فهرس الكتاب

الصفحة 1801 من 2431

فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط) قال: (قلت لهما: ما هذا ما هؤلاء؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق) .

قال: (فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن) قال: (قالا لي: ارق فيها) قال: (فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء) قال: (قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر) قال: (وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة) قال: (قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك) قال: (فسما بصري صعدا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء) قال: (قالا لي: هذاك منزلك) قال: (قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله) .

قال: (قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟) قال:(قالا لي: أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة، الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة)قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسنا وشطر قبيحا، فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوز الله عنهم) 49.

وقد ذكر الإمام ابن القيم والعلامة السفاريني الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين: مجمل ومفصل:

أما المجمل: فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وعدم إطاعتهم لأمره، وارتكابهم معاصيه، فلا يعذب الله روحًا عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدنًا كانت فيه أبدًا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار بارتكاب مناهيه ولم يتب ومات على ذلك؛ كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب.

وأما المفصل: ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما؛ لأن أحدهما كان يمشي بالنميمة بين الناس، والآخر كان لا يستتر من البول، فهذا ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس، وهذا ترك الطهارة الواجبة، وعمن يعذب لكونه مر على مظلوم فلم ينصره، ومن يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به في النهار، وتعذيب الزناة والزواني وأكلة الربا، والذين تتثاقل رؤوسهم عن صلاة الفجر، وأهل الغلول، وتعذيب الذين يمنعون الزكاة، والذين يوقدون الفتنة بين الناس، والجبارين، والمتكبرين، والمرائين، والهمازين، واللمازين 50.

«فعذاب القبر عن معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله: فالنمام، والكذاب، والمغتاب، وشاهد الزور، وقاذف المحصن، والموضع في الفتنة، والداعي إلى البدعة، والقائل على الله ورسوله ما لا علم له به، والمجازف في كلامه، وآكل الربا، وآكل أموال اليتامى، وآكل السحت من الرشوة وغيرها، وأكل مال أخيه المسلم بغير حق، أو مال المعاهد، وشارب المسكر، والزاني، واللوطي، والسارق، والخائن، والغادر، والمخادع، والماكر، وآخذ الربا ومعطيه وكاتبه وشاهداه، والمحلل والمحلل له، والمحتال على إسقاط فرائض الله وارتكاب محارمه، ومؤذي المسلمين ومتتبع عوراتهم، والحاكم بغير ما أنزل الله، والمفتي بغير ما شرع الله، والمعين على الإثم والعدوان، وقاتل النفس التي حرم الله، والملحد في حرم الله، والمعطل لحقائق أسماء الله وصفاته الملحد فيها، والمقدم رأيه وذوقه وسياسته على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والنائحة والمستمع إليها، ونواحو جهنم، وهم المغنون الغناء الذي حرمه الله ورسوله والمستمع إليهم؛ والذين يبنون المساجد على القبور، ويوقدون عليها القناديل والسرج، والمطففون في استيفاء مالهم إذا أخذوه، وهضم ما عليهم إذا بذلوه، والجبارون، والمتكبرون، والمراؤون، والهمازون واللمازون، والطاعنون على السلف، والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، والذي خوفته بالله وذكرته به فلم يرعو ولم ينزجر، فإذا خوفته بمخلوق مثله خاف وارعوى وكف عما هو فيه، والذي يهدى بكلام الله ورسوله فلا يهتدي، ولا يرفع به رأسًا، فإذا بلغه عما يحسن به الظن ممن يصيب ويخطئ عض عليه بالنواجذ ولم يخالفه.

والذي يقرأ القرآن فلا يؤثر فيه، وربما اشتغل به، فإذا استمع قراءة الشيطان ورقية الزنا ومادة النفاق طاب سره وتواجد وهاج من قلبه دواعي الطرب، وود أن المغني لا يسكت، والذي يحلف بالله ويكذب، فإذا حلف بالولي أو برأس شيخه أو أبيه أو حياة من يحبه ويعظمه من المخلوقين لم يكذب ولو هدد وعوقب، والذي يفتخر بالمعصية ويتكثر بها بين أقرانه، وهو المجاهر، والذي لا تأمنه على مالك وحرمتك، والفاحش اللسان الذي تركه الخلق إتقاء شره وفحشه، والذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وينقرها ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا، ولا يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولا يحج مع قدرته على الحج، ولا يؤدي ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها.

ولا يتورع من لحظه ونظره ولا من لفظه ولا أكله ولا خطوه، ولا يبالي بما حصل من المال من حلال أو حرام، ولا يصل رحمه، ولا يرحم المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم، ولا يرحم الحيوان البهيم، بل يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، ويرائي للعالمين، ويمنع الماعون، ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه، وبذنوبهم عن ذنبه، فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم، بحسب كثرتها وقلتها، وصغرها وكبرها، ما لم يغفر الله لهم ويتجاوز عنهم بتوبة أو رحمة منه تعالى» 51.

أولًا: الصلاة على المؤمنين:

إن الصلاة على المؤمنين فرض كفاية، وهي من خصائص هذه الأمة، وقد صلى الصحابة رضي الله عنهم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما رغب النبي صلى الله عليه وسلم بل أمر بذلك فقال: (صلوا على صاحبكم) 52 فهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب 53، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم يوم موت النجاشي: (إن أخًا لكم قد مات، فقوموا، فصلوا عليه) 54.

وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة على الكافرين والمنافقين؛ لأنهم كفروا وماتوا على الفسق.

قال تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:84] .

وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في المؤمنين، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررًا في المؤمنين 55.

وقد استدل البعض بهذه الآية على وجوب الصلاة على المؤمنين، بدليل أن النهي عن الشيء أمر بضده فالنهي عن الصلاة على المنافقين للتحريم فضده وهو الأمر بالصلاة على المؤمنين للوجوب، واعتبرها البعض دليل فقط على المشروعية وعدم تحريم الصلاة على المؤمنين، وأنه مما يستفاد من الآية الصلاة على المؤمنين وليس الأمر بالوجوب 56.

قال القرطبي: «قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، واختلفوا هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين؟ فقيل: يؤخذ؛ لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} فإذا زال وجبت الصلاة، ويكون هذا نحو قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] .

يعني: الكفار، فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون، وقيل: إنما تؤخذ الصلاة من دليلٍ خارجعن الآية، وهي الأحاديث الواردة في الباب، والإجماع» 57.

والخلاصة أن الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، سواء بالوجوب أو الاستحباب، وقد أكدت الأحاديث على الوجوب وكذلك الإجماع.

وذكر الرازي في تفسيره الحكمة من النهي عن الصلاة على الكفار والمنافقين، حيث أشار إلى أن السبب في منع الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يصلي على من مات منهم؛ هو إذلالهم وتخذيلهم وإهانتهم 58.

«وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميت هي رحمة له، وغفران لذنوبه؛ لأن الصلاة على الميت أن تطلب له الرحمة والمغفرة، وأن تطلب له من الله أن يلحقه بالصالحين، وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، ودعا بهذا الدعاء، فإن دعوة رسول الله مستجابة من الله، وهكذا حرمهم الله سبحانه وتعالى من رحمة يكون الإنسان في أشد الحاجة إليها حين ينتقل من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ» 59.

ثانيًا: الوقوف على قبورهم والدعاء لهم:

لقد شرع الله للمسلمين الوقوف عند قبور المؤمنين والدعاء لهم، كما نهى عن الوقوف على قبور الكفار والمنافقين والدعاء لهم.

يقول تعالى مخاطبًا للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:84] .

في هذه الآية نهي من الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على من مات من الكفار والمنافقين، وألا يتول دفنهم وتقبيرهم، وألا يدعو لهم أو يستغفر لهم، أو يقف على قبورهم للزيارة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت، وقف على قبره ودعا له بالتثبيت فنهي عن ذلك في حق المنافقين، والعلة في ذلك أنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا، والحال أنهم فاسقون خارجون عن دائرة الإسلام 60.

يقول الطاهر ابن عاشور: «ومعنى ولا تقم على قبره، لا تقف عليه عند دفنه؛ لأن المشاركة في دفن المسلم حق على المسلم على الكفاية، كالصلاة عليه، فترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليهم وحضور دفنهم، إعلان بكفر من ترك ذلك له» 61.

قال السيوطي: إن في الآية السابقة تحريم للصلاة على الكافر، والوقوف على قبره، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه، ومشروعية الوقوف على قبره، والدعاء له، والاستغفار 62.

إن الوقوف على قبر المؤمن سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها ودعا إليها ففي الحديث عن عثمان بن عفان قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: (استغفروا لأخيكم، وسلوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل) 63.

أولًا: بناء القبور:

إن ديننا الحنيف شرع للمسلمين دفن موتاهم في المقابر وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هديه صلى الله عليه وسلم حفر القبور لا بناؤها، فقد ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بناء القبور ففي الحديث عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص ويبنى عليه) 64.

وفي رواية عند مسلم (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) 65.

فلا يجوز بناء القبور، ولكن يحفر في الأرض ويجعل فيه لحد من جهة القبلة بقدر الميت، ويكون القبر عميقا بقدر نصف الرجل؛ حتى يكون بعيدا عن السباع والكلاب، ويكون أبعد عن الروائح الكريهة التي قد تخرج من القبر، وإذا دعت الضرورة إلى البناء، بأن كانت الأرض صلبة ولا يستطيعون الحفر فلا مانع من جعله بين أحجار، يبنى أحجار ويجمع بينها، ثم يوضع فوقها ألواح وغيرها حتى تستره عن السباع وعن الكلاب ونحو ذلك، ويوضع عليها أحجار تستره عن ذلك حسب الطاقة من دون حاجة إلى بناء إلا عند الضرورة 66.

يقول ابن القيم: «ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تعلية القبور ولا بناؤها بآجر، ولا بحجر ولبن ولا تشييدها، ولا تطيينها، ولا بناء القباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهة، مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم، وكانت قبور أصحابه لا مشرفة، ولا لاطئة، وهكذا كان قبره الكريم، وقبر صاحبيه، فقبره صلى الله عليه وسلم مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطين، وهكذا كان قبر صاحبيه، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، ونهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا، ولعن زورات القبور، وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ، وألا يجلس عليها، ويتكأ عليها، ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها، وتتخذ أعيادا وأوثانا» 67.

ثانيًا: زيارة القبور:

يشرع للإنسان أن يزور القبور على سبيل الاتعاظ والتذكر بما أمامه، والإحسان إلى المقبور نفسه كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر مطلوب؛ لأنه جاء في الحديث عن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) 68.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال صلى الله عليه وسلم:(استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) 69.

إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور أكمل الهدي وأحسنه.

يقول ابن القيم: «كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته، وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) 70.

وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت، من الدعاء والترحم والاستغفار، فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه صلى الله عليه وسلم، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، تبين له الفرق بين الأمرين» 71.

فزيارة القبور شرعت لشيئين:

-إما أن يتذكر الإنسان بزيارتها مآله؛ لأنه سيصير مثلما صار هذا المقبور، فيتوب ويجتهد في العمل، ويتذكر الآخرة، ويتذكر ما أمامه، ويستعد لهذا اليوم ويأخذ أسباب الرحيل، قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ? وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ? وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35] .

-أو أن يحسن إلى الميت بالدعاء له، فإنه في أمس الحاجة إلى دعوة صادقة، أما أن تنعكس القضية، ويصبح الإنسان يزور القبر ليسأل صاحبه، فهذا عكس ما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولهذا قسم العلماء زيارة القبور على وجهين:

-زيارة شرعية.

-وزيارة بدعية.

فالزيارة الشرعية: أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت؛ كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له، حيث الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته، وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره، فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم، وكذلك الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور كافرًا، بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين.

وأما الزيارة البدعية: فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك 72.

إن من البلايا التي وقع الناس فيها اليوم، تعظيم القبور، بالبناء عليها وتجصيصها، أو اتخاذ المساجد عليها، والصلاة عندها، أو الطواف بها، وإضاءتها وإيقاد السرج عليها، وتعليتها ورفعها، واتخاذها عيدًا، والاستغاثة بأهلها، فكل هذا من المنكرات التي يجب الحذر منها والتحذير منها.

إن من الأساليب القرآنية التي استعملها القرآن الكريم لتقريب المعنى ضرب الأمثلة، ولقد مثل القرآن بالقبر والأموات المقبورين بأمثلة من أروع ما ضرب من الأمثال القرآنية دقة بيان وروعة أسلوب ووضوح معنى وهي:

قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر:22] .

يضرب الله سبحانه وتعالى مثل المؤمن والكافر بالحي والميت، لا يستويان، فكما لا يتساوى الأحياء والأموات، لا يتساوى المؤمنون أحياء القلوب والنفوس والمشاعر، والكافرون أموات القلوب والحواس، لا يستوي أحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله ومعرفة تنزيل الله، وأموات القلوب لغلبة الكفر عليها؛ حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال، لا يستوي من شرح الله صدره للإسلام، ومن أقام على الكفر والضلال، فالإيمان حياة القلوب ونور البصائر، وانشراح للصدور وبهجة للنفوس، وجلاء الأفهام وربيع الأكوان، أما الكفر فإنه ظلمة في القلب، ووحشة في النفس، وموت للروح، وغشاوة على البصيرة، وحيرة للعقول، وضيق في الصدور، نعم إن الكفر موت، موت في الضمير وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل، وانفصال عن الطريق الواصل 73.

وفي الآية تمثيل لحال الكفار بالنسبة إلى سماعهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم والوحي النازل عليه، فكما لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله وبيان حججه من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه، فالكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع 74.

«ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم وأنى لهم أن يسمعوا وقد قبروا وهم أحياء في غياهب الشرك ولحود الضلال، فلا سبيل إلى سماعهم وقد جعلوا بينهم وبين الحق برزخًا وحاجزًا من المكابرة والجحود والتقليد الأعمى والتعصب للأهواء» 75.

فالله يهدي من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها، يسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته، وكما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم بالهداية والدعوة إليها، كذلك الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم لا ينتفعون، فالكفار بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه 76.

وهذا ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات، وإشباع في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إيمانهم 77.

يقول الطاهر ابن عاشور: «لما كان أعظم حرمان نشأ عن الكفر هو حرمان الانتفاع بأبلغ كلام وأصدقه، وهو القرآن، كان حال الكافر الشبيه بالموت أوضح شبهًا في عدم انتفاعه بالقرآن وإعراضه عن سماعه» 78.

و قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة:13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت