أولًا: المعنى اللغوي:
(ذ ك ر) الذال والكاف والراء أصلان، عنهما يتفرع كلم الباب.
فالأصل الأول: الذكر (بالفتح) : خلاف الأنثى، والأصل الآخر: الذكر (بالكسر) : الحفظ للشيء، تذكره، والذكر: جري الشيء على اللسان، وذكرت الشيء: خلاف نسيته، ثم حمل عليه الذكر باللسان، ويقولون: اجعله منك على ذكرٍ، بضم الذال، أي: لا تنسه. والذكر: العلاء والشرف، وهو قياس الأصل.
فعلى الأصل الثاني (الذكر) بالكسر له معنيان: أحدهما: التلفظ بالشيء، والثاني: إحضاره في الذهن، بحيث لا يغيب عنه، وهو ضد النسيان، و (الذكر) بالضم للمعنى الثاني لا غير. أي: أن الذكر بالكسر ما يكون باللسان، وبالضم ما يكون بالجنان.
وإذا أريد بالذكر الحاصل بالمصدر جمع على (أذكار) وهو الإتيان بألفاظٍ ورد الترغيب فيها، ويطلق ويراد به المواظبة على العمل بما أوجب أو ندب إليه، كالتلاوة، وقراءة الأحاديث، ودرس العلم، والنفل بالصلاة 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال ابن علان: «أصل وضع الذكر هو ما تعبدنا الشارع بلفظه، مما يتعلق بتعظيم الحق، والثناء عليه» 2.
ونجد أن الذكر عند ابن تيمية واسع الدلالة؛ إذ هو عنده: «كل ما تكلم به اللسان، وتصوره القلب، مما يقرب إلى الله من تعلم علم، وتعليمه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر فهو من ذكر الله؛ ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه، أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقهًا، فهذا أيضًا من أفضل ذكر الله» 3.
وعرفه ابن القيم في الوابل الصيب بقوله: «الذكر ثناء على الله عز وجل بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه» 4.
والمقصود: أن الذكر في الاصطلاح يستعمل بمعنى ذكر العبد لربه عز وجل، سواء بالإخبار المجرد عن ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه، أو بتلاوة كتابه، أو بمسألته ودعائه، أو بإنشاء الثناء عليه بتقديسه، وتمجيده وتوحيده وحمده وشكره، وتعظيمه، ويستعمل الذكر اصطلاحًا بمعنى أخص من ذلك، فيكون بمعنى إنشاء الثناء بما تقدم دون سائر المعاني الأخرى المذكورة، ويشير إلى الاستعمال بهذا المعنى الأخص قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] .
فبعد أن ذكر الصلاة وهي ذكر بالمعنى العام، قال بعدها: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} أي: بالمعنى الأخص.
ويلحظ أن الذكر اصطلاحًا مخصوص بذكر العبد ربه عز وجل، بالثناء عليه.
وردت مادة (ذكر) في القرآن الكريم (242) مرة 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 27 ... {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) } [الأعلى:15]
الفعل المضارع ... 71 ... {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36]
فعل الأمر ... 56 ... {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا} [آل عمران:41]
اسم فاعل ... 10 ... {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب:35]
اسم مفعول ... 1 ... {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) } [الإنسان:1]
مصدر ... 77 ... {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة:200]
وجاء الذكر في القرآن على ثمانية أوجه 6:
الأول: الطاعة والعمل الصالح، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] ، يعني: اذكروني بالطاعة وأطيعوني، أذكركم بخير.
الثاني: الحفظ، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) } [البقرة:63] ، يعني: احفظوا ما في التوراة.
الثالث: التوحيد، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه:124] ، يعني: عن توحيده سبحانه.
الرابع: الشرف، قال تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] ، يعني: شرفكم.
الخامس: الوعظ، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} [الأنعام:44] ، يعني: ما وعظوا به.
السادس: الخبر، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) } [الكهف:83] ، يعني: خبرًا.
السابع: الوحي، قال تعالى: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص:8] ، يعني: الوحي.
الثامن: البيان، قال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) } [ص:1] ، يعني: ذي البيان.
التسبيح:
التسبيح لغةً:
تدل مادة (سبح) على التنزيه والتبرئة من السوء.
ومعنى: (سبحان الله) : تنزيه الله وبراءته من السوء 7.
التسبيح اصطلاحًا:
التنزيه والتعظيم لله تعالى 8.
الصلة بين التسبيح والذكر:
إن الذكر أعم من التسبيح، والتسبيح أخص من الذكر، فكل تسبيح ذكر وليس العكس.
الدعاء:
الدعاء لغة:
مأخوذ من مادة (د ع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، ومن هذا الأصل الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى 9.
الدعاء اصطلاحًا:
هو سؤال العبد ربه حاجته.
الصلة بين الدعاء والذكر:
بينهما عموم وخصوص، فكل دعاء ذكر لله، وليس كل ذكر دعاء.
قال ابن القيم: «إن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه، متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدعاء الحمد لله) ، فسمى الحمد لله دعاء، وهو ثناء محض؛ لأن الحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب لمحبوبه، فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب من ربه حاجة ما 10.
أولًا: السر والجهر:
ذكر الله مشروع سرًا وجهرًا، إلا أن الأفضل فيه أن يكون دون الجهر من القول، أي: معتدلًا، فقد ذكر الله تعالى من آداب الذكر خفض الصوت، وعدم الجهر به، قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] .
ونظيره في الدعاء قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] .
فقوله: {فِي نَفْسِكَ} فيها استحباب إمرار الذكر بالقلب، أو يكون المعنى: أن يذكر الله بينه وبين نفسه بحيث لا يطلع عليه أحد من شدة المخافتة. أو {فِي نَفْسِكَ} بأن تستحضر معنى أسمائه وصفاته وآلائه وفضله عليك، وحاجتك إليه، متضرعًا له، خائفًا منه، راجيًا نعمه 11.
قال الجصاص: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} هو الفكر في دلائل الله وآياته 12.
وهذا الذكر لا بد أن يكون {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} والتضرع: التذلل؛ ولما كان التذلل يستلزم الخطاب بالصوت المرتفع في عادة العرب كنى بالتضرع عن رفع الصوت مرادًا به معناه الأصلي والكنائي؛ ولذلك قوبل بالخفية في قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وقوبل التضرع هنا بالخيفة، وهي اسم مصدر الخوف، فهو من المصادر التي جاءت على صيغة الهيئة، وليس المراد بها الهيئة مثل الشدة، ولما كانت الخيفة انفعالًا نفسيًا يجده الإنسان في خاصة نفسه كانت مستلزمة للتخافت بالكلام خشية أن يشعر بالمرء من يخافه؛ فلذلك كني بها هنا عن الإسرار بالقول مع الخوف من الله، فمقابلتها بالتضرع طباق في معنيي اللفظين الصريحين، ومعنييهما الكناءين، فكأنه قيل: تضرعًا وإعلانًا، وخيفة وإسرارًا.
وبين ابن القيم الفرق بين الخيفة والخفية بقوله: «وتأمل كيف قال في آية الذكر: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} ، وفي آية الدعاء: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} فذكر التضرع فيهما معًا، وهو التذلل والتمسكن والانكسار، وهو روح الذكر والدعاء، وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها، وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف، فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد، فمن أكثر من ذكر الله أثمر له ذلك محبته، والمحبة ما لم تقرن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره؛ لأنها توجب الإدلال والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات، وقالوا: المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته له وتألهه له، فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل» 13.
فذكر الله -الذي حثت عليه هذه الآية وغيرها- ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان؛ ولكنه الذكر بالقلب والجنان، فذكر الله إن لم يرتعش له الوجدان، وإن لم يخفق له القلب، وإن لم تعش به النفس، إن لم يكن مصحوبًا بالتضرع والتذلل والخشية والخوف لن يكون ذكرًا، بل قد يكون سوء أدب في حق الله سبحانه، إنما هو التوجه إلى الله بالتذلل والضراعة، وبالخشية والتقوى، إنما هو استحضار جلال الله وعظمته، واستحضار المخافة لغضبه وعقابه، واستحضار الرجاء فيه، والالتجاء إليه، حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان، ويتصل بمصدره اللدني الشفيف المنير، فإذا تحرك اللسان مع القلب وإذا نبست الشفاه مع الروح؛ فليكن ذلك في صورة لا تخدش الخشوع، ولا تناقض الضراعة؛ ليكن ذلك في صوت خفيض، لا مكاء وتصدية، ولا صراخًا وضجة، ولا غناء وتطرية! 14.
وقوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} هو مقابل لكل من التضرع والخيفة، وهو الذكر المتوسط بين الجهر والإسرار، والمقصود من ذلك استيعاب أحوال الذكر باللسان؛ لأن بعضها قد تكون النفس أنشط إليه منها إلى البعض الآخر 15.
فيستفاد من {وَدُونَ الْجَهْرِ} أي: دون الرفع في القول، أي: أسمع نفسك، كما قال: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110] .
أي: بين الجهر والمخافتة، ودل هذا على أن رفع الصوت بالذكر -رفعًا فاحشًا- ممنوع 16، فيكون في هذا التعبير استحباب ألا يكون الذكر نداء وجهرًا بليغًا.
والظاهر أن قوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} حالة مغايرة لقوله: {فِي نَفْسِكَ} لعطفها عليها، والعطف يقتضي التغاير، فكأن الأولى معناها: أن يذكر الله بينه وبين نفسه بحيث لا يطلع عليه أحد، والثانية: إمرار الذكر بالقلب دون نطق.
لكن الجمهور على أنهما حالة واحدة، والمعنى: اذكر ربك بحيث تسمع نفسك لكن دون الجهر من القول، أي: مخافتة.
قال ابن عطية: «والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس، ولا يراعى إلا بحركة اللسان، قال: ويدل عليه من هذه الآية قوله تعالى: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} فهذه مرتبة السر والمخافتة باللفظ» 17.
قال في البحر: «ولا دلالة في ذلك لما زعم، بل الظاهر المغايرة بين الحالتين، وأنهما ذكران نفساني ولساني» 18.
ولذلك قال الزمخشري: «ومتكلمًا كلامًا دون الجهر؛ لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى التفكر» 19.
والحاصل: أن في الآية خطابًا للنبي الكريم ينضوي تحته المؤمنون جميعًا، ومطلوب هذا الخطاب هو ذكر الله دون الجهر من القول، وشغل القلب به في صمت وخشوع، وفي ضراعة لكبرياء الله، وخوف ورهب لسطوته وجبروته.
وهذا الذكر يشمل: ذكر القلب، حيث تسكن كل جارحة، وحيث يكون الإنسان كله مشاعر خاشعة، تلين بها الجلود، وتفيض منها العيون، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] 20.
ويشمل ذكر اللسان، وهو في درجة بعد هذه الدرجة، ومنزلة دون تلك المنزلة التي هي من شأن القلب وحده، ويلي هاتين المرتبتين مرتبة أعلى منهما، وهي أن يواطئ القلب اللسان في الذكر.
وهذه الآية قد اشتملت على الجمع بين الأمر بذكر الله والنهي عن ضده وهو الغفلة، وهذه الآية إضافة إلى دلالتها على ذلك، فقد اشتملت على جملة طيبة من الآداب الكريمة التي ينبغي أن يتحلى بها الذاكر، ومن هذه الآداب:
1.أن يكون الذكر سرًا.
فالإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة، وأبعد من الرياء.
فإن قيل: فما وجه الفرق بين الذكر وقراءة القرآن؟ فلماذا طلب في الذكر أن يكون خفية ودون الجهر من القول، ولم يطلب ذلك في القرآن مع أن القراءة أيضًا ذكر؟ والجواب: أن القرآن مشتمل على الوعظ والقصص الموجبة للعبرة والأحكام، ونظمه معجز جاذب للقلوب السقيمة إلى الإسلام.
ولذا قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] .
وقراءته باللسان عبادة زائدة على الذكر الذي هو عبادة عن طرد الغفلة عن الجنان، وإسماعه غيره عبادة أخرى مرغوبة عند الرحمن بخلاف الذكر والدعاء، فإن المقصود من الدعاء الإجابة، ومن الذكر النسيان عما يشغله من العزيز المنان حتى يسقط عن بصيرته نفس الذكر، بل الذاكر أيضًا، ولا يبقى في بصيرته إلا الواحد القهار 21.
2.أن يكون مصحوبًا بالتضرع.
وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير ليتحقق فيه ذلة العبودية، والانكسار لعظمة الربوبية.
3.أن يكون مصحوبًا بخوف.
أي: الخوف من المؤاخذة على التقصير في العمل، والخشية من الرد، وعدم القبول، قال الله تعالى في صفة المؤمنين المسارعين في الخيرات، السابقين لأرفع الدرجات: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:60، 61] .
4.أن يكون دون الجهر؛ لأنه أقرب إلى حسن التفكر.
قال ابن كثير رحمه الله: «ولهذا قال: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداءً ولا جهرًا بليغًا» 22.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ هللنا وكبرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب) 23.
5.أن يكون باللسان لا بالقلب وحده.
وهو مستفادٌ من قوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ} ؛ لأن معناه: ومتكلمًا كلامًا دون الجهر، ويكون المراد بالآية الأمر بالجمع في الذكر بين اللسان والقلب، وقد يقال: هو ذكره في قلبه بلا لسانه بقوله بعد ذلك: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} إلا أن الأول هو الأصح، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم.
وقد نظر له رحمه الله بقوله صلى الله عليه وسلم فيما روى عن ربه أنه قال: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) 24.
قال: «وهذا يدخل فيه ذكره باللسان في نفسه، فإنه جعله قسيم الذكر في الملأ، وهو نظير قوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} والدليل على ذلك أنه قال: {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} ومعلوم أن ذكر الله المشروع بالغدو والآصال في الصلاة وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب، مثل صلاتي الفجر والعصر، والذكر المشروع عقب الصلاتين، وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة طرفي النهار بالغدو والآصال» 25.
6.أن يكون بالغدو والآصال.
أي: في البكرة والعشي، فتدل الآية على مزية هذين الوقتين؛ لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد، وما بينهما الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش، وقد ورد أن عمل العبد يصعد أول النهار وآخره، فطلب الذكر فيهما ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر 26.
7.النهي عن الغفلة عن ذكره.
قال تعالى: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} أي: من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، وفيه إشعارٌ بطلب دوام ذكره تعالى، والاستمرار عليه، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.
فهذه سبعة آداب عظيمة اشتملت عليها هذه الآية الكريمة، لخصناها من كلام القاسمي في كتاب محاسن التأويل 27.
ومع ما تقدم يمكن القول: إن حكم الجهر والإسرار في الذكر يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فالإسرار أفضل حيث خيف الرياء، أو تأذي المصلين أو النيام، والجهر أفضل حيث خلا مما ذكر 28. ويستثنى من هذا الأصل مواضع ينبغي فيها الجهر بالذكر، ورفع الصوت به؛ لما في ذلك من المصالح التي قدرها الشرع في ذلك، ومنها:
-ما قصد به الإسماع والتبليغ، كالأذان والإقامة وتكبيرات الإمام وقراءته في الجهرية، وتكبيرات المبلغ، وإلقاء السلام وجوابه، ونحو ذلك، فيجهر في ذلك بالقدر الذي يحصل به المقصود.
-بعض أنواع أذكار الصلاة، وردت السنة فيها بالجهر كالبسملة والتأمين والقنوت والتكبير والتسبيح والتحميد بعد الصلاة، وتكبيرات العيد، والتلبية في الحج، وفي بعض ذلك خلاف يرجع إليه في مواضعه.
-بعض الأذكار التي يراد بها التنبيه أو التعليم، أو فائدة أخرى كأن يرفع صوته بالتسمية على الطعام حتى ينبه غيره، أو بالقراءة في صلاة الليل ليسمع أهله 29.
فالطريقة المثلى في هذا الباب أن يجهر في الموضع الذي ورد فيه الجهر، ويسر في الموضع الذي ورد فيه الإسرار، والموضع الذي لم يرد فيه الدليل على الجهر أو السر فالذاكر فيه بالخيار، ولكن لا بد للذاكر فيه من ملاحظة الآية السابقة: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 205] .
قال الشيخ بكر أبو زيد: «مما تقدم يتبين أن الأصل في الذكر والدعاء هو الإسرار، وحده: التلفظ بتحرك اللسان بالحروف من مخارجها بصوت أقله أن يسمع نفسه، والجهر: هو التلفظ بتحريك اللسان بالحروف من مخارجها بصوت يسمعه غيره ممن يليه، ولا حد لأعلاه، والجهر في الذكر والدعاء استثناء لا يكون إلا بما ورد به الشرع، وهو دائر بين الوجوب والاستحباب، وأكثره في الذكر، أو في الذكر المشوب بالدعاء، ثم ذكر ما يجب فيه الجهر، وما يستحب.
ثم قال: ثم أحدث الناس جماعة أو فرادى الجهر الجهير، والمبالغة في رفع الصوت والصياح والصيحة، والذكر والدعاء بالجوقة وبمكبر الصوت، وما يتبع ذلك من الترنيم والتلحين والتطريب والترجيع واللحن بالتحزين» 30.
ثانيًا: القلبي واللساني:
الذكر يكون باللسان، ويكون بالقلب، ويكون بهما معًا، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعًا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل 31. وقلنا: إن الأفضل منه الذكر بالقلب مع اللسان؛ لأن الذاكر هنا يعمل آلتين في الذكر وليست آلة واحدة.
1.الذكر اللساني.
المراد بالذكر باللسان: أن يتحرك به اللسان، ويسمع نفسه على الأقل، إن كان ذا سمع، ولم يكن هناك لغط يمنع السماع، وذكر اللسان على الوجه المبين يتأدى به الذكر المكلف به في الصلاة ونحوها، ولا يجزئ في ذلك مجرد إمرار الذكر المطلوب على القلب 32.
والذكر اللساني هو المراد في إطلاق القرآن، فإذا أطلق الذكر حمل على القول اللساني؛ ولهذا قال الله في شأن التسبيح (ے ? ?) [الحاقة: 52] .
فهناك اسم يذكر، وهذا يدل على وجود قول، قال الرازي: «ولو قال: فسبح ربك، ما أفاد الذكر لهم، وكان ينبئ عن التسبيح بالقلب؛ ولما قال: (ے ? ?) والاسم هو الذي يذكر لفظًا دل على أنه مأمور بالذكر اللساني، وليس له أن يقتصر على الذكر القلبي» 33.
وذكر الذكر باللسان في قوله: (? ? ? ? ? چ) [الزخرف: 13] .
أي: تنزهوا الله بصريح القول، ومنه قوله في سورة النساء: (گ گ ? ? ?) [النساء: 103] .
يعني: اذكروه باللسان؛ ولهذا قال بعده: (? ?) وقال في آل عمران مثل ذلك، وقال في سورة البقرة: (? ?) [البقرة: 200] باللسان (? ?) بألسنتكم (? ہ ہ) يعني: باللسان.