فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 2431

الأمر

أولًا: المعنى اللغوي:

الأمر: الشأن، وجمعه أمور، ومصدر أمرته: إذا كلفته أن يفعل شيئًا، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كله 1؛ يقال: أمر فلانٍ مستقيمٌ وأموره مستقيمةٌ، وإذا أمرت من أمر قلت: مر، وأصله أؤمر، فلما اجتمعت همزتان، وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال الساكن فاستغني عن الهمزة الزائدة، والهمزة والميم والراء أصولٌ خمسةٌ: الأمر من الأمور، والأمر ضد النهي، والأمر النماء والبركة بفتح الميم، والمعلم، والعجب 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الأمر في الاصطلاح: طلب الفعل على جهة الاستعلاء، أو هو: «طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء» 3، وعرف الجرجاني الأمر بقوله: «قول القائل لمن دونه: افعل» 4.

ومن خلال ما سبق يتضح أن العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي هي علاقة العموم والخصوص، فالأمر في اللغة ينصرف على عدة معانٍ متباينة، أما الأمر في الاصطلاح فقد أتى بمعنى اصطلاحي يقتصر عليه.

وردت مادة (أمر) في القرآن (248) مرة، يخص موضوعنا منها (88) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف:12]

الفعل المضارع ... 40 ... {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود:87]

فعل الأمر ... 5 ... {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف:199]

اسم الفاعل ... 1 ... {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:112]

صيغة المبالغة ... 1 ... {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53]

المصدر ... 7 ... {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) } [الأنعام:8]

وجاء الأمر الذي جمعه أوامر في الاستعمال القرآني بمعنى: استدعاء الفعل بالقول من الأعلى إلى الأدنى 6. ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] .

النهي:

النهي لغة:

النهي ضد الأمر، ونهاه عن كذا ينهاه نهيًا، أي: كف. . .، ونهى صديقه عن الخيانة، منعه وحذره منها 7.

النهي اصطلاحًا:

النهي: ضد الأمر وهو: اللفظ المستعمل لطلب الترك على وجه الاستعلاء 8.

الصلة بين الأمر والنهي:

أن النهي يشترك مع الأمر في الدلالة على الطلب، إلا أن الأمر يراد منه طلب الفعل والإتيان به، أما النهي فيراد منه النهي عن الفعل والزجر عنه، فالنهي باعتبار اشتمال متعلقه على مفسدة كان مطلوب الترك، والأمر باعتبار اشتمال متعلقه على مصلحة كان مطلوب الفعل.

الخبر:

الخبر لغة:

قال ابن فارس: الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لينٍ ورخاوةٍ وغزرٍ 9.

الخبر اصطلاحًا:

الخبر: هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، والخبر: العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر، وفي الاصطلاح القرآني: ما يعبر به عن واقعة معينة 10.

الصلة بين الأمر والخبر:

الأمر: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، والخبر: الكلام المحتمل للصدق والكذب، ونلاحظ أن هناك علاقة مترابطة بين المصطلحين، فالخبر يتضمن الأمر، والأمر يشمل الخبر وغيره.

الدعاء:

الدعاء لغة:

مأخوذ من مادة (د ع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، ومن هذا الأصل الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى 11.

الدعاء اصطلاحًا:

هو سؤال العبد ربه حاجته.

وقيل: طلب الأدنى من الأعلى تحصيل الشيء 12.

الصلة بين الدعاء والأمر:

الفرق بين الدعاء والأمر أن في الأمر ترغيبًا في الفعل، وزجرًا عن تركه، وله صيغة تنبئ عنه، وليس كذلك الدعاء، وكلاهما طلب، وأيضًا فإن الأمر يقتضي أن يكون المأمور دون الآمر في الرتبة 13.

بين القرآن الكريم أنواع الأمر الإلهي، وتفرد الله تعالى بالخلق والأمر، وسوف يتناول البحث ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: الله سبحانه وتعالى له الخلق والأمر:

إن العقل السليم قاضٍ لا محالة بأن الموجود لابد له من موجد {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] .

وأن المخلوق لابد له من خالق، وأن الكون لابد له من مدبر، ولا محالة بأن يكون الخالق غير المخلوق في صفاته وذاته وأفعاله، وأن هذا الخالق من مقتضيات ألوهيته وربوبيته أنه له الخلق والأمر، الإيجاد والتدبير والحساب والجزاء، فهو سبحانه المتحكم في الأكوان والعقول والقلوب وسائر الموجودات والأشياء، وبالجملة فإنه {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الزمر: 63] .

فالله سبحانه خالق الكون ومدبره.

قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] .

والخلق: إيجاد الشيء من العدم، والأمر: التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما خلقه، فهو سبحانه الخالق والمدبر للعالم على حسب إرادته وحكمته، لا شريك له في ذلك، فهو سبحانه هو الذي خلق الأشياء كلها، ويدخل في ذلك السموات والأرض وغيرهما، وهو الذي دبر هذا الكون على حسب إرادته 14.

يقول الإمام ابن عاشور: «والتعريف في الخلق والأمر تعريف الجنس، فتفيد الجملة قصر جنس الخلق وجنس الأمر على الكون في ملك الله تعالى، فليس لغيره شيء من هذا الجنس، وهو قصر إضافي معناه: ليس لآلهتهم شيء من الخلق ولا من الأمر، وأما قصر الجنس في الواقع على الكون في ملك الله تعالى فذلك يرجع فيه إلى القرائن، فالخلق مقصور حقيقة على الكون في ملكه تعالى، وأما الأمر فهو مقصور على الكون في ملك الله قصرًا ادعائيًا؛ لأن لكثير من الموجودات تدبير أمور كثيرة، ولكن لما كان المدبر مخلوقًا لله تعالى كان تدبيره راجعًا إلى تدبير الله» 15.

ففي الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله عز وجل، ففيه رد على من يقول: إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم، فأخبر الله أنه هو الخالق المدبر لهذا العالم لا الشمس والقمر والكواكب، وله الأمر المطلق، وليس لأحد أمر غيره، فهو الآمر والناهي الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه، ويدخل في ذلك السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار دخولًا أوليًا، فهو الذي دبرها وصرفها على حسب إرادته 16.

فقوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] .

فيه ما يسمى (إيجاز قصر) وهو جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، فالآية أرشدت أن الله عز وجل هو المنفرد بقدرة الإيجاد، وخالق السماوات والأرض، فهو الذي يجب أن يعبد؛ ولهذا عندما سئل المشركون عن المدبر والخالق لهذا الكون بما يحويه من سماء وأرض ونجوم وجبال وشجر، فكان الجواب بدون تردد بأنه هو الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 21] 17.

فهو يدبر أمر ملكه بما اقتضاه علمه من النظام، واقتضته حكمته من الإحكام، ولا يستنكر من رب هذا الخلق المدبر لأمور عباده أن يفيض ما شاء من علمه على من اصطفى من خلقه، ما يهديهم به لما فيه كمالهم من عبادته وشكره؛ وبذلك تصلح أنفسهم، وتطهر قلوبهم، وتستنير أفئدتهم؛ لتتم لهم بذلك الحياة السعيدة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، كما لا يستنكر أن هذا الوحي منه عز وجل إذ هو من كمال تقديره وتدبيره، ولا يقدر عليه سواه 18.

فالخالق المدبر له {الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4] .

يقضي في خلقه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويظهر من شاء منهم على من أحب إظهاره عليه، فلله الأمر من قبل ومن بعد، فإياك أن تظن أن انتصار الباطل جاء غصبًا عن إرادة الله، أو خارجًا عن مراده، إنما أراده الله وقصده لحكمة، يعني: إياكم أن تفهموا أن انتصار الفرس على الروم، أو انتصار الروم على الفرس خارج عن مرادات الله، فلله الأمر من قبل الغلب، ولله الأمر من بعد الغلب، فحين غلبت الروم لله الأمر، وحين انتصرت الفرس لله الأمر؛ لأن الحق سبحانه يهيج أصحاب الخير بأن يغلب أصحاب الشر، ويحرك حميتهم، ويوقظ بأعدائهم مشاعرهم، وينبههم إلى أن الأعداء لا ينبغي أن يكونوا أحسن منهم 19.

فقوله سبحانه: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4] .

جملة معترضة لبيان قدرة الله تعالى التامة النافذة، فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي لابد أن يقترن بها القضاء والقدر 20.

قال ابن كثير: «وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر، في قول طائفة كبيرة من العلماء ... ، فلما انتصرت الروم على فارس فرح المؤمنون بذلك؛ لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو عند جمهور المفسرين» 21.

فالحق سبحانه {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] .

فالتدبير والتفصيل متجدد متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات، وتدبير الأمر: تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها وأكملها، والآيات: جمع آية، والمراد بها هنا: ما يشمل الآيات القرآنية، والبراهين الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته سبحانه.

أي: أنه سبحانه يقضى ويقدر ويتصرف في أمر خلقه على أكمل الوجوه، ومن تدبيره لأمور خلقه، ومن تفصيله للآيات لعلكم عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق توقنون بلقائه، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم؛ لكي يحاسبكم على أعمالكم 22.

فالحق يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه، فالله سبحانه وتعالى تصير إليه جميع الأمور {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210] .

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [آل عمران: 109] .

وهو المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب.

ففيه دليل على كمال القدرة والرحمة؛ لأن جميع العالم محتاجون إلى تدبيره ورحمته، داخلون تحت قهره وقضائه وقدرته {يُفَصِّلُ الْآيَاتِ} [الرعد: 2] .

يعني: أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، ومنها الموجودات المشاهدة، وهي خلق السماوات والأرض وما فيهما من العجائب، وأحوال الشمس والقمر وسائر النجوم والموجودات الحادثة في العالم، وهي الموت بعد الحياة، والفقر بعد الغنى، والضعف بعد القوة، إلى غير ذلك من أحوال هذا العالم، وكل ذلك مما يدل على وجود الصانع، وكمال قدرته 23.

فله تعالى القدرة المطلقة {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد:31] .

أي: لو ثبت أن قرأنًا يقرأ ويتلى سيرت به الجبال، فانتقلت من أماكنها، وانفسحت عن شعابها لتتسع رقعة للزرع والغراس، أو قطعت الأرض فتشققت، لا تكون منها بحار تجري فيها المياه، أو يكلم به الموتى بمعنى أنه يحييها، ثم يكلمها، ولكن الكلام لا يسير الجبال، ومع ذلك فهو أقوى تأثيرًا، وكان يمكن أن يؤثر في قلوب المشركين بأشد من ذلك، لولا أن عنادهم حجر قلوبهم، وكما قال سبحانه: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21] ولكن القلوب التي سكنها الشرك والكفر، وهي كالحجارة أو أشد قسوة، بل لله الأمر جميعًا، الإضراب للانتقال بين هذا إلى بيان أن اختيار المعجزات من أمر الله، وله وحده كل الأمر، أي: أن الإضراب متوجه إلى ما يؤدي إليه كون الأمر لله سبحانه، ويستلزمه من توقف الأمر على ما تقتضيه حكمته ومشيئته 24.

فمما لايشك فيه شاك، ولا يرتاب فيه مرتاب بأن {الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] .

فالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره بيد الله، وجميع الأمور لله سبحانه وتعالى، فالحكم والشأن المتعلق بعموم ما يكون وما كان كله لله، مستند إليه أولًا، وبالذات بلا رؤية الأسباب والوسائل 25.

وبهذه الآيات وغيرها يثبت أن الخالق المدبر الموجد لجميع العوالم هو الحق سبحانه وتعالى القادر المقتدر، بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر، والله وأعلم.

ثانيًا: أنواع الأمر الإلهي:

1.الأمر القدري الكوني.

يتمثل في أمر الإنشاء والتكوين والإيجاد.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [غافر: 68] .

يعني: فإذا قضى وقدر أمرًا يريد إنفاذه وإيجاده وإنشاءه، وإخراج المخلوق من العدم، فإنما يقول له: كن فيكون، ويوجد من غير توقف على شيء آخر، ولا معاناة ولا كلفة، أي: إن كل مخلوق يوجد بإرادة الله وحده، مما يدل على وجوده سبحانه، وبهذا يتبين أن إيجاد المخلوق يعتمد على أمرين: الأمر الإلهي بالإيجاد (أي الأمر القدري الكوني) وتلبس القدرة الإلهية بإيجاده وإظهاره، لا قبل ذلك، ففي حال العدم لا يظهر الشيء؛ إذ لا يوجد الأمر، ولا شيء بعد الإيجاد؛ لأن ما هو كائن لا يقال له: كن 26.

وقال عز من قائل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 36] .

فالمراد من الأمر هنا الأمر التكويني.

أي: إنما شأنه تعالى في إيجاد الأشياء أن يقول لما يريد إيجاده: تكون فيتكون، ويحدث فورًا بلا تأخير 27.

وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول: يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم. . .، وكلكم فقير إلا من أغنيت، فاسألوني أغنكم. . .، كذلك لا ينقص من ملكي، ذلك بأني جواد ماجد صمد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئًا فإنما أقول له: كن، فيكون) 28.

فالآيتان تنبهان على قدرة الله في الإحياء والإماتة، وعلى سرعة إنجاز الخلق والتكوين بمجرد إرادة الله الفعل.

2.الأمر الشرعي الديني.

يتمثل الأمر الشرعي الديني في أمر الحق سبحانه وتعالى، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم للعباد بالإيمان، والتوحيد، وأداء العبادات، والتكاليف الشرعية، والأمر بالتمسك بالأخلاق والقيم، فالأمر الشرعي الديني يشمل الأمر العلمي (الاعتقادي) والعملي (التكليفي) والتهذيبي (الأخلاقي) .

وبالجملة يشمل كل ما هو مطلوب من العباد في جميع المجالات، وعلى كل الأصعدة، أي سواء أكانت تلك الأوامر متعلقة بمطلوب يتعلق بعلاقة العبد بربه، أو علاقته بغيره من البشر، أو علاقته بنفسه وذاته التي بين جنبيه، أم غير ذلك، فكل ما هو مطلوب من العبد يدخل تحت الأمر الشرعي 29.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .

بيان لما أمر به اليهود والنصارى من التوحيد والإخلاص لله بعد أن {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] .

وبين الحق ما أمر به النبي من قبل الحق سبحانه وتعالى {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11] .

فأمر النبي بعبادة الله، والإخلاص له، وهذا الأمر تدخل فيه الأمة المحمدية أيضًا، فهذا أمر شرعي ديني علمي أو اعتقادي، وقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] .

فهنا أمرٌ للنبي بأمر أهله بالصلاة والصبر عليها، والصلاة من التكاليف العملية، فهذا أمر شرعي ديني تكليفي.

3.الأمر الجزائي.

يتمثل في الجزاء المترتب على اتباع الأمر أو مخالفته، سواء أكان الجزاء دنيويًا أو أخرويًا، أي: حاضرًا أو مؤجلًا.

ومنه قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] .

أي: إنما أمرهم إلى الله يتولى جزاءهم، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون بالعقاب، إذا وردوا للقيامة 30.

ومثله: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: 66] .

أي: فلما جاء أمرنا بإنزال العذاب بهم في الوقت المحدد نجينا صالحًا والذين آمنوا معه برحمة عظيمة كائنة منا 31.

فأمر الله تمثل في الجزاء الذي لحق بهم، وهو الهلاك والدمار لعدم إيمانهم بالله ورسوله، والأمر الجزائي قد يكون أخرويًا كما في المثال الأول، وقد يكون دنيويًا كما في الثاني.

هذا عن مخالفة الأمر الإلهي، أما اتباع الأمر الإلهي فيكون له جزاء (إيجابي) هو الآخر كنتيجة طبيعية لتنفيذه، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

يعني: {وَأُولَئِكَ} الداعون إلى الخير، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فمقتضى القيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه يؤدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، ففي النص قصر، أي: نفي وإثبات، فهو يثبت الفلاح لهم، وينفي الفلاح عن غيرهم ممن لم يقم بهذا الواجب المقدس 32.

ثالثًا: صفات الأمر الإلهي:

من خلال تتبع النصوص التي بينت الأمر الإلهي نجد أنه يتميز بعدة صفات أساسية:

1.القسط.

وإليه الإشارة بقوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29] .

وهذا بيانٌ للمأمور به، وهو العدل، يقول تعالى ذكره لنبيه: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبًا على الله: ما أمر ربي بما تقولون، بل {أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} يعني: بالعدل، هو الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط 33 ولهذا فـ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42، الحجرات: 9، الممتحنة: 8] .

وفيه أن الله سبحانه يأمر بالعدل لا كما زعم المشركون والكفار من أن الله أمرهم بالفحشاء، أي: قل أمر ربي بالقسط فأطيعوه واتبعوه، فالحق سبحانه وتعالى من صفات أمره أنه يأمر عباده في هذا القرآن بالعدل والإنصاف، فيجب أن نكون نحن -من جانبنا- من العادلين في حقه بتوحيده، وعدم الإشراك به، قال أبو سليمان: العدل في كلام العرب: الإنصاف، وأعظم الإنصاف: الاعتراف للمنعم بنعمته، وفي حق عباده بإعطاء كل ذي حق حقه 34.

فالله أمر بالفضائل، وبما تشهد العقول السليمة أنه صلاح محض، وأنه حسن مستقيم، فالقصاص من القاتل عدل بين إحلال الدماء وبين قتل الجماعة من قبيلة القاتل لأجل جناية واحد من القبيلة لم يقدر عليه، وأمر الله بالإحسان وهو عدل بين الشح والإسراف، فالقسط صفة للفعل في ذاته بأن يكون ملائمًا للصلاح عاجلًا وآجلًا، أي: سالمًا من عواقب الفساد 35.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت