي: أقسم لهما أنه يريد لهما النصح، وصدقا القسم، وصدقا الشيطان في أنه يريد لهما الخير، ولذلك عاتب الله سبحانه وتعالى آدم وحواء بأنهما صدقا قسم إبليس، مع أنه جل جلاله قد بين لهما أن إبليس عدو لهما لا يريد لهما الخير، وذلك في قوله تعالى: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 22] .

وبذلك استطاع إبليس أن يقنع آدم أن الله قد منعه من الأكل من الشجرة؛ لأنه لا يريد له الخير، وذلك حتى نفطن إلى طريق إبليس في الغواية، فلا خير في خير يؤدي إلى النار والمعصية، ولا شر في شر يؤدي إلى رضوان الله والجنة.

ثانيًا: موقف الشيطان من يوسف عليه السلام:

الشيطان هو مدبر الفتن والمفاسد، كان له حضور واضح في مسيرة الأنبياء، ومن هؤلاء الأنبياء الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام، وقد ذُكر الشيطان في قصة يوسف عليه السلام ثلاث مرات:

أولًا: كان دور الشيطان في بداية قصة يوسف عليه السلام بارزًا، يرويه لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5] .

فقد فهم يعقوب عليه السلام من رؤيا 39 ابنه الصغير يوسف عليه السلام أنه سيكون له شأن عظيم في كِبره، وأن الله عز وجل سيصطفيه للرسالة، ويميزه على إخوته، فخاف عليه من حسد إخوته -والحسد هو مرض نفسي خطير- والذي يدفعهم عليه الشيطان، الذي يحرك النفوس الضعيفة، ويوغر الصدور، ويشعل نار العداوة والبغضاء بين الإخوة والأحبة، فعداوة الشيطان ظاهرة واضحة لما فعل بآدم عليه السلام وحواء، فلا يألوا جهدًا في إثارة الفتن بينهم حتى يحملهم على الكيد 40، لذلك أمر يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عليه السلام أن يكتم رؤياه عن أخوته؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي من الله عز وجل، فلا يحدثهم بها، وعلل ذلك بقوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5] .

فكأن يوسف عليه السلام استغرب أن يصدر ذلك عن إخوته الناشئين في بيت النبوة، فبين له أنه ما حذره إلا من نزغ الشيطان في نفوس أخوته 41، الذي قال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئًا) 42.

وقد حدث ما خشيه يعقوب عليه السلام، فتآمر الإخوة على يوسف، وكادوا يتفقون على قتله؛ لتزول العقبة بينهم وبين أبيهم، ثم قرروا العدول عن قتله والاكتفاء بإبعاده.

قال المولى عز وجل: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 10] .

وهكذا كانت الغلبة لداعي الشر، وهي الخطوة الأولى في المخطط الشيطاني في إبعاد النبي يوسف عليه السلام، والانحراف به، والهجوم عليه بوساوس الشيطان لعنه الله.

ثم يوضع الفتى المبتلى يوسف عليه السلام في البئر بعد أن أجمعوا على التخلص منه، ثم يساق إلى سوق العبيد، ليستقر كعبد في قصر رئيس وزراء مصر، ويمر في محن عظام، من أبرزها إغراء امرأة العزيز، وكيد النسوة، ليوضع بعدها في السجن ظلمًا وبهتانًا على الرغم من ثبوت عفته وبراءته.

ثانيًا: يوضع سيدنا يوسف عليه السلام في السجن، وقد أوتيَ من العلم بتفسير الرؤيا ما لم يُؤت أحد في زمانه، ودخل السجن مع يوسف فَتَيان.

قال أحدهما ليوسف عليه السلام: إني رأيت في المنام أني أعصر عنبًا ليصير خمرًا.

وقال الآخر: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه.

أخبرنا يا يوسف بتفسير ما رأينا، إنا نراك من الذين يحسنون في عبادتهم لله، ومعاملتهم لخلقه.

فكان تفسير يوسف عليه السلام للأول: بأنه يخرج من السجن، ويكون ساقي الخمر للملك، وأما الآخر الذي رأى أنه يحمل على رأسه خبزًا فإنه يُصْلب ويُتْرك، وتأكل الطير من رأسه 43.

ويأتي الأمل لسيدنا يوسف عليه السلام، بعدما فسر لأحد السجينين أنه سيكون مقربًا من الملك، فأوصاه بتذكيره بحاله وما حدث له، وعلمه بالرؤيا، لعله يفرج عنه، هنا يتدخل الشيطان مرة أخرى محاولًا الكيد بسيدنا يوسف، والبقاء به في السجن.

قال تعالى في ذلك: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42] .

أي: أن الشيطان أنسى الساقي تذكير سيده بأمر يوسف عليه السلام، فبقي في السجن مظلومًا منسيًا 44.

وقيل: إن المعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه وهو الله عز وجل، فعاقبه الله تعالى بإبقائه في السجن بضع سنين، فهو استحق هذا العقاب؛ لأنه توسل إلى الملك لإخراجه، ولم يتوكل على الله عز وجل 45.

لكن الراجح القول الأول، فالناسي هو الناجي من السجن -الساقي- على رأي جمهور المفسرين 46.

وتدخل الشيطان في عملية النسيان مذكور في أكثر من موضع في القرآن الكريم.

قال تعالى: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] .

وقال أيضًا في قصة موسى عليه السلام: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف: 63] .

وللإمام الرازي رأيٌ في تسبب الشيطان في النسيان حيث قال: «الشيطان يمكنه إلقاء الوسوسة، وأما النسيان فلا، لأنه عبارة عن إزالة العلم عن القلب، والشيطان لا قدرة له عليه، وإلا لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن قلوب بني آدم» 47.

ثالثًا: كانت قصة يوسف عليه السلام مليئة بالمحن والابتلاءات، وكان كيد الشيطان واضحًا في قصته، وعندما يجتمع يوسف عليه السلام بأهله في نهاية القصة يُرْجِع سبب محنته الأولى إلى الشيطان.

قال تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100] .

هذا هو الشيطان بحضوره الماكر والذي يبوء بالخسران أمام فتى رباني تقي صابر ممسك بأطراف الإحسان جميعًا {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] .

ثالثًا: موقف الشيطان من أيوب عليه السلام:

لقد كانت حياة الأنبياء دروسًا وعبرًا لأولي الأبصار، ابتلاهم الله عز وجل بأنواع الشدائد والبلايا، فصبروا على ذلك، فهذا نبي الله أيوب عليه السلام من ذرية يعقوب عليه السلام، اصطفاه الله عز وجل بالنبوة، وآتاه جملة عظيمة من الثروة في الأموال والأولاد، كان شاكرًا لأنعم الله، مواسيًا عباد الله، بَرًا رحيمًا، لم يؤمن به سوى ثلاثة نفر 48.

وقد ابتلي نبي الله أيوب عليه السلام في جسده، وماله، وأهله، وسلم دينه ومعتقده، فقد حصل لأيوب عليه السلام نوعان من المكروه.

قال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] .

فالله عز وجل يخاطب في هذه الآية نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم قائلًا له: اذكر يا محمد صبر أيوب عليه السلام، فقد ابتلاه الله عز وجل بأنواع البلايا فصبر، فاصبر كما صبر، فقد أصيب أيوب بالنصب والعذاب، فالنصب: هو المشقة والعناء والأمراض، والعذاب: زوال الخيرات وحصول المكروهات بذهاب وهلاك ماله وولده 49.

وقد ظهر ذلك واضحًا من قول نبي الله أيوب عليه السلام، ونسب ما أصابه من بلاء إلى الشيطان، فالشيطان كان له دور في ذلك، ولأهل التفسير في هذا الموضع قولان:

القول الأول: إن الآلام والأسقام الحاصلة لأيوب عليه السلام إنما حصلت بفعل الشيطان، حيث قيل: إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب ملائكة السموات بالصلاة على أيوب حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسدُ والبغيُ، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله كله، فشكر أيوب ربه عز وجل، ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه، وقال لله ما أعطى ولله ما أخذ، فسأل إبليس الله عز وجل أن يُسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه، ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى.

فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط عليه دون لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في مِنْخره نفخة اشتعل منها جسده، فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فثبت أيوب عليه السلام سبع سنين، ولم يصبر عليه أحد إلا امرأته.

فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال: لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء، فذكرت المرأة ذلك لزوجها، فحلف بالله: لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة، وقتها قال أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} .

فأجاب الله دعاءه، وأوحى إليه أن اركض برجلك، فأظهر الله من تحت رجله عينًا باردة طيبة، فاغتسل منها.

قال تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 42 - 43] .

فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه، ورد عليه أهله وماله، ورفع الله عنه ما كان به من بلاء 50.

القول الثاني: إن الآلام والأسقام التي حصلت لأيوب عليه السلام إنما حصلت بفعل الله، والعذاب المضاف إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة، وإلقاء الخواطر الفاسدة، فالله عز وجل لا يسلط الشيطان على أنبيائه؛ ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، فالشيطان لا يمكن أن يكون هو من قام بذلك، فلو جاز ذلك لظن بعض الناس أن حصول الموت، والحياة، والصحة، والمرض من الشيطان.

فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات، فقد حصل بفعل الشيطان، كما أن الشيطان لو قدر على ذلك فلمَ لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء؟ ولمَ لا يخرب دورهم؟ ولم لا يقتل أولادهم؟

وقد جاء في الكتاب العزيز أنه لا سلطان له على عباده إلا بالوسوسة فحسب 51.

قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22] .

وإنما نسب نبي الله أيوب عليه السلام ما أصابه إلى الشيطان؛ لأنه أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من بلاء، ويغريه على الكراهية والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بتثبيته على الصبر على ما أصاب 52.

كما أن علة نبي الله أيوب عليه السلام كانت شديدة الألم، ثم طالت مدة تلك العلة، واستقذره الناس، ونفروا عن مجاورته، ولم يبق له شيء من الأموال البتة، وامرأته كانت تخدم الناس، وتحصِل له القوت، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم، ومن الاشتغال بخدمتهم 53.

والشيطان كان قد تعرض لأهله، ووسوس لهم، وطلب منه أن يشرك بالله، ويذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت، وكان يحاول دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله، وقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد، فكان يشتكي إلى الله فعل الشيطان، الذي كان أشد عليه من مرضه 54.

والرأي الثاني هو الراجح، على الرغم من ذكر الكثير من أهل التفسير للرأي الأول، وقد رد ابن العربي على من قال به، فما ذكره المفسرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة فقول باطل؛ لأنه أُهبط منها بلعنة وسخط إلى الأرض، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى، ويعلو إلى السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فيقف موقف الخليل؟!

أما أنه طلب من الله أن يسلطه على أيوب عليه السلام فلا يصح؛ لأن الله عز وجل لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس الملعون، فكيف يكلم من تولى إضلالهم؟! وأما قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده، فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه القصة، وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلطه عليه، فهو أبعد، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان فيه كسب حتى تقر له -لعنة الله عليه- عين بالتمكن من الأنبياء في أموالهم وأهليهم وأنفسهم 55.

رابعًا: موقف الشيطان من موسى عليه السلام:

لقد كان للشيطان دور مع سيدنا موسى عليه السلام توضحه لنا الآيات الكريمة.

قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص: 15] .

فيروى أن موسى عليه السلام بعدما بلغ أشده، -أي: من ثلاثين إلى أربعين سنة 56 - دخل المدينة التي كان يسكنها فرعون، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر، وقال الضحاك: هي عين شمس 57، في وقت غفلة أهلها، منتصف النهار وقت القيلولة، وقيل: ما بين المغرب والعشاء 58.

«وسبب دخول المدينة في ذلك الوقت أن موسى كان يسمى ابن فرعون، وكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس لباسه، فركب فرعون يومًا وكان موسى غائبًا، فلما جاء قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب موسى في أثره، فأدركه المقيل بأرض مَنْف، فدخلها وليس في أطرافها أحد، وقيل: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق، رأى فُراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه، حتى أنكروا ذلك منه، وخافوه، وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفًا مستخفيًا على حين غفلة من أهلها» 59.

فوجد فيها رجلين رجل من شيعته أي: من بني إسرائيل على دينه، ورجل آخر عدوه على غير دينه، يقال: إنه من القبط 60، وكانوا في حالة صراع، فطلب الرجل الذي من شيعة موسى النصرة منه ضد عدوه القبطي، فضربه موسى عليه السلام بكفه ضربة في صدره، فقتله، ولم يتعمد القتل، ثم ندم على قتله، وأرجع ذلك إلى وسوسة الشيطان.

قال القشيري: «فقد تمنى موسى أن لو دفعه عنه بأيسر مما دفعه، ولم ينسب القتل إلى الشيطان، ولكن دفعه عنه بالغلظة نسبه إلى الشيطان بأن حمله على تلك الحدة» 61.

وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلمًا لنفسه واستغفر منه؛ لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، فكان ذنبًا يستغفر منه، وعن ابن جريج أنه قال: ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر 62، ثم تاب موسى عليه السلام عما جرى على يده، واستغفر ربه، وأخبره الله عز وجل أنه غفر له.

وبعد بيان دور الشيطان في قتل الغلام على يد موسى عليه السلام يتأكد لنا عداوة الشيطان للإنسان بشكل عام، وخاصة الأنبياء؛ لأنهم أصحاب رسالة، فهم ألد أعداء الشياطين، فكلما اقترب العبد من ربه، ابتعد عن الشيطان، وبالتالي زادت العداوة بينهما، والأنبياء هم أقرب الناس مكانة من الله حيث العصمة، والمعجزة، والتأييد، والنصرة.

وقد بين الله تعالى أنه ما من نبي على مر الزمان بعثه الله إلا وكان له من الشياطين زمرة تناصبه العداء، وتمشي في طريق حربه والكيد له، شياطين من الجن، وشياطين من الإنس، يعملون سويًا على محاربة الحق.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) } [الأنعام:112] .

خامسًا: موقف الشيطان من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

تبين لنا مما سبق موقف الشيطان من هؤلاء الأنبياء، فالشيطان أشد عداوة للأنبياء والرسل؛ لأنهم هم خاصة الله من خلقه، فهم حملة رسالة من الله عز وجل؛ ولقد كان للشيطان موقفه العدائي من الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة.

قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) } [الأنفال:30] .

فقد نزلت هذه الآية في شأن اجتماع قريش في دار الندوة، جاء في كتب التفسير أن نفرًا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له، فأردت أن أحضر وأنصحكم، فسمحوا له بالدخول، فدخل معهم فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فوالله ليوشكن أن يواتيكم في أمركم بأمره، فقال أحدهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من كان قبله من الشعراء، فقال عدو الله الشيخ النجدي: لا، والله ما هذا لكم برأي، فانظروا في غير هذا الرأي، فقال قائل: فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وأين وقع.

فقال الشيخ النجدي: لا، والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه القلوب بما تستمع من حديثه.

قالوا: صدق والله، فانظروا رأيًا غير هذا، فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره، قالوا: وما هذا؟

قال: تأخذوا من كل قبيلة غلامًا وسطًا شابًا مهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها.

فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي القول، لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك وهم مجتمعون له، فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك في الخروج، وأمرهم بالهجرة 63.

فهذه الراوية تبين عِظم عداوة الشيطان -لعنه الله- للرسول صلى الله عليه وسلم.

ولقد قرر الله عز وجل في كتابه العزيز أن الشيطان له دور إغواء الرسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت