فهرس الكتاب

الصفحة 1921 من 2431

وعن ابن عباس: تقدير الإطعام أن يُقَوَّمَ الجزاء من النعم بقيمته دراهم، ثم تُقَوَّمَ الدراهم طعامًا، وأما عدد المساكين فهو ملازم لعدد الأمداد، قال مالك: «أحسن ما سمعت فيه أنه يقوم الصيد الذي أصاب وينظر كم ثمن ذلك من الطعام، فيطعم مدًّا لكل مسكين، والأحسن أن ذلك موكول إلى الحكمين» 37 38.

وقوله تعالى: (أَوْ عَدْلُ ذَ?لِكَ صِيَامًا) ، أي: عليه مثل ذلك الطعام صيامًا يصومه، وأجملت الآية الصيام كما أجملت الطعام، وهو موكول إلى حكم الحكمين، وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل مدَّين من الطعام يومًا.

وقال مالك والشافعي: يصوم عن كل مدٍّ يومًا، واختلفوا في أقصى ما يصام، فقال مالك والجمهور: لا ينقص عن أعداد الأمداد أياما ولو تجاوز شهرين، وقال بعض أهل العلم: لا يزيد على شهرين؛ لأن ذلك أعلى الكفارات، وعن ابن عباس: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة 39.

و (أَوْ) ، في قوله تعالى: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَ?لِكَ صِيَامًا) ، هو تخيير فيما يجبر به هذا الذنب، ويقع كفارة له، فالكفارة إما أن تكون هديًا يساق إلى الكعبة، أي: البيت الحرام، مقدرًا قيمته بقيمة الحيوان الذي قتل، وإما أن يكون بإطعام مساكين بقدر هذه القيمة، وإما بصيام يعدل ما كان يمكن أن يطعم من مساكين، من قيمة هذا الصيد المقتول، والقول بالتخيير هو قول الجمهور، ثم قيل: الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين، وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير، وقيل: الخيار للحكمين 40.

وقوله تعالى: (لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) ، الوبال: هو الشيء الثقيل الذي يخاف ضرره وعاقبتة، وسمي وبالًا؛ لأن الإنسان حين يدفع من ماله ثمن شراء المثل لما قتل سيعز عليه ماله، وأيضًا إن أطعم مساكين فهو سيشتري الطعام بمال يعز عليه، وكذلك يسبب له الصيام الإرهاق، إن هذا اللون من الكفارة يذيق الإنسان وبال ما فعل، وأراد الحق بذلك ألا يجعل الإحساس مجرد أمر شكلي، أو أن تظل الإساءة أمرًا شكليًّا، وشاء سبحانه أن يرتب النفع للإحسان والضر للإساءة، حتى تستقيم الأمور في الكون 41.

وقوله تعالى: (? عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ?) ، أي: من قتل الصيد قبل التحريم، (وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ?) ، أي: ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم فينتقم الله منه في الآخرة، (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) ، أي: غالب في أمره منتقم ممن عصاه 42.

وأجمع العلماء على وجوب الجزاء في قتل الصيد.

وذلك لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ? وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَ?لِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ? عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ? وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [المائدة: 95] .

واختلفوا في قتل الصيد خطأً هل فيه جزاء أم لا؟ فالجمهور على أن فيه الجزاء، وقيل: لا جزاء عليه 43.

من الكفارات التي ذكرها القرآن الكريم في العبادات كفارة حلق الرأس للمحرم.

قال سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) } [البقرة: 196] .

أمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة لمن بدأ بالشروع فيهما، {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} ، أي: صُدِدْتُمْ عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما، بمرض أو عدو ونحوهما، {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي، فليصم بدله عشرة أيام كما سيأتي في المتمتع ثم يحل 44.

وقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} .

بينت الآية أن المتمتع إذا ساق الهدي، لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة، أحرم بالحج، ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك، لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له، والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك ما يجزئ في أضحية، فهو مخير.

والنسك أفضل، فالصدقة، فالصيام، ومثل هذا، كل ما كان في معنى ذلك، من تقليم الأظفار، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة، مع وجوب الفدية المذكورة؛ لأن القصد من الجميع إزالة ما به يَتَرَفَّهُ، وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك.

فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: (كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال:(ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة) ؟ قلت: لا، فنزلت الآية: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، قال: (هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين) 45 46.

وقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196] .

بينت الآية حكم المتمتع، وهو الذي أحرم بالعمرة في وقت الحج، ثم تحلل من الإحرام واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرهما فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل الشروع في الحج، ومثلها القران لحصول النسكين له.

فمن لم يجد الهدي أو ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت بمنى، ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع، والثامن، والتاسع، {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} ، أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله 47.

ثم بين سبحانه أن التمتع بالعمرة مضمومة إلى وقت الإحرام بالحج وما يتبعه من الأحكام خاصٌّ بالآفاقيين دون أهل الحرم.

قال تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، أي: إن أهل الآفاق هم الذين يحتاجون إلى هذا التمتع، لما يلحقهم من المشقة بالسفر إلى الحج وحده، ثم السفر إلى العمرة وحدها، أما أهل الحرم فليسوا في حاجة إلى ذلك، فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، أي: اخشوا الله وحافظوا على امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه، واحذروا أن تعتدوا في ذلك، واعلموا أنه تعالى شديد العقاب لمن انتهك حرماته، وركب معاصيه 48.

وأجمع الفقهاء على وجوب الكفارة على من حلق رأسه كله وهو محرم، وهي على التخيير من صيام أو صدقة أو نسك 49.

ثانيًا: كفارة اليمين:

ذكر القرآن الكريم كفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها وهي منعقدة.

قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) } [المائدة: 89] .

بينت الآية أن الله تعالى لا يؤاخذكم بالأيمان التي تحلفونها بلا قصد، كما يقول الرجل في كلامه بدون قصد لا والله، وبلى والله، فلا مؤاخذة على مثل هذه بكفارة في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة، {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ، أي: ولكن يؤاخذكم باليمين المقصودة، التي يعقدها القلب ويقصدها ويتعمدها، إذا أنتم حنثنم فيها، قال مالك: «أحسن ما سمعت في هذا، أن اللغو حلف الإنسان على الشيء، يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك فهو اللغو» .

وقال مالك: «وعقد اليمين، أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير، ثم يبيعه بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه، ونحو هذا، فهذا الذي يكفر صاحبه عن يمينه، وليس في اللغو كفارة» ، وقال مالك: «فأما الذي يحلف على الشيء، وهو يعلم أنه آثم، ويحلف على الكذب، وهو يعلم، ليرضي به أحدًا، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه، أو ليقطع به مالًا، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة» 50 51.

وقوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ، أي: إطعام عشرة مساكين، وجبة واحدة لكل منهم من الطعام الغالب الذي يأكله أهلوكم في بيوتكم، وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير، وأن الأمر مبني على التخفيف.

ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل؛ لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير، والإطعام قد لا يحتمل ذلك، وقدره الحنفية بما يجب في صدقة الفطر، نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو تمر، وقدره مالك مدٌّ لكل مسكين إن كان بالمدينة، وقدره الشافعية بمد لكل مسكين، وأجاز أبو حنيفة إطعام مسكين واحد عشرة أيام.

واشترط الفقهاء أن يكون العشرة المساكين من المسلمين، وجوز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة، وتجب كفارة الإطعام على المستطيع، ولا يجوز أن يطعم غنيًّا ولا ذا رحم تلزمه نفقته 52.

وأما الكسوة: فهي اللباس، وهي فوق الإطعام ودون العتق، ولم يقل فيها مما تكسون أهليكم أو من أوسطه، فيجزئ إذن كل ما يسمى كسوة، وأدناه ما يلبسه المساكين عادة، وهى تختلف باختلاف البلاد والأزمنة كالطعام، يدفع لكل مسكين ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلًا أو امرأه كل بحسبه، وقيل غير ذلك، وأقل الكسوة القميص مع السروال 53.

وأما تحرير الرقبة: فهي إعتاق رقيق، وغلب استعمال الرقبة في المملوك والأسير، وقد يعبر أحيانًا عن ذلك بفك الرقبة، كقوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ (13) } [البلد: 13] .

ولا يشترط أبو حنيفة أن تكون الرقبة مؤمنة، فيجزئ عنده عتق الكافرة، واشترط الجمهور أن تكون الرقبة مؤمنة، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} ، أي: فمن لم يستطع واحدًا من الثلاثة المتقدمة فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات، واشترط التتابع الحنفية والحنابلة، فإن عجز عن ذلك لمرض، صام عند القدرة، فإن لم يقدر يرجى له عفو الله ورحمته إذا صحت نيته وصدقت عزيمته 54.

ثم إن هذه الثلاثة التي خير الله الناس فيها مترتبة على طريقة الترقي، فالإطعام أدناها، والكسوة أوسطها، والإعتاق أعلاها، {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} ، بالله أو بأحد أسمائه وحنثتم، أو أردتم الحنث باليمين، {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} ، فلا تبذلوها في أتفه الأمور وأحقرها، ولا تكثروا من الأيمان الصادقة، فضلًا عن الأيمان الكاذبة.

قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهُ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] .

وإذا حلفتم فلا تنسوا ما حلفتم عليه ولا تحنثوا فيه إلا لضرورة تعرض، أو مصلحة تجعل الحنث رابحًا.

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، أي: وعلى هذا النحو الشافي الوافي يبين الله لكم أعلام شريعته وأحكام دينه، ليعدكم ويؤهلكم بذلك 55.

ولا ينعقد اليمين إلا باسم الله تعالى أو بصفة من صفاته، فمن حلف باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته ولم يبر بيمينه فعليه الكفارة، ومن حلف بغير ذلك فهو آثم؛ لأنه عظم المخلوق به وهو غير معظم تعظيم من يحلف به، ولهذا فلا كفارة عليه إهانة للمحلوف به، روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر رضي الله عنهما وهو يسير في ركب ويحلف بأبيه، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) 56 57.

واتفق الفقهاء في وجوب كفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها، على التخيير بين الإطعام وبين الكسوة وتحرير الرقبة، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام، ثم اختلفوا هل يجب التتابع في الصوم؟ فقال أبو حنيفة وأحمد: يجب، وقال مالك والشافعي: لا يجب، وهو الأصح 58.

ثالثًا: كفارة الظهار:

ومن الكفارات التي ذكرت في القرآن حفاظًا على الأسرة، ولمنع الظلم عن المرأة كفارة الظهار.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة:3 - 4] .

بينت الآية أن المظاهر من زوجته يحرم عليه وطؤها، وإذا عزم على إصابتها وإمساكها فقد وجبت عليه الكفارة، وهي تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: أي رقبة كانت، {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ، المراد بالتماس هنا: الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفر، وقيل: المراد به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو النظر إلى الفرج بشهوة، وبه قال الحنفية ومالك، وهو أحد قولي الشافعي، {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} ، أي: ذلكم الحكم، أو ذلكم التغليظ توعظون به؛ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فهو مجازيكم عليها 59.

ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة، فقال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ، أي: فمن لم يجد الرقبة في ملكه ولم يتمكن من قيمتها، فعليه صيام شهرين متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر يستأنف إن كان الإفطار لغير عذر، وإن كان لعذر من سفر أو مرض، فقال أبو حنيفة: إنه يستأنف، وهو مروي عن الشافعي، وقال مالك والشافعي: يبني ولا يستأنف، وهو أصح، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا وطئ ليلًا أو نهارًا عمدًا أو خطأ استأنف، وقال الشافعي: لا يستأنف إذا وطئ ليلا؛ لأنه ليس محلا للصوم، وهو أصح 60.

وقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ، أي: فإن عجز عن الصوم، لمرض، أو كبر، أو فرط شهوة لا تمكنه من الصبر على الجماع، يجب عليه إطعام ستين مسكينًا، كلُّ مسكين مدٌّ من غالب قوت البلد من حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة أو تمر، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لكل مسكين مدان، وهما نصف صاع، وأجاز أبو حنيفة دفع الستين صاعًا لمسكين واحد، ولم يجزئ ذلك عند الجمهور لظاهر الآية، والظاهر من الآية أنه يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم وبعضهم في يوم آخر 61.

وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، أي: ذلك الذي وصفناه من التغليظ في الكفارة لتكونوا مطيعين لله تعالى، واقفين عند حدود الشرع لا تتعدونها، لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر شرعًا وزور وبهتان؛ لأنه يؤدي إلى انفصام عرى الزوجية، والشرع حريص كل الحرص عليها، وسمى التكفير إيمانًا، لأنه طاعة، وتلك حدود الله التي تبين معصيته من طاعته، فالظهار معصية بلا شك، والكفارة له طاعة، وللكافرين بأحكام الشرع عذاب أليم في جهنم، {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} ، فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة، {وَلِلْكَافِرِينَ} ، الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يعملون بما حده الله لعباده وسماه كفرًا تغليظًا وتشديدًا، {عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، هو عذاب جهنم 62.

واتفق الفقهاء على أنه إذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، فإنه مظاهر لا يحل له وطؤها حتى يقدم الكفارة، وهي عتق رقبة إن وجد، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا 63.

رابعًا: كفارة القتل:

ومن الكفارات التي نص عليها القرآن الكريم كفارة القتل الخطأ.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) } [النساء: 92] .

أخبر الله تعالى أنه ليس من شأن المؤمن ولا من خلقه أن يقتل أحدًا من المؤمنين، إذ

الإيمان وهو صاحب السلطان على النفس، والحاكم على الإرادة، والمصرف لها يمنعه أن يجترح هذه الكبيرة عمدًا، لكنه قد يفعل ذلك خطأ، والخطأ ما لا يقارنه قصد إلى الفعل أو الشخص أو لا يقصد به زهوق الروح غالبًا، فهذا هو الاحتمال الوحيد في الحس الإسلامي، وهو الاحتمال الحقيقي في الواقع، فإن وجود مسلم إلى جوار مسلم مسألة كبيرة، ونعمة عظيمة، ومن العسير تصور أن يقدم مسلم على إزالة هذه النعمة عن نفسه والإقدام على هذه الكبيرة عن عمد وقصد 64.

وقد ذكرت الآية ثلاث حالات من القتل الخطأ وهي:

الحالة الأولى: أن يقع القتل على مؤمن أهله مؤمنون في دار الإسلام.

قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} يعني: ويجب في هذه الحالة تحرير رقبة مؤمنة، ودية تسلم إلى أهله، فأما تحرير الرقبة المؤمنة، فهو تعويض للمجتمع المسلم عن قتل نفس مؤمنة باستحياء نفس مؤمنة، وهي في مال القاتل، وأما الدية فتسكين لثائرة النفوس، وشراء لخواطر المفجوعين، وتعويض لهم عن بعض ما فقدوا من نفع المقتول، والدية: هي المال الواجب بالجناية على الحر في النفس أو فيما دونها ويعطى إلى ورثة المقتول عوضا عن دمه {مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضى منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثٌ فهي لبيت المال؛ لأن المسلمين يقومون مقام الورثة، وقد بينتها السنة وحددتها على الوجه الذي كان مقبولا عند العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت