فهرس الكتاب

الصفحة 1721 من 2431

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا، أنا أحياء في الجنة نرزق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم) ، قال: فأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 169] إلى آخر الآية) 127.

وعن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] .

قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: (أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) 128.

وجاء في مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير يوم أحد قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما أصبنا من الخير كي يزدادوا رغبة، فقال الله: أنا أبلغ عنكم فنزلت: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} إلى قوله: {الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171] 129.

وعن جابر بن عبد الله، قال: (لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي:(يا جابر ما لي أراك منكسرا؟) قلت: يا رسول الله استشهد أبي، وترك عيالا ودينا، قال: (أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟) قال: بلى يا رسول الله. قال: (ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحا. فقال: يا عبدي تمن علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون) قال: وأنزلت هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] 130.

وهذه الآية تضمنت النهي عن ظن الموت بالشهداء فدلت على أنهم أحياء عند ربهم يرزقون والخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ولا تحسبنهم، يا محمد، أمواتًا، لا يحسون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبوتهم به من جزيل ثوابي وعطائي 131.

وقد جاءت آية في سورة الأحزاب ذكر المفسرون أنها نزلت في بعض شهداء أحد وهي قوله سبحانه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .

وجاءت روايات في سبب نزول هذه الآية، منها:

1.نزلت في أنس بن النضر، فعن أنس رضي الله عنه، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: «يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع» ، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين-، ثم تقدم» ، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: «يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد» ، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: «كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إلى آخر الآية» 132.

2.نزلت في طلحة بن عبيد الله، فعن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة، (أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أين السائل عمن قضى نحبه؟) قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا ممن قضى نحبه) 133.

3.نزلت في مصعب بن عمير وأصحابه يوم أحد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له، ثم قرأ هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه) 134.

والظاهر أن هذه الآية تصدق على كل من قتل في سبيل الله، بعد أن جاهد بإخلاص وثبات؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله تعالى أعلم.

ثالثًا: توجيهات عامة للمؤمنين:

بعد غزوة أحد وجه الله عباده المؤمنين إلى توجيهات عديدة، فمن ذلك:

1.النهي عن التشبه بالمنافقين.

نهى الله عباده المؤمنين عن الاتصاف بصفات الكافرين، ومن ذلك قول الكافرين لإخوانهم في الكفر -إذا هم ضربوا في الأرض لتجارة أو لغزو فمات من مات منهم، أو قتل من قتل بقضاء الله وقدره-: لو كانوا عندنا، أي: ما فارقونا وبقوا في ديارنا، ما ماتوا وما قتلوا، وحسب سنة الله تعالى فإن هذا القول منهم يتولد لهم عنه بإذنه تعالى غم نفسي وحسرات قلبية تمزقهم، وقد تودي بحياتهم، وما درى أولئك الكفرة الجهال أن الله يحيي ويميت، فلا السفر ولا القتال يميتان، ولا القعود في البيت جبنًا وخورًا يحيي.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156] .

يقول الطبري: يعني بذلك -جل ثناؤه-: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر {إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} فخرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة، أو خرجوا من بلادهم غزاةً فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا، وقد قيل: إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه 135.

قال سيد: «وظاهر من مناسبة هذه الآيات في سياق المعركة، أن هذه كانت أقوال المنافقين الذين رجعوا قبل المعركة، والمشركين من أهل المدينة الذين لم يدخلوا في الإسلام ولكن ما تزال بين المسلمين وبينهم علاقات وقرابات.

وأنهم اتخذوا من مقاتل الشهداء في أحد، مادة لإثارة الحسرة في قلوب أهليهم، واستجاشة الأسى على فقدهم في المعركة -نتيجة لخروجهم-، ومما لا شك فيه أن مثل هذه الفتنة والمواجع دامية، مما يترك في الصف المسلم الخلخلة والبلبلة. ومن ثم جاء هذا البيان القرآني؛ لتصحيح القيم والتصورات، ورد هذا الكيد إلى نحور كائديه، والله في تربيته للجماعة المسلمة وفي ظلال غزوة أحد وما نال المسلمين فيها يحذرهم أن يكونوا كالذين كفروا، أولئك الذين تصيبهم الحسرات، كلما مات لهم قريب وهو يضرب في الأرض ابتغاء الرزق أو قتل في ثنايا المعركة وهو يجاهد» 136.

2.نهي المؤمنين عن إطاعة الكفار.

قال الله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 149 - 151] .

أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه، فتقبلوا رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون، فيحملونكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام، فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم 137.

وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين، فإنهم إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم قصدهم ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران.

ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، ففيه إخبار لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور 138.

وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليًا وناصرًا من دون كل أحد، فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى.

ومن مظاهر الرعب التي ألقاها الله تعالى في قلوب المشركين، أنهم بعد أن انتصروا على المسلمين في غزوة أحد كان في قدرتهم أن يوغلوا في مهاجمتهم وقتالهم، إلا أن الرعب صدهم عن ذلك.

3.الترغيب في الشهادة في سبيل الله.

رغب الله سبحانه في الشهادة في سبيله، وبين أنها سبب للمغفرة والرحمة، فقال: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 157 - 158] .

أي: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شك المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا أعداء الله، على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته، ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمة، وأخبرهم أن موتًا في سبيل الله وقتلا في الله، خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله، ويتأخرون عن لقاء العدو 139.

4.الأمر بالأخذ بالشورى.

شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في البقاء في المدينة والتحصن فيها، أو الخروج لملاقاة المشركين.

وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم البقاء في المدينة، وقال: أنا في جنة حصينة، وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجالا من المسلمين ممن كان فاته بدر، قالوا بالخروج لملاقاة العدو.

قال ابن كثير رحمه الله: «وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة» 140.

قال تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم بالأخذ بمبدأ الشورى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

قال الطبري: «إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك، على تصادقٍ وتوخٍ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم» 141.

وهذا من أعظم الدروس العملية من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن رأيه صلى الله عليه وسلم كان البقاء في المدينة وقتال المشركين فيها وفي الطرقات، ومن فوق الدور، لكن لما كان رأي الأغلبية، مخالفا لرأيه صلى الله عليه وسلم وكان الأمر محل اجتهاد، نزل صلى الله عليه وسلم عن رأيه لرأي الأغلبية، وكان ذلك تطبيقا رائعا رفيع المستوى منه صلى الله عليه وسلم لمبدأ الشورى.

5.تنبيه أهل الإيمان أن النصر بيد الله.

عندما يكتب الله تعالى للمؤمنين النصر، فلن تستطيع قوى الأرض كلها الحيلولة دونه، وحين يكتب الهزيمة، فلن تستطيع قوى الأرض أن تحول بينه وبين الأمة.

قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160] .

أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته {فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} فلو اجتمع عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعدة؛ لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه.

{وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ} ويكلكم إلى أنفسكم {فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} أي: فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق 142.

6.أمر المؤمنين بالصبر اقتداء بأتباع الرسل من قبل.

في نهاية المعركة ذكر الله حال كثير من الأنبياء السابقين الذين قاتل معهم جموع كثيرة من أصحابهم، فما ضعفوا لما نزل بهم من جروح أو قتل؛ لأن ذلك كان في سبيل ربهم، وما عجزوا، ولا خضعوا لعدوهم، بل إنما صبروا على ما أصابهم.

قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 - 148] .

قال ابن كثير: «عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح: إن محمدا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال» 143.

تجلت القيادة النبوية في غزوة أحد في أمور عدة منها:

1.جمع المعلومات عن العدو.

حصل النبي صلى الله عليه وسلم في وقت مبكر على المعلومات الكافية عن استعداد قريش لغزو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبل تحركها، فأرسل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه رسالة مستعجلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضمنها جميع تفاصيل الجيش.

وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة، وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة في ثلاثة أيام، وسلم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد قباء.

وقرأ الرسالة على النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، فأمره بالكتمان، وعاد مسرعا إلى المدينة، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار 144.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب بن المنذر بن الجموح إلى القوم، فدخل فيهم، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما رأيت؟ قال: رأيت يا رسول الله عددا ثم حزرتهم ثلاثة آلاف يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، والخيل مائتي فرس، ورأيت دروعا ظاهرة حزرتها سبعمائة درع 145.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عينين له: أنسا ومؤنسا ابني فضالة الظفريين، ليلة الخميس لخمس مضت من شوال، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم، وأنهم قد حلوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي بالعريض حتى تركوه ليس به خضراء 146.

وهذا يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بجمع معلومات كافية عن العدو، فقد استطاع معرفة قوة جيش عدوه وعدده.

2.الأخذ بمبدأ الشورى.

كان النبي صلى الله عليه سلم يقول لأصحابه لما علم بخروج قريش لحربه: (أشيروا علي أيها الناس) 147، حتى يصل إلى قرار نهائي سليم، ورأي سديد، وهو بذلك يطيب خواطر أصحابه، ويعرف تفكيرهم وعقولهم، ويجعلهم يتحمسون للقتال؛ لأنهم يعرفون أنهم شاركوا في اتخاذ القرار.

3.أمان المدينة.

في غزوة أحد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم عدة تدابير أمنية لحماية المدينة فمن ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم 148.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال: (اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم) قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة 149.

ومن هنا يظهر لنا أهمية عناية القائد واهتمامه بسلامة وتأمين نفسه من الداخل، حتى لا يؤتى من حيث لا يحتسب.

4.اختيار الموقع المناسب.

لما نزل من جبل أحد وصل إلى عدوة الوادي، فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه مستقبلًا المدينة، وجعل ظهره إلى هضاب جبل أحد، فصار جيش العدو فاصلًا بين المسلمين وبين المدينة، وقد كان لهذا الترتيب فائدةٌ عظيمة، وهي حماية ظهر الجيش 150.

5.الاستعداد للقتال وترتيب الصفوف وتجهيز الجيش للمعركة.

اختار رسول الله خمسين من الرماة تحت إمرة عبد الله بن جبير وأصدر أوامره إليهم: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم، هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) .

وقال: (الزموا مكانكم لا تبرحوا منه، فإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا وارشقوهم بالنبل؛ فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنا لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم) 151.

وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد سيطر على المرتفعات المجاورة للمعركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت