قال الغزالي: «إن الله تعالى خلق العقول، وكمل هداها بالوحي، وأمر أربابها بالنظر في مخلوقاته، والتفكر والاعتبار بما أودعه من العجائب في مصنوعاته» 58.
ولابن القيم كلام نفيس في التفكر وأهميته، ومما جاء فيه قوله: «فالخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر، فإنه لابد من تفكر وعلم يكون نتيجةً للتفكر، وحال يحدث للقلب من ذلك العلم، فالفكر هو الذي ينقل من موت الغفلة إلى حياة اليقظة، ومن المكاره إلى المحاب ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم ورحبه، ومن مصيبة العمى والصمم والبكم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عليه، ومن أمراض الشبهات إلى برد اليقين وثلج الصدور.
وبالجملة فأصل كل طاعة إنما هو الفكر، وكذلك أصل كل معصية إنما يحدث من جانب التفكر، فإن الشيطان يصادف أرض القلب خالية فارغة، فيبذر فيها حب الأفكار الردية، فيتولد منها الإرادات والعزوم فيتولد منها العمل، فإذا صادف أرض القلب مشغولة ببذر الأفكار النافعة فيما خلق له وفيما أمر به وفيما هيئ له وأعد له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم لم يجد لبذره موضعًا» 59.
وقد جاءت نصوص القرآن الكريم تأمر بالتفكر وتثني على المتفكرين؛ لأن «التفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم» 60.
ومجال التفكر واسع يشمل الآيات المشهودة، فكل ما خلق الله عز وجل في السماوات؛ من شمس وقمر وكواكب، وفي الأرض؛ من بحار وأنهار وجبال وحيوان ونبات، وظواهر طبيعية كالسحاب والأمطار والرياح وغيرها.
أما عن ارتباط التفكر في الخلق بالسير كمقصد من مقاصده -وهو ما يعنينا في هذا البحث- فقد ذكر في موضعين:
أحدهما: في سورة العنكبوت في قوله تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } [العنكبوت: 19 - 20] .
والآيتان من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي ساقها القرآن الكريم لإقامة الحجة على منكري البعث، رغم أن كل ما في الوجود علويه وسفليه يشهد على قدرة الله جل ذكره على الإحياء بعد الموت، فجاءت الآية الأولى كلاما مستأنفا للإنكار على المكذبين بالبعث رغم وضوح دلائله، فلفتت أنظار أولئك الجاحدين إلى ما يرون من مظاهر البدء في الخلق وإعادته في الإنسان والحيوان والنبات بأسلوب محكم رصين، ففي الاستفهام الإنكاري عن عدم الرؤية تعجيب من أمرهم وتوبيخ لهم على بلادة حسهم، وفي الاستفهام بـ {كَيْفَ} تنبيه ولفت نظر وليس طلب إخبار، بمعنى: ألم يتأملوا في هذا السؤال؟ أي: في الجواب عنه 61.
وفي مجيء الفعلين {يُبْدِئُ} و {يُعِيدُهُ} بصيغة المضارع إفادة لتجدد بدء الخلق وإعادته حيثما وجه الناظر بصره في المخلوقات؛ ففي عالم الإنسان يرون «كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلًا صغيرًا، ثم غلامًا يافعًا، ثم رجلًا مجتمعًا، ثم كهلًا، ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه أول مرة خلقًا جديدًا، لا يتعذر عليه ذلك» 62.
واعتبر ذلك في عالمي الحيوان والنبات، وعلى الجملة فقد «أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السماوات وما فيها من الكواكب النيرة؛ الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبراري وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في نفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء: كن، فيكون» 63.
فهذا مما يستدل به على صحة البعث ووقوعه بلا ريب، فإذا كانت تلك قدرة الله تبارك وتعالى على الإبداء والإيجاد، فإن قدرته على الإعادة أيسر، ولذلك ناسب أن يأتي التعقيب بقوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ، أي: «سهل كما كان يسيرا عليه إبداؤه» 64.
وهذا كقوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] .
ثم جاءت الآية الثانية لتنقل المنكرين للبعث من عالم الأنفس إلى عالم الآفاق، لتقول لهم: إن كنتم في شك من قدرة الله جل وعلا على بدء الخلق وإعادته، ولم يكفكم الاستدلال بما هو بمرأى منكم، فدونكم الاستدلال بما هو بعيد عنكم من أحوال إيجاد المخلوقات وتعاقب الأمم، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحثهم على السير في الأرض للنظر كيف بدأ الخلق، فقال عز من قائل: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} .
«أي: كيف خلقهم ابتداء على أطوار مختلفة، وطبائع متغايرة، وأخلاق شتى، فإن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها، {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} بعد النشأة الأولى التي شاهدتموها، والتعبير عن الإعادة التي هي محل النزاع بالنشأة الآخرة المشعرة بكون البدء نشأة أولى للتنبيه على أنهما شأن واحد من شئون الله تعالى حقيقة واسما من حيث إن كلًا منهما اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود، ولا فرق بينهما إلا بالأولية والآخرية» 65.
ثم ختمت الآية ببيان كمال قدرة الخالق تبارك وتعالى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، أي «إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد إفنائه، كهيئته قبل فنائه، وعلى غير ذلك مما يشاء فعله، قادر، لا يعجزه شيء أراده» 66.
الأنموذج الثاني الذي ذكر فيه التفكر في الخلق مقترنًا بالسير ورد في سورة الروم - وقد سبقت الإشارة إلى الآية الثانية منه - في قوله تباركت أسماؤه: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [الروم: 8 - 9] .
فالآية الأولى دعوة للمكذبين بالبعث إلى التفكر في أنفسهم، وقد ذكر المفسرون في المراد بـ: {فِي أَنْفُسِهِمْ} قولين، فذهب الطبري إلى أنها ذواتهم، فقال: «أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث يا محمد من قومك، في خلق الله إياهم، وأنه خلقهم ولم يكونوا شيئا، ثم صرفهم أحوالا وتارات، حتى صاروا رجالا؛ فيعلموا أن الذي فعل ذلك قادر أن يعيدهم بعد فنائهم خلقا جديدا» 67، وذكر غيره أن العبارة تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقهم ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع، وهو ما ذكره الطبري، والثاني: أن تكون ظرفا للفكرة في خلق السموات والأرض، كأنه قيل: أولم يحدثوا التفكر في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة من الفكر 68.
ولا تعارض بين القولين، وأيًا ما كان المعنى، فالمنكرون للبعث لم يفكروا في ذواتهم ولا فيما حولهم، لم يفكروا في أنفسهم وهي أقرب شيء إليهم، ليروا عجائب قدرة الله عز وجل في خلقهم، كما في قوله جل جلاله: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات: 21] .
وعلى هذا التفسير تكون جملة {مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} «بدل اشتمال من قوله: {أَنْفُسِهِمْ} إذ الكلام على حذف مضاف، تقديره: في دلالة أنفسهم، فإن دلالة {أَنْفُسِهِمْ} تشتمل على دلالة خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق؛ لأن {أَنْفُسِهِمْ} مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في الأرض، وكذلك خلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم» 69.
فمعنى الآية الكريمة: «أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فتدبروا ما أودعها الله ظاهرا وباطنا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال وأنه لا بد لها من انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحكم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانا وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت» 70.
هذا بعض ما ذكره المفسرون في معنى الآية الكريمة إذا قصد بالتفكر في أنفسهم ذواتهم، أما إذا أريد به أن يحدثوا في أنفسهم التفكر في خلق السموات والأرض وما بينهما، فيكون معنى الآية ما ذكر ابن كثير: «يقول الله تعالى منبها على التفكر في مخلوقاته، الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} يعني به: النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا باطلًا، بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة» 71.
وحين لم يتفكر المنكرون للبعث في آيات الله في الأنفس والآفاق، بسبب تبلد عقولهم وضيق أفقهم، نقلهم السياق إلى حوادث الزمان وعبر التاريخ لعلهم يتأملون سنة الله في إهلاك الظالمين، ويعتبرون بمصارع الغابرين، فقال الله تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [الروم: 9] .
فقد دعي منكرو البعث في هذا المقام إلى السير، وهو مالم يطلب منهم في الآية السابقة؛ إذ لا حاجة إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض، ولذلك جاء الاستفهام تعجيبيًا من غفلتهم وعدم تفكرهم، وأريد به التقريع والتوبيخ.
أما الاستفهام في هذه الآية فلتقرير النفي، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أقعدوا في أماكنهم، ولم يسيروا في الأرض، والمعنى: أنهم ساروا في أقطار الأرض 72، وشاهدوا في أسفارهم آثار وديار أقوام قد خلوا مثل: عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين، وهي أمم كانت ذات قوة وسطوة، لا تدانيها قوة قريش، أثاروا الأرض بالحرث واستخرجوا خيراتها ومدخراتها، وعمروها بالمباني والحصون والقصور المشيدة، أكثر مما عمرها المشركون في مكة، فقد كان السابقون أطول أعمارا وأقوى أجساما وأكثر تحصيلا لأسباب العيش، ومع ذلك لم تغن عنهم قوتهم من الله شيئا حين نزل بهم عذاب الله وبأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
رابعًا: ابتغاء الرزق:
من مقاصد السير كما حددته نصوص القرآن الكريم هو: ابتغاء الرزق، ومعنى الرزق لغة: العطاء وما ينتفع به مما يؤكل أو يلبس، وما يصل إلى الجوف ويتغذى به، وقد يسمى المطر رزقا؛ لأنه سبب الرزق 73.
«والأرزاق نوعان: ظاهرةٌ للأبدان كالأقوات، وباطنةٌ للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم» 74.
قال الراغب في بيان معنى الرزق: «الرزق يقال للعطاء الجاري تارة دنيويًا كان أم أخرويًا، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علمًا، والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له، وهو الله تعالى» 75.
فالله جل وعلا هو الرازق والرزاق، وقد وصف سبحانه وتعالى ذاته بذلك في كتابه العزيز بقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [الذاريات: 58] .
وبين جل ثناؤه أنه وحده رازق كل دابة على وجه الأرض فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) } [هود: 6] .
وأكد جل جلاله أن جميع المخلوقات تفتقر إليه في رزقها ولا تستطيع تحمل ذلك، ولولاه ما رزقت، فقال جل ذكره: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) } [العنكبوت: 60] .
والله تبارك وتعالى مالك خزائن الرزق، فمنه وحده يطلب لا من غيره، كما قال الخليل عليه السلام لقومه: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) } [العنكبوت: 17] .
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون اكتساب الرزق وفق سنة اتخاذ الأسباب، فألهم الحيوانات والطيور أن تتحرك وتتنقل من مكان إلى آخر، وزودها بغرائز وخلق لها أعضاء تمكنها من كسب قوتها، فإذا كانت تلك سنته تعالى في رزق البهائم والعجموات وهي مخلوقات ضعيفة، فإنها في حق الإنسان المكرم أولى، فقد اقتضت سنته في رزق العباد أن يصلهم بأسباب يباشرونها باختيارهم، ويسر لهم تلك الأسباب، ودلهم على مفاتيح الرزق.
منها: «السعي والضرب في الأرض ابتغاء الرزق» .
وقد وردت آيات كريمة تحث على السعي في الأرض ابتغاء الرزق، منها قوله جل وعلا: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [الملك: 15] .
فالآية الكريمة تشير إلى نعمة الله عز وجل على خلقه في تسخير الأرض لهم، فعبر عن ذلك بلفظ: {ذَلُولًا} ، ثم أمرهم بالمشي في مناكبها، والمعنى: «سافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات» 76.
وقوله: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} يعني: وكلوا من رزق الله الذي أخرج لكم من مناكب الأرض، {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} يعني: وإلى الله نشركم من قبوركم 77.
هذا عن معنى الآية، أما الرزق الذي تمنحه الأرض الذلول وينتفع به الإنسان ويناله بالمشي في مناكبها، فيشمل كل ما أودع الله عز وجل فيها من خيرات ومدخرات وثروات على ظهرها وفي باطنها، فهي منحٌ وعطاءاتٌ سخرها الخالق سبحانه وتعالى للإنسان منةً منه وفضلًا.
ومن الآيات التي تحض على السعي في الأرض ابتغاء الرزق، ما ورد في ختام سورة المزمل في قوله تبارك وتعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ} [المزمل: 20] .
فقد ذكرت الآية الكريمة أصحاب الأعذار الذين يشق عليهم قيام ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه، وهم: المرضى، والضاربون في الأرض، والمجاهدون، فخفف الله عنهم، وكلفهم ما يطيقون، ليقرأوا في صلاة الليل ما تيسر من القرآن، فكانوا سببًا للتخفيف عن الأمة، ونسخ فرض قيام الليل، ويهمنا من هذه الفئات الثلاث؛ الفئة الثانية المذكورة في قوله جل ثناؤه: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ، فهؤلاء يسافرون ويضربون في الأرض للتجارة وطلب المعاش، أو ابتغاء الرزق المعبر عنه بفضل الله، فهم لا يطيقون قيام الليل لما يعانون من المشقة في سعيهم وأسفارهم، وربما كان الليل فرصتهم لأخذ قسط من الراحة والنوم، والاستعداد للغد. والسفر والضرب في الأرض لكسب الرزق ليس مجرد تجارة وكسب، بل هو فضيلة وطاعة اقترن ذكرها في الآية الآنفة بالجهاد في سبيل الله وهو ذروة سنام الإسلام.
فقد «سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله» 78.
وقد بلغ من أهمية الضرب في الأرض للكسب ونفع الناس، أن أضحت مهنة شريفة تحظى بالتقدير، لذلك حض عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من يسأل الناس، أعطوه أو منعوه) 79.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار) 80.
ومن النماذج التي تحث على السير في الأرض ابتغاء الرزق، ما ورد في سورة الجمعة في قوله تعالى ذكره: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) } [الجمعة: 10] .
قال القرطبي: «يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم. {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ} أي: من رزقه» 81.
وقال ابن كثير: «لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، وقوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ؛ أي: في حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وعطائكم، اذكروا الله ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة» 82.
هذا هو المنهج المتوازن الذي يقيمه القرآن الكريم حين يلبي مقتضيات الإنسان في الحياة الدنيا دون أن ينسى نصيبه من الآخرة، ففور انقضاء صلاة الجمعة، يأتي الإذن بالانتشار في الأرض لابتغاء الرزق، فلا رهبانية في الإسلام، ولا مجال للمكث في المساجد بدعوى الانقطاع للعبادة، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى قوما جلوسا في المسجد في غير وقت الصلاة، فكره منهم ذلك وقال: «لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني! فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة» 83.
وقد فقه عراك بن مالك رضي الله عنه هذا المعنى، فكان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: «اللهم، أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين» 84.
تعددت وتنوعت أساليب القرآن الكريم في الحث على السير، ولم تكن نمطية، وسبب هذا التنوع تأكيد أهمية موضوع السير، وإثارة انتباه القارئ والسامع.
وسنحاول في هذا المبحث أن نبرز بعض تلك الأساليب في النقاط الآتية:
أولًا: الأمر بالسير:
الأسلوب الأول من أساليب القرآن الكريم في الحث على السير للتأمل هو: الأمر به، وقد تكرر ست مرات بصيغتين:
الأولى: بقوله جل ذكره: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} في موضعين 85.
والثانية: بقوله جل ثناؤه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} في أربعة مواضع 86.
فآية آل عمران خطاب مباشر للمؤمنين تأمرهم بالسير، والفاء سببية، وقيل: شرطية، أي: إن شككتم فسيروا 87.
فقد طلب منهم أن يسيروا في الأرض ليروا نهاية المكذبين، فتطمئن قلوبهم لصدق وعد الله تعالى بنصر المؤمنين وإهلاك الكافرين، وليدركوا أن ما حصل في معركة أحد لم يكن سوى امتحان وتمحيص للصف لتمييز الخبيث من الطيب، وأن العاقبة للمتقين، أما بقية الآيات فخطاب للكفار والمشركين.
وقد اختلف المفسرون في الأمر بالسير؛ هل هو على سبيل الوجوب أم الإباحة؟
فذهب أكثرهم إلى أن الأمر للندب 88، إذ المقصود الاعتبار لا السفر بحد ذاته، فإذا حصل بغير المسير في الأرض بسماع الأخبار أو قراءة كتب التاريخ، فقد تم المقصود، وإن كان في الوقوف على الآثار ومشاهدة الديار مزيد اعتبار، وذهب الزمخشري إلى التفريق بين الأمر بالسير والنظر: فقال: «معناه: إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح» 89.