فهرس الكتاب

الصفحة 2189 من 2431

ومن تلك الآيات أيضًا قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] .

فكما أنه سبحانه أحيا الأرض بعد موتها بالنبات، فكذلك يخرج الموتى من قبورهم، بعد ما كانوا رفاتًا متمزقين، وهذا استدلال واضحٌ بينٌ لكل ذي عقلٍ؛ فإنه لا فرق بين الأمرين 39.

قال ابن كثير: «أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميمًا يوم القيامة؛ ينزل الله تعالى ماءً من السماء؛ فتمطر الأرض أربعين يومًا؛ فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب» 40.

وهناك آياتٌ كثيرةٌ في كتاب الله عز وجل غير ما تلك الآيات السابقة فيها استدلال على قدرة الله عز وجل على بعث الناس بعد موتهم بقدرته سبحانه على إحياء الأرض الموات، والعبرة في ذلك أن العبد عليه أن يتبصر ويتفكر في مخلوقات الله عز وجل من حوله، ويتأمل في آياته سبحانه في خلق النبات والشجر من الأرض الميتة؛ ليعلم علم اليقين أن من قدر على ذلك قادرٌ سبحانه على إحياء الموتى من قبورهم، وما يعجزه ذلك؛ فهو سبحانه على كل شيء قدير.

وبعد هذه الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، التي لا تخفى إلا على من عمي بصره، ولا ينكرها إلا من عطل فكره، نعلم أنه من أعجب العجب قول منكري البعث سائلين منكرين: أإنا لفي خلق جديد؟! وكأنه لم تكن لهم أعين يبصرون بها قدرة الله عز وجل على الإحياء من حولهم، وكأنه لمن تكن لهم قلوبٌ تعي آيات الله عز وجل من حولهم {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} [الرعد: 5] .

والعجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، والخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم، ومعناه: إنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة، وتكذيبهم للبعث مع إقرارهم بابتداء الخلق فإن ذلك حقًا من العجائب؛ فإن الذي توضح له الآيات، ويرى من الأدلة القاطعة على البعث ما لا يقبل الشك والريب، ثم ينكر ذلك فإن قوله غاية العجب، وقيل: معنى الآية: وإن تعجب من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا عليك بأنك من الصادقين، فإن تكذيبهم بالبعث والنشور أعجب 41.

قال الزمخشري في معنى الآية: «وإن تعجب يا محمد من قولهم في إنكار البعث فقولهم عجيبٌ، حقيقٌ بأن يتعجب منه؛ لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة، ولم يعي بخلقهن، كانت الإعادة أهون شيءٍ عليه وأيسره؛ فكان إنكارهم أعجوبةٌ من الأعاجيب» 42.

وفي ختام هذا المبحث يتبين أن آيات الله عز وجل في النبات -كغيرها من آيات الله في جميع المخلوقات- تدل بوضوح، وتشهد بجلاء على أن لها خالقًا عظيمًا، مدبرًا حكيمًا، لا يعجزه شيء، ولا تخفى عليه خافية، وإن تلك الآيات لا يغفل عنها إلا من صرف بصره، وعطل عقله، وطمس فطرته، وأعرض عن آيات ربه عز وجل وبراهينه متعاليًا مستكبرًا؛ فأعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه؛ والمتدبر في تلك الآيات لا يجد مفرًا من الإقرار الجازم والاعتراف الصريح الحازم بوجود الله عز وجل ووحدانيته، واتصافه بكل صفات الجمال والكمال والجلال، وأنه سبحانه قادر على إحياء الموتى، ومحاسبهم على أعمالهم، تعالى ما أعظم ملكه، وما أعز سلطانه.

إن نعم الله عز وجل على عباده لا تعد ولا تحصى؛ فلقد أسبغ الله سبحانه على عباده نعمه الظاهرة والباطنة، وكلما تأمل العبد وتفكر في نعم المولى سبحانه زاد معرفة بعظمة تلك النعم، وزاد إيمانه بقول ربه جل وعلا: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] .

وأنى للعباد أن يحصوا تلك النعم، وفي كل قطرة ماء يشربونها نعمة، وفي كل نسمة هواء يستنشقونها نعمة، وفي أنفسهم وما حولهم من الكون نعمٌ ظاهرة وباطنة، {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] .

نعمٌ لا يعدها عادٌ، ولا يطيق إحصاؤها العباد، وقد امتن الرب سبحانه -في كثير من آيات الكتاب العزيز- على عباده بوفير نعمه عليهم، وذكرهم سبحانه بفضله، وحثهم على شكر تلك النعم، والقيام بحقها.

ولا شك أن النبات الذي يخرجه الله عز وجل من الأرض الميتة، ويجعله رزقًا للعباد من النعم العظمى، والعطايا الكبرى من المولى تعالى، فكم فيه من المنافع العظيمة، وكم فيه من الفوائد الجليلة، وكم فيه من الخيرات والبركات التي تعود على الخلق والعباد؛ لذا فقد كثرت في كتاب الله عز وجل الآيات التي تذكر العباد بنعمة النبات، وبما جعل الله عز وجل فيه للعباد من نعم ومنافع وخيرات، ومن تلك الآيات قوله تعالى في سياق تعداد نعمه على عباده: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 32 - 34] .

ولا شك بأن مظاهر نعم الله عز وجل في النبات كثيرة لا تحصى؛ فهي عديدة ومتنوعة، منها ما تم اكتشافه والتعرف عليه، ومنها ما هو غائب عن العباد لم يعرفوه بعد، و لذا لا يمكن أن يستوفى الحديث عن تلك النعم في وريقات قليلة، أو مطالب قصيرة؛ بل الأمر يحتاج إلى بحوث مطولة، ومؤلفات مطنبة، إلا أن الباحثين أشاروا في المطالب الآتية إلى بعض مظاهر النعيم في النبات، وذلك من خلال الاستشهاد بآيات الذكر الحكيم، وبعض أقوال أهل التفسير.

أولًا: النبات مصدر أساسي لغذاء الإنسان ورزقه:

إن من أعظم النعيم الذي جعله الله عز وجل في النبات أن الله عز وجل جعله المصدر الأساسي لطعام الإنسان وغذائه على هذه الأرض؛ إذا النبات هو الأساس في غذاء الإنسان، ومعظم ما يتغذى عليه البشر إنما هو من النباتات التي ينبتها الله سبحانه لعباده؛ فالحبوب بشتى أنواعها، والبقول بشتى أصنافها، والخضار بجميع أشكاله وألوانه، والفواكه كلها، كل ذلك من النبات، ومعلوم أن تلك الأغذية هي أساس طعام الإنسان، وعليها يعتمد في غذائه.

وكم لفت الخالق سبحانه أنظار عباده إلى نعمة الغذاء في النبات الذي أخرجه لهم، وبين لهم أنه قد جعل لهم في هذا النبات ما يأكلون.

ومن الآيات التي ذكرت ذلك قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس: 33 - 35] .

إن ذلك لمن آيات الله الباهرات، والتي فيها دلالة واضحة، وبرهانٌ بين ساطع على قدرة الخالق سبحانه، وعلى عظيم عطاياه لعباده؛ فهو سبحانه الذي أخرج الزرع والحب، وهو سبحانه الذي جعل الجنات وأصناف الفاكهة والثمار، وما ذاك كله إلا من رحمته تعالى بعباده، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم 43.

والملاحظ أن القرآن الكريم لم يقتصر على ذكر الفاكهة والثمار على وجه العموم والإجمال؛ بل ذكر أصنافًا وأنواعًا خاصة منها؛ فذكر الزيتون، والرمان، والنخيل، والعنب، والتين.

وذلك كما في قوله تعالى: {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11] .

وفي قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] .

ولا شك بأن تخصيص بعض النباتات والأشجار والثمار بالذكر دون غيرها فيه تنبيه على فضلها وعظيم نفعها.

لقد أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز أنه جعل من النبات جنات النخيل والأعناب، وبساتين الفاكهة والثمار، ومزارع الحبوب والخضار، وفي ذلك كله غذاء وطعام يتغذى عليه الإنسان ويتنعم به، ويطلب رزقه من خلاله.

قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} [المؤمنون: 18 - 20] .

يخبر سبحانه في هذه الآيات بأنه أنزل الماء من السماء، وأنشأ به جنات النخيل والأعناب، التي يتغذى عليها العباد، ويتفكهون بها، وقد خصت الآية ذكر الأعناب والنخيل دون غيرهما من الثمار لبيان فضل هاتين الشجرتين، قال الشوكاني: «واقتصر سبحانه على النخيل والأعناب لأنها الموجودة بالطائف والمدينة وما يتصل بذلك، وقيل: لأنها أشرف الأشجار ثمرةً، وأطيبها منفعةً وطعمًا ولذةً» 44.

وفي قوله تعالى: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي: تتغذون، أو المعنى: منها ترزقون، وتحصلون معاشكم، وذلك من خلال الفلاحة والزراعة، والتي هي من أبواب الرزق الوفير الذي جعله الله عز وجل لعباده 45.

وفي قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} إخبار عن شجرة الزيتون المباركة، والتي تنبت في أرض مباركة، وتنبت للعباد الصبغ والدهن، ومعنى ذلك أن من فوائد هذه الشجرة المباركة أنها تنبت ثمرة فيها الزيت الذي هو صبغ وطعام وإدام يأتدمون به، ويأكلون منه، ويدهنون ويصطبغون به 46.

ومن رحمة الله عز وجل وفضله على عباده أن جعل النباتات مختلفة متنوعة؛ منها الخضار، ومنها الحبوب، ومنها الفاكهة والثمار، منها ما يؤكل مباشرة دون طهي، ومنها ما يحتاج لطهي، منا الحلو، ومنها المالح والحامض، منها الرطب اللين، ومنها الجاف واليابس، منها ما يؤكل كطعام أساسي، ومنها ما يؤكل للتفكه، وإن من النبات أصنافًا لم يتعرف عليها الإنسان بعد، ولم يدرك قدر نفعها وقيمة التغذي عليها؛ فأصناف النبات عظيمة، ومنافعها جليلة، وقد أخبر الله سبحانه بأنه أخرج للعباد نبات كل شيء، قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 99] .

فهذه الآية شملت جميع ما أخرجه الله عز وجل من نباتات متنوعة.

والإنسان يحتاج في غذائه إلى التنوع، ولا يمكن أن يقتصر في غذائه على صنف واحدٍ من الطعام، أو على نوع واحدٍ من النبات أو الثمار؛ بل يحتاج لأنواع الخضار، والفاكهة، والنباتات، فجسم الإنسان يحتاج إلى البروتين اللازم لبناء الأنسجة، وتعويض التالف منها، ويحتاج للكربوهيدرات والدهون اللازمة لتوليد الطاقة الحرارية للحركة والنشاط، ويحتاج للفيتامينات الضرورية لنمو العضلات، وقوة الإبصار، وقوة الغضاريف والأربطة ومرونتها، ويحتاج إلى الأملاح المعدنية، اللازمة لتكوين العظام والأسنان، وكل تلك المغذيات متوفرة في أصناف النباتات، وأنواع الزروع والثمار.

وفضلًا عن ذلك فإن الفواكه والخضروات تمتاز بنكهتها اللطيفة، وألوانها الجذابة، وتحوي الفواكه على نسب متفاوتة من السكر، كما تحوي على نسب عالية من الماء، وتمتاز الفواكه بأنها مصدر مهم للألياف غير القابلة للهضم، والتي تساعد على تنظيم سير الكتلة الغذائية المتبقية بعد الهضم في الأمعاء الغليظة، وطرحها إلى الخارج 47، فسبحان من جعل في تركيب النبات عناصر تتوافق مع حاجات جسم الإنسان، بنسب معينة، ومقادير محددة، وسبحان من جعل في النبات الغذاء الكامل للإنسان 48.

وقد أباح الله عز وجل لعباده أن يأكلوا مما أنبت لهم من النبات، ومما أخرج لهم من الأرض من أصناف الفاكهة والحبوب والثمار؛ بل إنه سبحانه أمرهم بذلك أمر إباحة وتحليل.

قال تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} [الأنعام: 141] .

وأمرهم بأن يأكلوا مما رزقهم حلالًا طيبًا فقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] .

فهذا أمرٌ من الله عز وجل لعباده بأن يأكلوا من رزقه، وبأن يشكروا نعمه التي أنعم عليهم، قال ابن كثير: «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب، وبشكره على ذلك؛ فإنه المنعم المتفضل به ابتداءً، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له» 49.

وكما أن النبات غذاء للإنسان فهو أيضًا غذاء للحيوانات والطيور؛ فالحيوان يأكل النبات ويتغذى عليه، وكذلك أمم من الطيور لا يحصيها إلا خالقها لا تتغذى إلا على النبات، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، قال الله سبحانه {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] .

ولا شك بأن تغذي الحيوانات والأنعام على النبات يعود بالنفع على الإنسان؛ إذ إن الإنسان يتغذى على تلك الأنعام، وينتفع من لبنها، وأصوافها، وأشعارها، وجلودها، ولذا فقد امتن الله سبحانه على عباده بأن جعل لهم من النبات ما يسيمون أنعامهم فيه، ويرعون.

قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] .

وبهذا فإن من مظاهر النعم في النبات أن جعله الله عز وجل غذاءً للحيوان والأنعام، ثم يعود نفعها على الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه، فلله الحمد والشكر.

وفضلًا على أن النبات مصدر غذاء الإنسان فهو أيضًا مصدر للصحة والدواء والعلاج؛ فكم من دواء جعله الله عز وجل في أصناف النبات، وكم من علاج وشفاء وضعه الله عز وجل في النبات، ولقد اكتشف علماء الطب والتغذية الكثير من الأدوية والعلاجات الموجودة في النبات والثمار، ويكفي الإشارة هنا إلى أن العسل الذي ينتجه النحل إنما أصله من النبات والثمار؛ حيث إن النحل يتغذى على النبات فقط، كما ألهما ربها عز وجل 50؛ فلقد أوحى الله سبحانه إلى النحل أن تتخذ من الجبال والأشجار بيوتًا، وأن تأكل من كل الثمرات؛ ليخرج من بطونها ذلك الشراب المبارك، الذي فيه غذاءٌ، وشفاءٌ، ودواءٌ للعالمين.

قال الله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 68 - 69] .

والنباتات التي تدخل في علاج الإنسان وغذائه كثيرة لا تعد ولا تحصى، وعلى العباد أن يجتهدوا في معرفة الفوائد والمنافع التي أودعها الخالق سبحانه فيما خلق من نبات وزروع وثمار.

ومما لا ينبغي أن يغفل عنه أن النفع المادي للنبات لا يقتصر على كون النبات مصدر للطعام والغذاء والدواء فقط؛ بل يجب أن ينظر إلى النبات على أنه رزق 51 من الله عز وجل لخلقه وعباده، بكل ما تحمله كلمة رزق من دلالات، وقد أخبر الله عز وجل بذلك في غير آية من الكتاب العزيز.

من ذلك قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة: 22] .

وقوله عز وجل: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 9 - 11] .

فلقد وصف الله عز وجل ما يخرجه للعباد من ثمرات بأنه رزق لهم، وفي آيات عدة استعمل القرآن الكريم لفظ الرزق للدلالة على الغيث الذي ينزله الله عز وجل من السماء، وينبت به الزرع والثمار للعباد 52.

من ذلك قوله تعالى: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5] .

وكذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13] .

فقد سمى الله عز وجل ما ينزله من السماء من غيث رزقًا للعباد؛ وذلك لأنه بهذا الغيث تحيى الأرض، وينبت النبات والشجر، وتخرج الحبوب والثمار، ويحصل الرزق للعباد.

ويفهم من هذه الآيات أن النبات هو المصدر الأول لرزق الإنسان على الأرض، وهو مورد النعم المباشرة وغير المباشرة، وهو من أعظم طرق الكسب المشروع، وعلى العباد أن يشكروا من خلق لهم النبات، وجعل فيه الغذاء والدواء، وجعله رزقًا وافرًا للعباد، فسبحان الخالق، وتبارك المنعم 53.

ثانيًا: النبات من مصادر الإبهاج والإسعاد:

إن مظاهر النعم التي أودعها الله عز وجل في النبات لا تقتصر على كون النبات مصدر أساسي لرزق الإنسان وغذائه ودوائه؛ بل إن تلك المظاهر أجل من ذلك وأعظم، فهناك وجوه أخرى للنعيم جعلها الخالق المصور سبحانه في النباتات؛ فمن ذلك مظهرها الجميل، وشكلها البهيج، وصورتها البديعة، تنشرح لرؤيتها الصدور، وتدخل على النفس السرور؛ تتمتع بها الأعين، وتسر بها النفوس، وتسعد بها القلوب، تعجب المتأملين، وتسر الناظرين، فيها الخضرة المبهجة، وفيها الأزهار الزاهية، وفيها الثمار اليانعة، ومنها الرياحين الفواحة، والورود الزاهية، ومنها جنات معروشات وغير معروشات، وحدائق ذات بهجة وسرور، وكل هذا من مظاهر النعيم في النبات، فسبحان من خلقها، وتبارك من زينها وصورها.

قال الله عز وجل ممتنًا على عباده، ومذكرًا لهم ببعض مظاهر النعيم فيما خلق لهم من النباتات: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] .

فالمولى سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل الماء للعباد، فأنبت به الحدائق ذات الحسن والبهاء والجمال، والتي تبهج من رآها، وتدخل السرور إلى قلب من شاهدها، وهذا من فضله سبحانه على عباده 54.

وفي موضع آخر من الكتاب العزيز يلفت الخالق سبحانه أنظار عباده إلى ما ينبت لهم من نبات بهيج؛ ليتفكروا في آيات ربهم، وليعلموا عظيم نعمه، وجزيل فضله سبحانه عليهم.

قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] .

وقال سبحانه في موضع آخر: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 7 - 8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت