وذلك لما أنعم الله تعالى على أهل سبأ كما في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) } [سبأ:15] .
ثم ذكر سبحانه ما كان منهم بعد هذه النعمة التي أنعم بها عليهم، فقال: {فَأَعْرَضُوا} أي: عن شكر نعمة الله تعالى، وكفروا بالله، وكذبوا أنبياءهم. ثم لما وقع منهم عن شكر النعمة؛ أرسل الله عليهم نقمة فسلب بها ما أنعم به عليهم 76، فقال سبحانه: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} أي: الصعب والمطر الشديد- أو الوادي- أو السكر الذي يحبس الماء- أو هو البناء الرصين المبني بين الجبلين؛ لحفظ ماء الأمطار وخزنها. وقد ترك فيه أثقاب على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا أهلكهم الله بخراب هذا البناء، فانهال عليهم تيار مائه، فأغرق بلادهم وأفسد عمرانهم وأرضهم. واضطر من نجا منهم للنزوح عنها. كما قال تعالى: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} أي: ثمر مر، أو بشع لا يؤكل {وَأَثْلٍ} شجر يشبه الطرفاء من شجر البادية لا ثمر له {وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} وهو شجر النبق، أي قلة لا تسمن ولا تغني من جوع. فهذا تبديل النعم بالنقم لمن لم يشكر النعم» 77.
وفي موضعين اثنين من القرآن العظيم يخبر الله تعالى عن نقص جنس الإنسان من حيث هو، إلا من عصم الله تعالى في حالتي سرائه وضرائه، بأنه إذا أنعم الله عليه بمالٍ وعافيةٍ، وفتحٍ ورزقٍ ونصرٍ، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه 78.
قال الله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) } [الإسراء:83] .
ففي هذه الآية إشارة إلى السبب في وقوع جنس الإنسان في أودية الضلال، وهو حب الدنيا وإيثارها على الأخرى، وكفران نعمه تعالى ب عن شكرها، والجزع واليأس من الفرج عند مس شر قضى عليه، وكل ذلك مما ينافي عقد الإيمان، فإن المؤمن ينظر بعين البصيرة، ويشاهده قدرة الله تعالى في كلتا الحالتين. ويتيقن في الحالة الأولى أن الشكر رباط النعم. وفي الثانية أن الصبر دفاع النقم، فيشكر ويصبر، ويعلم أن المنعم يقدر فلم يعرض عند النعمة بطرًا وأشرًا، ولم يغفل عن ولم يجزع عند النقمة جزعًا وضجرًا 79.
وفي موضع آخر يقول سبحانه: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) } [فصلت:51] وليس بين الآيتين تنافِ، فإن ذلك شأن بعض منهم غير بعض المذكور في الآية السابقة، فقد يكون مع شدة يأسه وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه 80.
فيخبر سبحانه وتعالى عن أحوال أهل النفاق وإعراضهم عن حكم الله تعالى، قال الله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) } [النور:48] .
يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولًا بألسنتهم، وحال هؤلاء المنافقين {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} أي: إذا طلبوا إلى اتباع الهدى، فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه. وهذه كقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)