فهرس الكتاب

الصفحة 1991 من 2431

تعددت المواضع القرآنية التي وردت فيها التحذيرات الإلهية، والتوجيهات الربانية، من الانزلاق في دوامة اللهو على حساب مقصد الخلق، وهو العبادة، وتنوعت الآيات الدالة على ذلك ما بين توجيه للمؤمنين إلى ضرورة المضي قدمًا لتحقيق مقصد وجودهم، وتهديد ووعيد للكافرين الذين انصرفوا يلهثون خلف شهواتهم، ونزواتهم متشاغلين لاهين عن سبب خلقهم ووجودهم، فوصفهم الله تعالى قائلًا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: 12] .

وانحصرت صور الملهى عنه، بالأمور الآتية:

••اللهو عن ذكر الله تعالى.

وجه الله تعالى عباده المؤمنين إلى المحافظة على الصلة به، وطريق ذلك دوام ذكره سبحانه وتعالى، في كل الأحوال، والهيئات، واستحضار عظمته، وقدرته، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَے) [المنافقون: 9] .

وذكر الله تعالى، عام في كل ما يذكر الإنسان بربه، ويبقيه على صلة به، سواء كان الصلوات الخمس أم قراءة القرآن وتدبر آياته، أم الدعاء، أم الجهاد في سبيل الله 109، فهو يعين على الخضوع الكامل، والاستسلام التام لأمر الله تعالى المصاحب بالتعظيم، والامتنان والافتقار إليه سبحانه وتعالى، وذلك له أثر مهم على الإنسان في تصحيح مساره دائمًا، نحو تحقيق مراد الله تعالى من الاستخلاف في هذه الأرض.

وقد امتدح الله تعالى، عباده المؤمنين بالثبات على الصراط المستقيم، دون أن يشغلهم شيء من متع الدنيا عن طاعته، وعبادته، فقال: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ? يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور: 37] .

ووجههم إلى ديمومة ذكره، والإكثار منه، والاحتراس من الانصباب، في أشغال الدنيا انصبابًا ينسي ذكر الله، أو يشغل عن الصلوات؛ لأن الفلاح يكون في الإقبال على مرضاة الله، فقال تعالى: (ٹ ٹ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?10?) [الجمعة: 10] .

والانشغال عن ذكر الله تعالى، بعمومه هو حال أهل الكفر والضلال، فقلوبهم لاهية عن تعظيم الله وشكره على نعمه، منصرفة عن تنفيذ أمره، غارقة في متع الدنيا وملذاتها، فصار مقصد حياتهم إشباع رغباتهم، والتلذذ بمتع الدنيا، وليس لهم همٌ سوى ذلك، فجعلهم الله تعالى في مصاف البهائم والأنعام، وتوعدهم بعذاب أليم يوم القيامة 110 فقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: 12] .

وقال أيضًا: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ? فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 3] .

••اللهو عن الصلاة.

الصلاة هي الرباط المتين الذي يربط العبد بربه، وهي أرفع صور العبادة، وأكمل وسيلة من وسائل الذكر؛ لأنها تعبر عن حالة الذل، والخضوع، والافتقار التي يتلبسها الإنسان ظاهرًا وباطنًا تعظيمًا لله تعالى الذي منحه من النعم ما لا يعد ولا يحصى 111، فقال تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14] .

وهي الناهية للإنسان عن فواحش الأمور ومنكراتها، فقال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45] .

إذن هي المقومة لأفعاله وأقواله، الموجهة له نحو الخير والفضيلة.

واللهو عن الصلاة، تضييع لجميع ما سبق ذكره من الخير، ويكون على الصور الآتية:

••تضييع الجماعات أو تأخير الصلوات عن أوقاتها 112.

••الإخلال بشروطها وأركانها 113.

••الإنشغال عن خطبة الجمعة، وما فيها من تذكير بالنعم، وحثًا على استدامتها 114.

••اللهو عن الزكاة.

تمثل الزكاة إحدى وسائل التطهير القلبية، والتزكية النفسية للعبد من الأمراض المنضوية على حب المال، والتعلق به، لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: 103] .

وتعد الوقاية من الشح، سببًا من أسباب الفلاح، كما أخبر تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?16?) [التغابن: 16] .

وحب المال والتعلق به، من أمات الخطايا التي تدعو صاحبها إلى الشح المهلك الباعث على حفظ المال وجمعه وازدياده وصيانته عن ذهابه في النفقات، وفي سبيل ذلك يتولد اللهو عن الإنفاق بالمعنى العام، والزكاة بالمعنى الخاص، وبهذا يكون قد شغل بجمع المال، والاستزادة منه وكنزه، على حساب الواجب العبادي المفضي إلى المحافظة على التآلف الاجتماعي.

••اللهو عن القرآن الكريم.

القرآن كتاب الله الهادي إلى الصراط المستقيم، والدال على السبل الموصولة إلى الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، العاصم من الزلل والزيغ، الحافظ من الضلال، ولا يكون ذلك إلا باتباع هديه، وتطبيق توجيهاته، دلت على ذلك نصوص كثيرة من القرآن والسنة، منها:

قوله تعالى: (إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 9] .

وقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ?) [البقرة: 185] .

واللهو عن القرآن الكريم، عبر عنه (بالهجر) لقوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَ?ذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: 30] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله مبينا معاني الهجر الواردة في هذه الآية: هجر القرآن أنواع:

أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.

والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

والخامس: هجر الاستشفاء و التداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به 115.

والتركيز على الأمور سالفة الذكر، لا يعني حصر اللهو فيها إنما فيه إشارات مهمة أراد الله سبحانه وتعالى توجيه نظر المؤمنين إليها، وهي على النحو الآتي:

••من انشغل عن حقوق الله، ولهى عنها كان عن غيرها أشغل.

••الأمور المذكورة، هي لب الأمور ورأسها، وهي شرائع تعلم العبد ترتيب الأولويات، والانضباط نحو تحقيق الهدف، فإذا شغل عنها كان إلى تضييع تحقيق المراد أقرب.

ثانيًا: اللهو عن الحساب وتبعاته:

من الحقائق المهمة التي تغيب عن قلب الإنسان وعقله، أن وجوده في هذه الحياة، إنما هو مؤقت بزمن محدد ومهمة معلومة، فإذا انتهى هذا الزمن انتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، للحساب على ما أنجز في حياته الأولى، لذلك ينبه القرآن في مواطن كثيرة إلى ضرورة التنبه إلى هذه الحقيقة، وعدم الغفلة عنها، ومن ذلك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ? فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ? وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر: 5] .

لكن الواقع في حياة الكثيرين، يدل على الغفلة عن ذلك اليوم، وعدم الاستعداد الحقيقي لما بعد الموت، يصدق فيهم قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2 ) ) [التكاثر: 1 - 2] .

والآية وإن نزلت في حق أهل مكة حين أشغلهم تكاثرهم بالمال والعدد حتى صاروا من أصحاب القبور، فإن هذا حال الكثيرين ممن هم على ظهر هذه الأرض 116.

وسبب غفلة الإنسان عن يوم المعاد يرجع إلى أمرين مترابطين ارتباطًا وثيقًا كلما ارتفعت وتيرة الأول ازدادت وتيرة الآخر، وهما: الغفلة عن ذكر الموت وأحواله، والاغترار بالحياة الدنيا وطول الأمل.

وتتمثل خطورة الغفلة عن ذكر الموت والحياة الآخرة، أنها تؤثر في حياة الإنسان الفكرية، والنفسية، والخلقية، سلبًا؛ فتدفعه إلى التمتع بملذات الحياة الدنيا، والإغراق فيها، بل يتعدى الأمر للخروج عن المتع المألوفة للفطرة السليمة السوية، إلى تناول قبائح المحرمات والجرأة عليها، لقوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) [المؤمنون: 74] .

كما أنها تربي في قلب صاحبها صفة الكبر الذي ينكر كل ما يخالف هواه، ويرفض ما لا تهواه نفسه، لقوله تعالى: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ) [النحل: 22] .

ومرد ذلك سببه الاعتقاد، عدم وجود حساب عن كل هذه الأفعال أو مساءلة، فإنما هي حياة، ثم موت، وفناء، هذا هو تفكير الكفار، ويبدو جليًا في الآية الكريمة: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [المؤمنون: 37] .

فهذه الآية جاءت على لسان الكافرين، فأمثال هؤلاء متوعدين بالجزاء من جنس عملهم، وهو نسيانهم في نار جهنم، لقوله جل جلاله: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ? فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَ?ذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) ا [الأعراف: 51] .

وقوله تعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ?20?) [الأحقاف: 20] .

لا بد لكل مرض علاج، ولكل داء دواء، فما أنزل الله من داء إلا أنزل معه شفاء! وأعظم دواء في العلاج، وأنجعه، وأكثره فعالية ما تنزل به القرآن الكريم، لقوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ? وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) [الإسراء: 82] .

ويتميز المنهج القرآني في علاج الإنسان؛ بقوته وفعاليته، فهو يقوم على انتزاع حب الدنيا المتجذر في القلب، مع تحجيم اندفاع الإنسان نحوها للاستزادة من لذائذها، ومتعها بما يؤدي إلى إلغاء طول الأمل لديه.

ويقوم العلاج القرآني على ركيزتين رئيسيتين، هما:

الأولى: علاج نفسي تربوي.

الثانية: علاج تطبيقي عملي.

أولًا: العلاج النفسي التربوي:

والمقصود بذلك، معالجة سلوكيات الأفراد المصابين بمرض اللهو من خلال إبطال المعتقدات الخاطئة الراسخة في عقولهم عن حقيقة الدنيا، وزيف متاعها وملذاتها، وعقوبة المخدوع بها، في المقابل يؤصل لمفاهيم جديدة، حول الحياة الأخرى، ودوام نعيمها، وجزاء العامل لها، مثال ذلك، قول الله تعالى: (وَمَا هَ?ذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ? وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(64 ) ) [العنكبوت: 64] .

واتبع القرآن الكريم، في هذا الشق العلاجي، مخاطبة العقل؛ لكونه محل إدراك ماهية الأمور، والقادر على التمييز بين صحيحها وسقيمها، ونافعها وضارها، والموجه إلى الصراط المستقيم، والمصحح حال الزيغ والضلال، وقد استعمل القرآن في مخاطبة العقل، الأمور الآتية:

••المقارنة بين الحياة الدنيا، والحياة الآخرة.

فقد وردت هذه المقارنة في القرآن الكريم، ثلاث مرات:

الأولى: قول الله تعالى: (وَمَا هَ?ذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ? وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(64 ) ) [العنكبوت: 64] .

وتركز هذه الآية، على مفهوم الحياة الحقيقية، وذلك من خلال استعمال لفظة «الحيوان» ، بمعنى الحياة الباقية التي لا حياة سواها، وهذا منبه مهم وفعال يساعد على لفت انتباه الإنسان نحو هذه الحياة، وتنفيره من الحياة الدنيا الزائلة، ومنع الاستغراق فيها 117.

الثانية: قول الله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ? وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ(32 ) ) [الأنعام: 32] .

ويلاحظ أن المقابلة في هذه الآية، هو بين نعيم الدنيا والآخرة، فنعيم الدنيا لعب ولهو يتشاغل به المتشاغلون عن الأكدار والهموم، وهو في نهاية المطاف فانٍ، في حين يكون نعيم الآخرة زمنه مديد ونعيمه مستمر 118.

الأخيرة: قول الله تعالى: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ? وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ [محمد: 36] .

والسياق الذي وردت فيه هذا الآية ينضوي على تنبيه مهم للإنسان، وهو الحذر من أن تكون الحياة الدنيا صارفة عن الواجبات المفروضة، ويراد بالواجب هنا الجهاد في سبيل الله، وفي السياق أيضًا، إشارة إلى الحياة الدنيا إذا عمرت بالإيمان والتقوى، حملت خيرًا كثيرًا 119.

والفهم الخاطئ لهذه الآيات، يتسبب بإشكال ينتج عنه فكرين متضادين:

أحدهما: الدعوة للزهد في الدنيا، والانصراف عن الانتفاع بخيراتها، مما ينتج عنه معاداة لكل المظاهر الدنيوية، ويصل الأمر إلى محاربة الحاجات الفطرية عند الإنسان، فيؤدي إلى التخلف، والجمود، والجهل، ولعل أبرز مثال على ذلك، ما أورده القرآن الكريم، وهو الرهبانية التي ابتدعها النصارى، فقد قال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) [الحديد: 27] .

والثاني: يهاجم الدين ويعاديه ويتهمه بالتحجر والتسبب بالتخلف والرجعية، وينتج عن هذا الاستغراق في متع الدنيا ولذائذها، وهجر كل ما له صلة بالدين، وخير مثال على ذلك من الزمن الماضي الثورة على الكنيسة في أوروبا والتحلل من كل القيم والمعتقدات الدينية.

والخلل كما أسلفت، إنما هو في الفهم والسلوك الذي يترتب عليه، وقد قدم القرآن المنهجية الواضحة الصحيحة في كيفية التعامل مع الدنيا، وجاء ذلك على لسان الصالحين من قوم قارون حين قدموا له النصح قائلين: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ? وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ? وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ?77?) [القصص: 77] .

وعلق سيد قطب على هذه الآية قال: والقرآن لا يعني بهذا أن يحض على الزهد في متاع الحياة الدنيا والفرار منه وإلقائه بعيدا. إن هذا ليس روح الإسلام ولا اتجاهه. إنما يعني مراعاة الآخرة في هذا المتاع، والوقوف فيه عند حدود الله. كما يقصد الاستعلاء عليه فلا تصبح النفس أسيرة له، يكلفها ما يكلفها فلا تتأبى عليه! والمسألة مسألة قيم يزنها بميزانها الصحيح. فهذه قيمة الدنيا وهذه قيمة الآخرة كما ينبغي أن يستشعرها المؤمن ثم يسير في متاع الحياة الدنيا على ضوئها، مالكا لحريته معتدلا في نظرته: الدنيا لهو ولعب، والآخرة حياة مليئة بالحياة 120.

••ضرب الأمثلة القرآنية.

من ذلك تشبيه الحياة الدنيا بالزرع الذي لا يفتأ أن يكبر ويخضر، وتزهو ألوانه، حتى يصفر ويتحطم، وقد ورد هذا النوع من الأمثال التشبيهية، في أربعة مواضع من القرآن الكريم، منها قول الله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى? إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ? كَذَ?لِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?24?) [يونس: 24] .

وتكمن أهمية هذا المثل القرآني، في أنه يصور الحياة الدنيا تصويرًا حسيًا واقعيًا، قريبا إلى العقول والقلوب، يراه الناس في كل مكان من هذه الأرض، وقد بينا ابن القيم وجه التمثيل في هذا المثل القرآني، فقال: شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها، قادر عليها، سلبها بغتة، أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها 121.

ثانيًا: العلاج التطبيقي العملي:

تظهر نجاعة العلاج القرآني، في معالجة الأخطاء والسلوكيات السلبية في التكامل التام، والانسجام الكامل في الخطط المقدمة لعلاجها، فهو يردفها بالتطبيقات العملية المساعدة على التخلص من كل ما من شأنه أن يؤثر سلبا في مقصد وجود الإنسان على هذه الأرض، وتقوم الخطط العلاجية العملية على ثلاثة محاور:

••الإنفاق.

أرشد الله عباده المؤمنين إلى الإنفاق، وحثهم عليه قبل مداهمة الموت لهم، فقال تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون: 10] .

ويعد الإنفاق من أنجع وسائل التربية إذ يقوم على ركيزتين مهمتين، هما: التطهير والتزكية، ورد ذلك في قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) [التوبة: 103] .

فالتطهير يزيل من النفس مرض الأنانية والذي يتجسد بجمع المال وكنزه، واحتكاره لصالح أفراد معينين، ثم صرفه في وجوه العبث، واللهو بلا هدف نافع.

والتزكية ترسخ مبدأ التعاونية، والشعور بالآخر من خلال توجيه استعمال المال في منفعة البشر ودوام تطورهم، واستخدم القرآن في سبيل تعزيز الإنفاق الأساليب الآتية:

••التذكير بأن المال هو ملك لله وعاريته وهبه الله لبني البشر من أجل استعماله في تحقيق مقصد العبادة، ورد ذلك في مواضع متعددة في القرآن الكريم، فمن ذلك، قول الله تعالى: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور: 33] . وقوله أيضًا: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [المنافقون: 10] . فها هو ذا يقول أبو السعود: إضافة المال إليه تعالى ووصفه بإيتائه إياهم للحث على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به فإن ملاحظة وصول المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالك الحقيقي له من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها 122. وقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ?) [الحديد: 7] . وفي هذه الآية تنبيه الغافلين بأن ما يجري في أيديهم من أموال، إنما هو لله تعالى، جعل الناس خلائف عنه في التصرف فيه مدة ما، فلما أمرهم بالإنفاق منها على عباده، كان حقا عليهم أن يمتثلوا لذلك 123.

••التحذير من عواقب كنز المال، وخزنه على الفرد في الدنيا والآخرة، فخازن المال تقتله الحسرة والندامة على تقصيره في الإنفاق، فيتمنى الرجعة حتى ينفق لما يرى من الثواب الذي فاته: (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ?) [المنافقون: 10] . ويوم القيامة يذوق ألم الكي بالأموال المكنوزة التي كان يتلذذ بجمعها، ويحرم الفقراء من التمتع بشيء منها، فقال جل جلاله: (يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ? هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة: 35] .

••مصاحبة الصالحين، والابتعاد عن اللاهين، ومقاطعة مجالسهم.

فالإنسان بطبعه مدني، فطره الله تعالى على حب المخالطة والنفور من الوحدة، والبيئة التي ينشأ فيها الإنسان تؤثر فيه سلبًا أو إيجابًا، لذلك، كان للصحبة أثر مهم جدًا في حياة الإنسان؛ فهي إما أن تكون عائقةً عن الخير مثبطةً عنه، داعمةً للشر، ومحفزة عليه، لذلك جاءت التوصيات الإلهية للنبي عليه السلام والمؤمنين من بعده بلزوم الرفقة الصالحة المقبلة على الله دومًا، الذاكرة له في كل الأوقات، لقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: 28] .

كما تعددت التوصيات الآمرة بالابتعاد عن الغافلين اللاهين، لقوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ?) [النساء: 140] .

وقوله تعالى: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ?) [الأنعام: 70] .

وقوله أيضا: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28] .

وها هو ذا الإمام الغزالي، يقول: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدرى» 124.

••التذكير الدائم بعاقبة اللهو الدنيوي والأخروي.

وفي ذلك فوائد منها إقامة الحجة على المعرضين، الثاني: إيقاظ النفس من غفلتها وسباتها، والأخير: تقوية الإيمان وزيادته في القلب.

لقد اتخذ التذكير في القرآن الكريم، صورًا عديدةً، هي:

••السير في الأرض، للاعتبار من مصير اللاهين.

قال تعالى: (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ? أُولَ?ئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [التوبة: 69] .

وقال تعالى: (?أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ? فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ?9?) [الروم: 9] .

والسير في الأرض يترك أثرا كبيرًا في القلب؛ لأنه يقرب المشاهد الواقعية من الإنسان، فيرى بأم العين ما حل بالأمم التي استغرقت في ملذاتها وشهواتها، مما يجعله يعيد حساباته من جديد حول أسلوب حياته وطريقتها 125.

••التذكير بالموت وما بعده.

قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) } [التكاثر: 1 - 2] .

وقال تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } [الأنعام: 70] .

وهذا له الأثر البالغ على النفس حين يعلم أنه سيغادر هذه الدنيا صفر اليدين كما دخلها، ويعزز هذا الشعور إذا شيع جنازة أو زار قبرًا، كما أن التذكير بيوم الحساب يردع النفس عن غيها، وإغراقها في المتع والملذات؛ لإدراك الإنسان أنه محاسب على أقواله وأفعاله.

اللهو داء خطير، ذو عواقب سيئة، تمتد آثارها السلبية، لتشمل الإنسان في حياته الدنيا وفي الآخرة، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: عاقبة اللهو في الدنيا.

تتعدد صور الخسران الدنيوي الذي يلحق باللاهي، سواء كان فردا أو جماعة، ومن ذلك:

1.اللهو يؤدي إلى سلب صفة التكريم الإلهي التي وهبها الله تعالى للإنسان، بقوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70] .

بيان ذلك أن هم اللاهي في الحياة الدنيا، ينصب نحو التمتع والتلذذ بما خلق الله، وأوجد على الأرض من غير أن يصاحب ذلك تحقيق أهداف ذات أثر جيد على الأرض، فيصبح شأنه شأن أي حيوان موجود على هذه الأرض، وقد وصف الله تعالى الكفار، ومن خطا خطاهم، بقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد: 12] بل عدهم الله تعالى أقل درجة من الحيوانات، وأدنى رتبة منها، فقال تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] .

يقول سيد قطب: «إن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة، المتلقاة من الله خالق الحياة، فإذا فقد هذا كله، فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله» 126.

1.اللهو يؤدي إلى اندثار الأمم وزوالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت