وأمره بالاقتداء بهم يضيء لنا طريقًا مهمًّا لفهم مستويات حفظ الرّسالة؛ ذلك أنّ الله عز وجل أنزل من الرّسالات نسخةً مسطورةً، وأقام من الأنبياء أسوةً منظورةً تترجم عن مراد الله، كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .
والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ، فلا عبرة بتبليغ الألفاظ ما لم يكن مراد الله عز وجل منها واضحًا بيّنًا، ثمّ إنّ الأسوة لا تكتمل إلا بالترجمة العمليّة السلوكيّة، وهو ما أمر الله به نبيّه صلى الله عليه وسلم {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ، وقد وفّى به النبي صلى الله عليه وسلم، فوصفه ربّه عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .
وأمر المسلمين بالتأسّي به فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
وأكّدت أمّ المؤمنين عائشة بقولها حين سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: (كان خلقه القرآن) 119. ولا شكّ أن الرّسل جميعًا قد بلّغوا وبيّنوا البيان العلميّ والعمليّ.
قال تعالى في عموم الرسل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36] .
فما حقّت الضلالة على المكذّبين إلا بعد أن أقام الرسل عليهم الحجّة؛ لأنّ الله عز وجل يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ؛ أي: حتى نبعث رسولًا فيبلّغ بالبلاغ المبين. فلمّا أخبر سبحانه أنّهم قد حقّت عليهم الضلالة، ووصفهم بالمكذّبين؛ علم أن هؤلاء الرّسل قد بلّغوا رسالاتهم على التمام والكمال.
وهاهو هودٌ عليه السلام يحذّر قومه: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57] .
وصالح عليه السلام بعد أن كذّبه قومه، فحلّ بهم العذاب، {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79] .
وشعيبٌ عليه السلام بعد أن أخذت الرجفة الكفّار من قومه، {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: 93] .
وقد صحّت الأحاديث بأنّ الرّسل قد بلّغوا ما أرسلوا به؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجيء النبيّ يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك؛ فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيدعى محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته، فيقال لهم: هل بلّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا فأخبرنا أنّ الرسل قد بلّغوا فصدّقناه. فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ) 120.
وعنه أيضًا رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يجيء نوحٌ وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلّغت؟ فيقول: نعم أي ربّ. فيقول لأمته: هل بلّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبيٍّ. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. فنشهد أنه قد بلّغ) 121.
فهذه البيّنات شواهد صدقٍ وعدلٍ على حفظ الرّسل لأماناتهم ووفائهم بها على الوجه الأكمل، نشهد أنّهم قد بلّغوا، ونصحوا، وأقاموا الحجّة.
ثانيًا: نفي حفظ الرسل لأعمال قومهم ومجازاتهم عليها:
لاشكّ أنّ الدّعاة إلى الله -وفي مقدّمتهم الأنبياء- يتعرّضون في دعوتهم إلى جملةٍ من الأمور التي قد تصرفهم بصورة أو بأخرى عن بعض دعوتهم. وإن لم يربط الله على قلب الداعية فقد يقع فريسة الهمّ خوف التقصير، وهو في حدّ ذاته من أخطر الضغوط النفسية التي يتعرض لها الداعية، فإذا أضيف إليها خوفه وحسرته على قومه؛ لإعراضهم وانصرافهم عن الهداية، وخوفه من أذاهم بالقول والفعل وصدّهم عن دعوته، فإنّ كلّ ذلك قد يثبّط الدّاعية، فيحتاج إلى تذكيره بأنّ حدود المسئولية المكلّف بها لا تتجاوز البلاغ المبين، وأنّ عليه هداية الدلالة والإرشاد، وأمّا التوفيق فذاك محض فضل الله يهدي من يشاء، ويضلّ من يشاء. ولا يكون الرسول رقيبًا على قومه أو حسيبًا عليهم أو مجازيًا لهم على أعمالهم، فذاك إلى الله عز وجل هو الرقيب الحسيب سبحانه.
والمتفكّر في القرآن الكريم يجد هذا المعنى من أكثر المعاني تكرارًا فيه؛ كقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104] ؛ أي: وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم، وإنما أنا رسول أبلّغكم ما أرسلت به إليكم، والله الحفيظ عليكم، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالكم 122. وقوله تعالى: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 106 - 107] ؛ أي: إنما بعثناك إليهم رسولًا مبلّغًا، ولم نبعثك حافظًا عليهم ما هم عاملوه، ومحصيًا ذلك عليهم، فإن ذلك إلينا دونك، ولست عليهم بوكيلٍ ولا بقيّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم، ولا بحفظهم فيما لم يجعل إليك حفظه من أمرهم 123. وقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6] ؛ أي: إنّ الله حفيظٌ عليهم يحصي عليهم أفعالهم، ويحفظ أعمالهم؛ ليجازيهم بها يوم القيامة جزاءهم، ولست أنت يا محمّد بالوكيل عليهم بحفظ أعمالهم، وإنما أنت منذر، فبلّغهم ما أرسلت به إليهم، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب 124، وقوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] .
وقوله على لسان شعيب: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86] .
فهو تأكيد على أنّ ذلك الأمر عامٌّ مطّردٌ لجميع الرّسل؛ كقوله: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35] .
وقوله: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] .
وقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن: 12] .
{وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40] .
وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 21 - 26] .
{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [يونس: 108] .
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في المعنى نفسه. وكلّها تنفي عن النبيِّ أن يكون حفيظًا على قومه أو وكيلًا عليهم أو محاسبًا لهم، وفيها تأكيدٌ على أنّ البلاغ المبين لا يشمل الرقابة على المدعوّ، ولا حسابه، وأنّ المبلّغ مأجورٌ على البلاغ، وليس أجره مرهونًا باستجابة أحدٍ، وإلا فإنّ بعض الأنبياء يأتي يوم القيامة وليس معه أحدٌ، وهو -مع ذلك- قد بلّغ فوفّى.
فإذا علم الرسل والدّعاة هذا الأمر فقد تحقّق لهم الاستقرار والأمن النفسيّ الذي يصقل عزائمهم ويشحذ هممهم، فإذا أصابه حزنٌ على المعرضين يجد تسلية الله عز وجل: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3 - 4] .
فإن كان المعرض حبيبًا إلى النّفس وهو ممن يحرص الداعية على هدايته تسلّى بقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] .
وإذا حدّثته نفسه بأن يقدّم بعض التنازلات أو أن يكتم بعض رسالته ارعوى بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] .
ولما كانت الدّعوة إلى الله على بصيرةٍ هي مضمار إثبات التبعيّة للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] ؛ فإنّ الدّعاة أكثر الناس حاجةً إلى تدبّر هذه الآيات والتفكّر فيها؛ فلعلّ حكمة تكرارها -والله أعلم- حتى لا يمرّ يومٌ على الدّعاة أهل القرآن؛ من غير أن يذكّرهم بها لأهميتها.
وأمّا الذين ينصّبون أنفسهم رقباء على النّاس، كأنّهم اطّلعوا على القلوب فعلموا ما فيها، فحكموا -بغير بيّنةٍ- على هذا بالضلال وعلى هذا بالفسوق = فقد حدّثنا القرآن عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} [المطففين: 33] ؛ أي: وما بعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون، حافظين عليهم أعمالهم، يقول: إنما كلّفوا الإيمان بالله، والعمل بطاعته، ولم يجعلوا رقباء على غيرهم، يحفظون عليهم أعمالهم ويتفقّدونها 125. فتلك رذيلةٌ لا يليق بعاقل أن يتورّط فيها؛ فضلًا عن مسلمٍ داعيةٍ.
ذكر القرآن الكريم مجالات الحفظ في حق العباد، وهذا ما سنبينه فيما يأتي:
أولًا: حفظ حدود الله على الإجمال:
إنّ الحفظ المنوط بالعباد هو حفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، ويكون ذلك بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ولا يتعدّى ما أمر به إلى ما نهي عنه، فدخل في ذلك فعل الواجبات جميعها، وترك المحرّمات كلّها، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله 126. يقول الله تعالى في سياق بيان صفات المؤمنين المجاهدين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] .
فقوله: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} معناه: المؤدّون فرائض الله، المنتهون إلى أمره ونهيه، الذين لا يضيّعون شيئًا ألزمهم الله عز وجل العمل به، ولا يرتكبون شيئًا نهاهم عن ارتكابه 127.
وقال ابن عباس: «يعني: القائمين على طاعة الله. وهو شرطٌ اشترطه على أهل الجهاد؛ إذا وفّوا الله بشرطه وفّى لهم شرطهم» 128.
فحدود الله تشمل جميع التكاليف الشرعيّة من أوامر ونواهٍ، وعباداتٍ ومعاملاتٍ.
ثانيًا: حفظ القرآن والعلم:
العلم وضبط الشريعة -وإن كان فرض كفاية- فإنه يتعيّن له طائفةٌ من الناس وهم من جاد حفظهم، ورقّ فهمهم، وحسنت سيرتهم، وطابت سريرتهم، فهؤلاء هم الذين يتعين عليهم الاشتغال بالعلم؛ فإن عديم الحفظ أو قليله أو سيئ الفهم لا يصلح لضبط الشريعة، وكذلك من ساءت سيرته لا يحصل به الوثوق للعامة، فلا تحصل به مصلحة التقليد فتضيع أحوال الناس، وإذا كانت هذه الطائفة متعينة بهذه الصفات تعيّنت بصفاتها وصار طلب العلم عليها فرض عين 129.
والقرآن رأس العلم، من لم يأخذ بحظّه منه فليس معدودًا في العلماء. ولا يبرّز طالب العلم الشرعيّ، ولا يتأهّل في أيّ فرعٍ من فروعه إلا بقدر أخذه من علم القرآن؛ إذ هو الأصل المقدّم على غيره. قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 48 - 49] .
قال ابن كثير: «القرآن آيات بينةٌ واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يسّره الله عز وجل عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا» 130. وقال البيضاوي: «بل هو القرآن آياتٌ بيّناتٌ في صدور الّذين أوتوا العلم يحفظونه لا يقدر أحد على تحريفه» 131. وفيه إشارةٌ إلى صفة من صفات الذين أوتوا العلم، وهي أنّ القرآن محفوظٌ في صدورهم بيّن الدلالة ظاهر الحجّة، ولم تكن هذه صفته فقد انخرم في حقّه أحد أهمّ شروط الإمامة في العلم. والله أعلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن؛ فإنّ فيه علم الأوّلين والآخرين» 132.
وقد كان علماء السّلف يوصون طلّاب العلم أن يبدؤوا بالقرآن الكريم، يتعلّمون حروفه ومعانيه، فإذا رأوا أنّهم قد حصّلوا من ذلك قدرًا كافيًا نقلوهم إلى التخصّص، قال ابن عبد البر: «طلب العلم درجات ومناقل ورتب، لا ينبغي تعدّيها، ومن تعدّاها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدّى سبيلهم عامدًا ضلّ، ومن تعداه مجتهدًا زلّ. فأوّل العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهّمه، وكلّ ما يعين على فهمه فواجبٌ طلبه معه. ولا أقول: إنّ حفظه كلّه فرضٌ، ولكني أقول: إنّ ذلك شرط لازمٌ على من أحبّ أن يكون عالمًا فقيهًا ناصبًا نفسه للعلم» 133.
غير أنّ الاستظهار والجمع أولى ما يستعان به على الفهم والتدبّر، والمكثر من التلاوة حريٌّ بجني القرآن وقطافه؛ علمًا وعملًا، فهمًا وتطبيقًا؛ ولذا تتوارد النصوص على التأكيد على فضيلة التلاوة واقترانها بالأركان العملية؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29] ، يخبر الله تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه، من إقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله في الأوقات المشروعة ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانية، يرجون ثوابًا عند الله لابدّ من حصوله 134. قال قتادة: «كان مطرّف إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القرّاء» 135.
وتلاوة كتاب الله تعني شيئًا آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، تعني: تلاوته عن تدبّرٍ، ينتهي إلى إدراك وتأثّر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك، ومن ثمّ يتبعها بإقامة الصلاة، وبالإنفاق سرًّا وعلانية من رزق الله 136. وقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121] .
فقوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} أي: يتبعونه حقّ اتّباعه، وإجماع الحجة من أهل التأويل على أنّ ذلك تأويله 137. وهو قول ابن مسعود وابن عبّاس والحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وغيرهم 138.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] .
والذين يعملون بما في كتاب الله، وأقاموا الصلاة بحدودها، ولم يضيّعوا أوقاتها، فإنّ الله لا يضيع أجر عملهم الصالح 139. والتعبير بقوله: {الْمُصْلِحِينَ} ، وما فيه من إشعارٍ بتعدّي صلاحهم في أنفسهم إلى إصلاحهم غيرهم؛ يصيّرنا إلى القول بأنّ تمسيكهم بالكتاب لم يقتصر على إمساكهم هم؛ بل مسّكوا به غيرهم نصحًا وأمرًا وتعليمًا وتفهيمًا، والله تعالى أعلم.
إنّ استقراء الآيات التي صرّحت بمقاصد إنزال القرآن الكريم لا يدع مدخلًا لمراءٍ، ولا تهوّكًا لهويٍّ: أنّ المراد بحفظ القرآن هو حفظ مبانيه ومعانيه والعمل بما فيه، وهاك طرفًا منها: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .
{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155] .
وحفظ العلم من حفظ القرآن، والعلماء الحقيقون باسمهم موصوفون بالعبودية ومعروفون بالخشية؛ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، قال ابن مسعود: «ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنّ العلم الخشية» 140. وقال: «كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار جهلًا» 141. وقال مسروق: «بحسب الرجل من العلم أن يخشى الله» 142. وعن يحيى بن أبي كثير قال: «العالم من خشي الله» 143. وقال الحسن: «العلم علمان: علمٌ على اللسان، فذاك حجّة الله على ابن آدم، وعلمٌ في القلب، فذاك العلم النافع» 144.
فالعلم ما أورث الخشية والتقوى، وكلّما ازداد المرء علمًا يجب أن يرى ذلك في عمله وتقواه؛ هذا هو الحفظ الحقّ، فإذا قام المرء بالعلم أورثه الله علم ما لم يعلم، ورزقه فهم ما يجمع؛ فالعمل بالعلم وتقوى الله والخشية تورث العلم والحفظ، يقول تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] .
نزع منها كثيرٌ من أهل العلم أنّ تقوى الله تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيّئ أرواحهم للتعليم؛ ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان 145. وقال عمر بن عبد العزيز: «إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا» 146. فالقيام بحقّ العلم بالعمل به وتعليمه يثبّته، والعلم يزكو على الإنفاق.
قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] .
واختلف القرّاء فقرأ المكيّان والمدنيان والبصريان (يعلمون) بفتح الياء وسكون العين وفتح اللام مخفّفة، من العلم أي: بعلمكم الكتاب. وقرأ ابن عامر والكوفيّون {تُعَلِّمُونَ} بضمّ التاء وفتح العين وكسر اللام مشدّدة 147: أي: بتعليمكم الناس الكتاب، ودراستكم إيّاه، فوصفهم بالتعليم متضمّنٌ وصفهم بالعلم؛ إذ لا يعلّمون إلا بعد علمهم بما يعلّمون، فلا موصوف بأنه يعلّم إلا وهو موصوفٌ بأنه عالم، وأما الموصوف بأنه عالم فغير موصوف بأنه معلّمٌ غيره، فهو أبلغ في مدح القوم بوصفهم بأنهم كانوا يعلمون الناس الكتاب 148.