فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 2431

وقد قيل: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. ومن الواضح أن تلك اليد الخسيسة الخائنة لما تحملت رذيلة السرقة، وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجن والأترجة، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل، الذي تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى.

فالشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة هذه العقوبة العظيمة، فانظر ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق، والتنزه عما لا يليق!

وقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا يدل على أن التشريع السماوي يضع درجة الخائن من خمسمائة درجة إلى ربع درجة، فانظر هذا الحط العظيم لدرجته بسبب ارتكاب الرذائل!

ولو أن الدية كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال؛ فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين 59.

-تعددت مجالات الأمانة كما بينها القرآن الكريم، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: التكاليف الشرعية:

المجالات التي تدخل فيها الأمانة كثيرة ومتعددة؛ لأن الأمانة تدخل في جميع أعمال الإنسان التي يقوم بها في الحياة، وفي جميع التكاليف التي كلف بها، ومنها: الأمانة الكبرى أمانة الدين، وهي الخضوع لأوامر الله، والانتهاء عن زواجره، ومن هذه الأمانة الكبرى انبثقت سائر الأمانات، مثل: أمانة الشهادة لهذا الدين، وأمانة العلم، وأمانة الدعوة إلى الله تعالى، وأمانة المحافظة على حرمات المجتمع، وأمانة التعامل مع الناس، ورد أماناتهم إليهم، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: «والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع» 60، فمفهوم الأمانة في الإسلام إذن شامل لدين الإنسان وطاقته في تحمل أعباء التكاليف التي فرضها الله تعالى عليه، وسنتناول في هذه السطور الأمانة في التكاليف الشرعية.

فمن أعظم مجالات الأمانة الأمانة في التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وزكاة وحج وغسل من جنابة وغيرها.

قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .

وقد اختلف في هذه الأمانة المعروضة في هذه الآية. وأرجح الأقوال وأجمعها في المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التي كلف الله تعالى بها عباده، من إخلاص في العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه. فالأمانة هنا تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور، كما قاله القرطبي 61.

قال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالًا في المراد بالأمانة المعروضة هنا: «وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة، وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله» 62.

وقد قيل: يجب أن يطرح منها صنف الشرائع؛ لأنها ليست لازمة لفطرة الإنسان، فقد خلت أمم عن التكليف بالشرائع، وهم أهل الفترة 63. والصواب ما قدمناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت