فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 2431

وهؤلاء قال تعالى عنهم: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) } [التوبة:83] .

يقول تعالى آمرًا لرسوله صلى الله عليه وسلم، {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} أي: ردك الله من غزوتك هذه {إلى طائفة منهم} قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} أي: معك إلى غزوة أخرى {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} أي: تعزيرًا لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهذا كقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110] 154.

وقوله تعالى: {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} يعني: مع المتخلفين من النساء والصبيان، وقيل: مع المرضى والزمنى، وقال ابن عباس رضي الله عنه: مع الذين تخلفوا بغير عذر، وقيل: مع المخالفين يقال: صاحب خالف إذا كان مخالفًا كثير الخلاف.

وفي الآية دليل على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه وخداع وبدعة يجب الانقطاع عنه وترك مصاحبته؛ لأن الله سبحانه وتعالى منع المنافقين من الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم؛ لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات 155.

ثالثًا: السفر:

في السفر ترك للبيوت، قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) } [النساء:101] .

والضرب في الأرض هو السفر، قال الله تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل:20] 156.

قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن قائل: لا بد أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ويحيى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} .

ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحًا، لقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:3] .

كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره، وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة 157.

وهناك أسفار فيها ترك البيوت ابتغاء مرضات الله تعالى يمكن ذكرها بإيجاز فيما يأتي:

أولًا: سفر العلم، وهو مشهور لدى العلماء؛ لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة 158.

ثانيًا: سفر الحج والعمرة، وسفر الحج واجب على المستطيع، وهو من فروض العين 159، وسفر العمرة مندوب 160.

ثالثًا: سفر الكسب والمعاش: فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة، فيخرج في طلبه لا يزيد عليه، ولا ينقص من صيد أو احتطاب أو احتشاش أو استئجار، وهو فرض عليه 161، وهو جائز إذا أراد التوسع بأكثر مما هو فيه، وواجب إذا كان محتاجًا له لنفسه أو لمن يعوله 162.

رابعًا: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198] . أي: التجارة في البيع والشراء 163، يعني التجارة، وهي نعمة من الله بها في سفر الحج، فكيف إذا انفردت 164.

خامسًا: سفر الزيارة: وسفر الزيارة إما يكون للإخوان في الله 165.

ومن الترغيب فيه روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلًا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مدرجته، ملكًا فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) 166167.

ومنه قصد البقاع الكريمة، وهو مطلوب لثلاث أمكان، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى) 168169.

-هناك آداب لدخول البيوت سواء أكانت بيوت الله تعالى، أو بيوت النبي صلى الله عليه وسلم أو بيوت سائر المخلوقات من الإنس والجن، كما سيأتي توضيح ذلك في المطالب الآتية:

أولًا: آداب بيوت الله تعالى:

1.يستحب لدخول بيوت الله تعالى الطهارة، وأخذ الزينة عند كل مسجد.

قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) } [الأعراف:31] 170.

قال الزمخشري: « {خُذُوا زِينَتَكُمْ} أي: ريشكم ولباس زينتكم عند كل مسجد، كلما صليتم أو طفتم، وكانوا يطوفون عراة، وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج، وإنما كان أحدكم يطوف عريانًا ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه، ضرب وانتزعت عنه؛ لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها» 171.

وقال أبو حيان: «والذي يظهر أن الزينة هو ما يتجمل به ويتزين عند الصلاة، ولا يدخل فيه ما يستر العورة؛ لأن ذلك مأمور به مطلقًا» 172.

أما الطهارة: فإنها من آداب دخول بيوت الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة) 173، ما لم يكن الدخول للصلاة أو الطواف بالبيت الحرام، فإنها تكون واجبة.

2.التيمن في دخول المسجد.

من آداب دخول بيوت الله تعالى أن يدخل على السنة الواردة في دخولها، فقد أخرج البخاري في ذلك قوله: «وكان ابن عمر رضي الله عنه - عند دخول المسجد - يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى، فيه: عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره، وترجله، وتنعله) » 174.

3.الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه.

عن أبي حميد، أو عن أبي أسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك) 175.

4.تحية المسجد.

يستحب لداخل بيوت الله تعالى أن يركع ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس، وذلك لما رواه أبو قتادة السلمي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) 176.

والقول بذلك هو مذهب الشافعي وأحمد والجمهور، وذهب قوم مالك والثوري وأصحاب الرأي إلى أنه يجلس ولا يصلي 177، والراجح هو مذهب الجمهور لحديث أبي قتادة السابق فهو نص في المسألة.

أما تحية المسجد الحرام فقد ذكر ابن القيم أن تحية المسجد الحرام الطواف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بدأ فيه بالطواف 178، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس، إذ التحية إنما تشرع لمن جلس، والداخل إلى المسجد الحرام يبدأ بالطواف، ثم يصلي صلاة المقام، فلا يجلس إلا وقد صلى، فأما لو دخل المسجد الحرام، وأراد القعود قبل الطواف، فإنه يشرع له أن يصلي التحية 179.

والطواف بالبيت ورد في قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) } [الحج:29] .

ومما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم من أن الطواف هو تحية المسجد الحرام ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله عز وجل قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير) 180.

5.عدم رفع الصوت في المسجد.

من آداب دخول بيوت الله تعالى: عدم رفع الصوت في المسجد بغير الذكر، فقد ورد ما يدل على كراهة ذلك فيما رواه السائب بن يزيد رضي الله عنه، قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما- أو من أين أنتما؟ - قالا: من أهل الطائف، قال: (لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم) 181.

وفيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) 182.

6.المحافظة على نظافة المسجد.

إن المحافظة على نظافة بيوت الله تعالى من البصاق والروائح الكريهة وغيرها من آداب الداخل إليها؛ لما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) 183.

وكذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر: (من أكل من هذه الشجرة -يعني: الثوم- فلا يقربن مسجدنا) 184.

ثانيًا: آداب دخول بيت النبوة:

ذكر الله تعالى آداب دخول بيت النبوة في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) } [الأحزاب:53] .

وهذه الآداب يمكن إجمالها فيما يأتي:

1.النهي عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا كانت الدعوة لطعام غير منتظرين إدراكه ونضجه.

والمعنى: أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت نبيه صلى الله عليه وسلم إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه فلا تدخلوا البيت إلا إذا علمتم أن الطعام قد تم نضجه، وانتهى إعداده، إذ قبل ذلك يكون أهل البيت في شغل عنكم، وقد يلبسن ثياب البذلة والعمل فلا يحسن أن ترونهن وهن على هذه الحال، إلى أنه ربما بدا من إحداهن ما لا يحل النظر إليه 185.

2.الانتشار بعد الطعام.

والمعنى: ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} أي: ولكن إذا دعاكم الرسول صلى الله عليه وسلم فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم إلى أكله فتفرقوا واخرجوا ولا تمكثوا فيه لتتبادلوا ألوان الحديث وفنونه المختلفة.

وعلة ذلك {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} أي: إن ذلك اللبث والاستئناس والدخول على هذا الوجه كان يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يمنعه من قضاء بعض حاجاته، إلى ما فيه من تضييق المنزل على أهله، لكنه كان يستحيي من إخراجكم ومنعكم مما يؤذيه، والله لم يترك الحق وأمركم بالخروج.

وفي هذا إيماء إلى أن اللبث يحرم على المدعو إلى طعام بعد أن يطعم إذا كان في ذلك أذى لرب البيت، ولو كان البيت غير بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فالتثقيل مذموم في كل مكان، محتقر لدى كل إنسان 186.

3.سؤال نساء النبي متاعًا من وراء حجاب.

فإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج، شيئًا تتمتعون به من ماعون وغيره فاطلبوا منهن ذلك من وراء ستر بينكم وبينهن.

{ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أي: ذلك الدخول بالإذن وعدم الاستئناس للأحاديث أطهر لقلوبكم وقلوبهن من وساوس الشيطان والريب؛ لأن العين رسول القلب، فإذا لم تر العين لم يشته القلب، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة 187.

ثالثًا: آداب بيوت سائر المخلوقات:

هناك آداب في دخول بيوت المخلوقين من الإنس والجن:

1.أن يكون الدخول على سنة الإسلام، وهو الإتيان من أبواب البيوت لا من ظهورها.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) } [البقرة:189] .

فقد كان قوم من قريش وجماعة معهم من العرب إذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يقضها ولم تتيسر له رجع، فلم يدخل من باب بيته سنة، يفعل ذلك تطيرًا، فأعلمهم الله عز وجل أن ذلك غير بر، أي: الإقامة على الوفاء بهذه السنة ليس ببر، وقال الأكثر من أهل التفسير: إنهم الحمس، وهم قوم من قريش، وبنو عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة، كانوا إذا أحرموا لا يأقطون الأقط، ولا ينفون الوبر ولا يسلون السمن، وإذا خرج أحدهم من الإحرام لم يدخل من باب بيته، وإنما سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا.

وأعلمهم أن البر التقي، فقال: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} والمعنى: ولكن البر بر من اتقى مخالفة أمر الله عز وجل، فقال: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} فأمرهم الله بترك سنة الجاهلية في هذه الحماسة 188، ومن ثم أصبح إتيان البيوت من أبوابها هو السنة والأدب الذي ينبغي في إتيانها.

2.الاستئذان.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [النور:27] .

ففي الآية هذه آداب شرعية، أدب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان فقد أمرهم أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول، ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف 189.

{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27] .

يقول: استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله، خير لكم؛ لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن، على ماذا تهجمون؟ على ما يسوؤكم أو يسركم؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا على ما تكرهون، وأديتم بذلك أيضًا حق الله عليكم في الاستئذان والسلام، وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول: لتتذكروا بفعلكم ذلك أوامر الله عليكم، واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه 190.

3.السلام.

فمن دخل دارًا وجب عليه أن يسلم على الحاضرين، قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور:61] .

ويدل على وجوب السلام ما يأتي:

الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27] .

ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفشوا السلام بينكم) والأمر للوجوب 191.

الثاني: أن من دخل على إنسان كان كالطالب له، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر، فإذا قال: السلام عليك، فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة، قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه) 192 فوجب أن يكون السلام واجبًا، الثالث: أن السلام من شعائر أهل الإسلام، وإظهار شعائر الإسلام واجب، وأما المشهور فهو أن السلام سنة، وهو قول ابن عباس والنخعي 193.

والسلام واجب في دخول عموم البيوت قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور:61] .

فيجب السلام عند الدخول على الأهل والأقارب في البيوت المسكونة، وكذا غير المسكونة، فيسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وكذا المساجد، فيسلم على من كان فيها، فإن لم يكن في المساجد أحد، فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله إبراهيم النخعي والحسن البصري عن آية: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} أراد: المساجد 194.

قال ابن العربي: «القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص» 195، «وبيانه أن الله سبحانه قال في الآية الأولى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27] .

فنص على بيوت الغير، ثم قال في هذه الآية الثانية: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور:61] .

أي: ليسلم بعضكم على بعض، وأطلق القول؛ لأنه قد بين الحكم في بيوت الغير، ليدخل تحت هذا العموم كل بيت، كان للغير أو لنفسه، وقال: {عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور:61] .

ليتناول اللفظ سلام المرء على عينه، وليأخذ المعنى سلام الناس بعضهم على بعض، فإذا دخل بيتًا لغيره استأذن، وإن دخل بيتًا لنفسه سلم، كما ورد في الحديث يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ؛ قاله ابن عمر، وهذا إذا كان فارغًا.

فأما إذا كان فيه أهله وعياله وخدمه فليقل: السلام عليكم، فإنهم أهل للتحية منه، وإن كان مسجدًا فليقل كما جاء في الحديث: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) 196، وعليه حمل ابن عمر البيت الفارغ.

والذي اختاره إذا كان البيت فارغًا أنه لا يلزم السلام، فإنه إذا كان المقصود الملك فالملائكة لا تفارق العبد بحال، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله» 197.

وقال الطبري: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال معناه: فإذا دخلتم بيوتًا من بيوت المسلمين، فليسلم بعضكم على بعض، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن الله جل ثناؤه قال: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} ولم يخصص من ذلك بيتًا دون بيت، وقال: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} يعني: بعضكم على بعض، فكان معلومًا إذ لم يخصص ذلك على بعض البيوت دون بعض، أنه معني به جميعها، مساجدها وغير مساجدها، وقوله: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، بمعنى: تحيون أنفسكم تحية من عند الله السلام تحية فكأنه قال: فليحي بعضكم بعضًا تحية من عند الله، ووصف جل ثناؤه هذه التحية المباركة الطيبة لما فيها من الأجر الجزيل والثواب العظيم» 198.

4.دعاء دخول البيت.

ومن آداب دخول البيت: أن يقول الداخل الدعاء الوراد في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله) 199.

5.السواك.

فعن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: سألت عائشة، قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: (بالسواك) 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت