فهرس الكتاب

الصفحة 1421 من 2431

يقول ابن كثير: «هذا كان يوم حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم، ندموا، لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم؛ ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدًا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم» 60.

ولذلك امتدحهم الله عز وجل، فقال: (? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے? ? ? ? ? ?) [البقرة:285] .

أخرج مسلم عن أبى هريرة قال: (لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم(? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [البقرة:284] .

(قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) . قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها (? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے? ? ? ? ? ?) ، فلما فعلوا ذلك، نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) قال: نعم، (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) قال: نعم، (? ? ? ? ? ? ? ?) قال: نعم (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) قال: نعم) 61.

فأنت ترى حسن امتثال الصحابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بأن يقولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وقد استجاب الله تعالى لهم لصدقهم.

هذا فيما يتعلق بأمر جماعتهم، أما أفرادهم، فأذكر هذه الحادثة فقط؛ لئلا يطول المقام، أخرج الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية(? ? ? ? ? پ پ) [آل عمران:92] .

قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول: (? ? ? ? ? پ پ) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقةٌ لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) . فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه 62.

ثانيًا: الهجرة:

لقد كانت الهجرة برهانًا واضحًا على صدق إيمان الصحابة رضي الله عنهم، فهي ترك للأوطان والأهل وللمال، إلى مستقبل - في عرف الناس - مجهول، ولكن الإيمان بالله تعالى والتوكل عليه يهون كل عسير، ويجعل من رضاه عز وجل غاية تستحق بذل كل غال ونفيس، وهذا ما فعله الصحابة في الهجرتين: إلى الحبشة، وإلى المدينة، لقد كان أمر هذا الدين أعظم في أنفسهم من كل شيء.

قال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ?) [آل عمران:195] .

يقول ابن كثير: « (? ?) أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، (? ٹ ٹ) أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: (ٹ ٹ ?) أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: (? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [الممتحنة:1] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البروج:8] » 63.

قال تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:218] .

يقول الطبري: «والذين تحولوا من سلطان أهل الشرك هجرةً لهم، وخوف فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه وفيما يرضي الله (? ? ? ?) ، أي: يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم. (? ?) ، أي: ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة» 64.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ?) [آل عمران:195] .

(? ?) قومهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، (? ٹ ٹ) وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة، (ٹ ٹ ?) ، يعني: وأوذوا في طاعتهم ربهم، وعبادتهم إياه مخلصين له الدين، وذلك هو «سبيل الله» التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها» 65.

وعدهم الله تعالى على ذلك، العفو والمغفرة، وأن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والآية تشمل من هاجر إلى الحبشة، ومن هاجر إلى المدينة.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء:100] .

هذا تحريض على الهجرة، ووعد بالأجر العظيم عليها: الأجر الدنيوي والأخروي.

ولذا استجاب الصحابة لنداء ربهم، فتركوا كل شيء لنيل رضاه، فاستحقوا بذلك ثناءه عز وجل، يقول تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:218] .

تزكية لقلوبهم، ووعد لهم بالمغفرة، وبيان لسبب خروجهم، ووصفهم بالصدق، فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر:8] .

وأنهم ما أخرجوا إلا لإيمانهم بالله عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ) [الحج:40] .

وذكر جزاءهم، في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل:41 - 42] .

وما في قوله تعالى: (? ? ?) [آل عمران:195] التي مر ذكرها قريبًا.

هذا فيما يتعلق بمجموعهم، أما إذا تحدثنا عن أفرادهم، فلا ريب أن سيدهم في ذلك الصديق رضي الله عنه، الذي سجل القرآن الكريم موقفه العظيم من رسول الله تعالى، يقول تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:40] .

يقول الطبري: «وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: (ے ے) ، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر رضي الله عنه، لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش إذ هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختفيا في الغار» 66.

قال الإمام البخاري: «باب مناقب المهاجرين وفضلهم، منهم أبو بكرٍ عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، وقول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر:8] .

وقال الله: (? ہ ہ ہ ہ) إلى قوله: (? ? ?) [التوبة:40] .

قالت عائشة وأبو سعيد وابن عباسٍ رضي الله عنهم: وكان أبو بكرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار» 67.

ثم أورد بسنده عن البراء قال: (اشترى أبو بكرٍ رضي الله عنه من عازبٍ رحلًا بثلاثة عشر درهمًا، فقال أبو بكر لعازبٍ: مر البراء فليحمل إلي رحلي، فقال عازبٌ: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم، قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظلٍ فآوي إليه، فإذا صخرةٌ أتيتها، فنظرت بقية ظلٍ لها، فسويته ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله، فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدًا، فإذا أنا براعي غنمٍ يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجلٍ من قريش سماه، فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبنٍ؟ قال: نعم، قلت: فهل أنت حالبٌ لنا؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى، فحلب لي كثبةً من لبن، وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوةً على فمها خرقةٌ فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله، قال: بلى، فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحدٌ منهم غير سراقة بن مالك بن جعشمٍ على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله فقال:(? ? ? ? ? ) ) 68.

ثم أورد حديثًا آخر بسنده عن أبي بكرٍ رضي الله عنه، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال: (ما ظنك يا أبا بكرٍ باثنين الله ثالثهما) 69.

ثالثًا: غزوة بدر:

ارتباط غزوة بدر بالصحابة وثيق، ذلك أنها من المعالم البارزة في حياتهم التي نالوا بها شرفًا عظيمًا، حتى إنه لينسب إليها من اشترك فيها فيقال: بدريٌ، ولم تحظ غزوة أخرى بهذا الشرف. وثمة مقام آخر، أخرج الإمام البخاري بسنده عن معاذ بن رفاعة بن رافعٍ الزرقي عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدر، قال: (جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدرٍ فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين) أو كلمةً نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) 70.

ولقد وثق القرآن الكريم أحداث هذه الغزوة في سورة الأنفال، حتى لقد سماها ابن عباس رضي الله عنهما سورة بدر.

وذكر طرفًا منها في سورة آل عمران، ويظهر فضل الله تعالى على الصحابة في هذه الغزوة، في أمور متعددة، نذكر منها:

قال تعالى: (? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [آل عمران:123] .

قال ابن كثير: «أي: يوم بدر، وكان في جمعة وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فرسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض، والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله.

ولهذا قال تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: (? ? ? ? ? ?) أي: قليل عددكم؛ ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العدد والعدد» 71.

قال عز وجل وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:124 - 125] .

ولمعرفة منزلة الصحابة رضي الله عنهم تأمل قوله تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:126] .

أي: «وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارة لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم» 72.

قال تعالى: (? ? ? ? ?) [الأنفال:11] .

«يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أمانًا أمنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم» 73.

قال تعالى: (? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال:11] .

وهذه منة أخرى، أنعمها الله تعالى عليهم وهم محتاجون إليها، وهي أنه تعالى أنزل عليهم المطر، وإسناده هذا الإنزال إليه عز وجل؛ للتنبيه على أنه أكرمهم به، ليثبت أقدامهم، ويذهب عنهم وساوس الشيطان، فطهرهم بالمطر ظاهرًا وباطنًا 74.

قال الله تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) [الأنفال:12] .

«وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدس وتبارك وتمجد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا» 75.

وهذا الشرف يدرك من النقطة السابقة.

قال تعالى: (گ گ ? ? ? ?) . أي: «سأرعب قلوب الذين كفروا بي، أيها المؤمنون منكم، وأملؤها فرقًا حتى ينهزموا عنكم» 76.

ولا شك أن في إسناد إلقاء الرعب إلى الله تعالى ما فيه، من تكريم للمؤمنين، ومن بيان عظم الرعب الذي ألقاه الله جل جلاله.

أما مواقف الصحابة في هذه الغزوة، فنتحدث عنها على قسمين:

الأول: فيما يتعلق بمجموع الصحابة، فيكفي أن الله تعالى وصفهم بالإيمان في معرض امتنانه عليهم-وقد ذكرنا قبل قليل الآيات الدالة على ذلك-ولا شك أن هذه أعظم تزكية من رب العالمين، ولذا استحقوا أن ينصرهم الله عز وجل مع قلتهم، ولنتأمل هذا الحوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، أخرج مسلم في صحيحه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان، قال: (فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذى نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا-قال-فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا) 77.

أما كراهية فريق من الصحابة للقتال، فهذا راجع لأمور، وقبل بيانها، لنتأمل قوله تعالى: (ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) [الأنفال:5 - 6] .

بالتأمل يظهر الآتي:

••أن الكارهين لذلك فريق من الصحابة، لا كلهم.

••أن الله عز وجل وصف هذا الفريق بالمؤمنين، فلا ينبغي تجاوز هذا الوصف الذي يتضمن ثناء عظيمًا.

أما لماذا كره بعضهم؛ فلأنهم ما خرجوا ابتداء للقتال، وإنما للتعرض لقافلة قريش، وكان حراسها أربعين شخصًا، فاستعدادهم النفسي والمادي كان لمثل هذا العدد، أما النفير، فالأمر يختلف، فهم أمام ألف فارس، خرجوا للقتال لا لحراسة قافلة.

يقول السعدي: «كثير من المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم.

وكذلك الذين عاتبهم الله، انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم الله، وقيض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم» 78.

الثاني: وأما على المستوى الفردي، فالأمثلة على إخلاصهم وشجاعتهم وحبهم للرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا، نذكر منها:

••ما يدل على عظيم تصديقهم وإيمانهم.

أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:(قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) . قال: يقول عمير بن الحمام الأنصارى: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: (نعم) . قال: بخٍ بخٍ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟) . قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها) . فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر. ثم قاتلهم حتى قتل 79.

••همة شباب الصحابة وإيمانهم وشجاعتهم.

قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم! أرني أبا جهل. فقلت: يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما، اليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه. وهما ابنا عفراء) .80

••موقف المقداد الأسود رضي الله عنه.

أخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه: (شهدت من المقداد الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى:(? ? ? ?) [المائدة:24] ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك؛ فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره، يعني قوله 81.

رابعًا: غزوة أحد:

تميز حديث القرآن الكريم عن غزوة أحد بالآتي 82:

••تذكير الصحابة رضي الله عنهم بالسنن.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?) [آل عمران:137] .

هذه تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والمعنى: «قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين.

ولهذا قال تعالى: (? ? ? ں ں ? ? ?) 83.

وفيه بشرى أن العاقبة ستكون لهم، وما عليهم ليتأكدوا سوى السير في الأرض.

••دعوة الصحابة رضي الله عنه للعلو الإيماني.

يقول تعالى: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [آل عمران:139] .

في هذه الآية الكريمة رفع لهمة الصحابة، وإعلاء لشأنهم، وتأمل الخطاب الرباني: (ے ?) ، ومن كان هذا شأنه، لا يمكن أن يضعف أو يحزن، ثم يهيجهم لذلك (? ? ?) .

قال ابن عاشور: «التعليق بالشرط في قوله: (? ? ?) قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان، إذ قد علم الله أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم: إن علمتم من أنفسكم الإيمان. وجيء بإن الشرطية التي من شأنها عدم تحقيق شرطها، إتمامًا لهذا المقصد» 84.

••ثناء عظيم على الصحابة رضي الله عنهم.

قال القرطبي في قوله تعالى: (ے ?) : «وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة؛ لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه؛ لأنه قال لموسى: (? ? ?) [طه:68] .

وقال لهذه الأمة: (ے ?) .

وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى، فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: (ے ?) » 85.

••الرفق في معالجة الأخطاء.

يلاحظ في هذه الغزوة أن الله تعالى قد ترفق في عتابهم.

يقول تعالى: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [آل عمران:152] .

وتأمل (? ? ?) ، ثم لم يقل عز وجل: والله ذو فضل عليكم، وإنما على المؤمنين، ليعلم أن وصف الإيمان ثابت لهم، بل حازوا كماله رضي الله عنهم. والله أعلم.

••ضرب المثل بالمجاهدين السابقين.

قال تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:146 - 148] .

قال أبو حيان: «لما كان من المؤمنين ما كان يوم أحد، وعتب عليهم الله ما صدر منهم في الآيات التي تقدمت، أخبرهم بأن الأمم السالفة قتلت أنبياء لهم كثيرون، أو قتل ربيون كثير معهم، فلم يلحقهم ما لحقكم من الوهن والضعف، ولا ثناهم عن القتال فجعهم بقتل أنبيائهم، أو قتل ربييهم، بل مضوا قدمًا في نصرة دينهم، صابرين على ما حل بهم. وقتل نبي أو أتباعه من أعظم المصاب، فكذلك كان ينبغي لكم التأسي بمن مضى من صالحي الأمم السابقة، هذا وأنتم خير الأمم، ونبيكم خير الأنبياء. وفي هذه الجملة من العتب لمن فر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى» 86.

••أثر المعاصي في الهزيمة.

يقول تعالى: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [آل عمران:152] .

« (? ? ?) حتى إذا جبنتم وضعفتم (?) يقول: واختلفتم في أمر الله، يقول: وعصيتم وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم. وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بأحد» 87.

هذه المعصية من بعض الصحابة، -وكانت اجتهادًا منهم رضي الله عنهم وظنًا أن المعركة قد حسم أمرها-، كان لها أثر عظيم في الهزيمة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، ولكنه درس عملي لهم، ولكل من يأتي بعدهم ينبههم إلى خطر المعاصي.

••خطورة إيثار الدنيا على الآخرة.

يقول تعالى: (گ گ گ گ ? ? ? ?) [آل عمران:152] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت