فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 2431

الأخذ

أولًا: المعنى اللغوي:

الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرَع منه فروعٌ متقاربة في المعنى، فالأصل حَوْز الشيء وجبْيُه وجمعه وتحصيله، وذلك تارةً بالتناول، وتارةً بالقهر، وهو خِلَافُ الْعَطَاءِ.

ولفظة «أخذ» في اللغة لها اشتقاقات متعددة تتقارب في المعنى، فتأتي بمعنى الحصول على الشيء بالتناول أو القهر، والأخذ بالذنب بمعنى العذاب والعقاب والإهلاك، واتخذت بمعنى كسبت، والإخاذ الغُدُر وأيضًا تقال لمن يأخذ أرضًا ويتملكها، والأخيذ تقال للأسير وللشيخ الغريب، والأَخيذةُ ما اغْتُصِبَ من شيء فأُخِذَ وقد يأتي الأخذ بمعنى الرمد، ويقال: أخذ إخذهم، أي: سلك طريقهم ومنهجهم، وتطلق الأخذة على الرقية 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يختلف معنى «أخذ» باختلاف السياق الذي ورد فيه المصطلح، ففي كل سياق يحمل معنى مختلفًا وفقًا للسياق الذي ورد فيه، وقد اتفق العلماء والمفسرون على معنى أخذ في السياق الواحد.

ومن معاني الأخذ: وقوع العذاب والإهلاك والاستئصال والعقوبة نتيجة الشرك بالله تعالى، وجحود آياته، وتكذيب رسله، ونتيجة الظلم الشديد 2.

كما يأتي الأخذ بمعنى الحوز للشيء وتحصيله 3، فالأخذ إمَا أن يكون خلاف العطاء، وهو ما كان باليد كالعطاء، وإما أخذ قهر، ومنه أخذ الأرواح، وأخذ العهود والمواثيق، وهذا المعنى ظاهر، والمعنيُ هنا المعنى الأوَل، وكلاهما صفة لله تعالى 4.

«فمعنى الأخذ: أن تحتوي الشيء، واحتواؤك له معناه أنك أقوى من تماسكه في ذاته، أو استمساك غيره به، وقد يكون الأَخْذ بلا ذنب» 5.

وردت مادة (أخذ) في القرآن الكريم (9) مرات 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 9 ... {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]

وجاء الأخذ في القرآن بمعنى العقوبة 7، ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) } [هود:102] .

والمفاعلة فيه للمبالغة 8.

الاتخاذ:

الاتخاذ لغةً:

أخذت الشيء آخذه أخذًا: تناولته، والمفعول متخذ، والاتخاذ: افتعال أيضًا من الأخذ، وهو مصدر من باب الافتعال، واستخذ أرضًا: اتخذها، والتأخاذ كالتذكار تفعال من الأخذ 9.

الاتخاذ اصطلاحًا:

أخذ الشيء لأمر يستمر فيه، مثل: الدار يتخذها مسكنًا والدابة يتخذها قعده ويكون الاتخاذ التسمية والحكم 10.

الصلة بين الأخذ والاتخاذ:

الأخذ: مصدر جاء بمعنى العذاب والحصول على الشيء، والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر فيه، مثل: الدار يتخذها مسكنًا، والدابة يتخذها قُعدة، والاتخاذ التسمية والحكم 11.

التناول:

التناول لغةً:

النون والواو واللام أصل صحيح يدل على إعطاء، ونولته: أعطيته، ونالت المرأة بالحديث والحاجة: سمحت، أو همت، و (النوال) العطاء، و (النائل) مثله، يقال: (نال) له بالعطية من باب قال و (ناله) العطية، و (نوله تنويلا) أعطاه نوالًا، و (ناوله) الشيء (فتناوله) ، وناولته فتناوله: أخذه 12.

التناول اصطلاحًا:

النيل إدراك الشيء ولحوقه يقال: نالني من فلان معروف، أي: وصل إلي، وأما النول بالواو فمعناه التناول يقال: نلته، أي: تناولته 13، وقد يأتي التناول بمعنى آخر وهو الإهانة والتعرض بالأذى قولًا أو فعلًا، كقولك: فلما خرج تناوله بعض الخصوم، وتناولاه من الذكر عبثًا بما لم يكن أهلًا له 14.

الصلة بين الأخذ والتناول:

التناول أخذ القليل المقصود إليه، ولهذا لا يقال: تناولت كذا من غير قصد إليه، ويقال: أخذته من غير قصد 15.

البطش:

البطش لغةً:

الباء والطاء والشين أصل واحد، وهو أخذ الشيء بقهر وغلبة وقوة والتناول بشدة عند الصولة، والأخذ الشديد في كل شيء بطش، بطش يبطش ويبطش بطشًا 16.

البطش اصطلاحًا:

البَطْشُ: الأَخذ الْقَوِيُ الشَدِيدُ، والبَطْشة: السَطْوة والأَخذُ بالعُنْف 17.

الصلة بين الأخذ والبطش:

البطش هو إحدى طرق الأخذ، فهو الأخذ القوي الشديد، وقد يطلق الأخذ على تناول الشيء بدون شدة أو قهر، بخلاف البطش الذي لا يكون إلا بالشدة والقهر، فلفظة البطش تدل على مضمون الشدة والغلبة.

الإهلاك:

الإهلاك لغةً:

الهاء واللام والكاف: يدل على كسر وسقوط، والهلاك: السقوط، ولذلك يقال للميت هلك، والهلك الشيء الهالك، واستهلك المال: أنفقه وأنفده، والتهلكة: كل ما عاقبته إلى الهلاك 18.

الإهلاك اصطلاحًا:

«هلاك النفس، حالة الإنسان البعيد عن طريق الخلاص أو النجاة، أو المنغمس في الرذيلة» 19، والإهلاك يكون بافتقاد الشيء عنك وهو عند غيرك موجود، أو هلاك باستحالة وفساد 20، فهو حالة توحي بانتهاء الشيء واستنفاذه سواء كان دمارًا أو موتًا أو استهلاكًا ونفاذًا، وهو نهاية لكل من سلك طريقًا بعيدًا عن طريق الحق والنجاة.

الصلة بين الأخذ والإهلاك:

يشترك الإهلاك مع الأخذ في معنى وقوع العقوبة والعذاب والاستئصال في حق أهله، وحصول ذلك يكون لنفس السبب، وهو: الشرك بالله والظلم وجحود آيات الله وتكذيب رسله.

يتناول هذا المبحث الأخذ في حقه تعالى، ومن ذلك نفي استيلاء السِنَة والنوم عن الله، كما تناول المواثيق التي أخذها الله على بني آدم، والمواثيق التي أخذها الله على الأنبياء بتبليغ رسالاته بأمانة وصدق، والمواثيق التي أخذها الله على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأن يؤمنوا برسله وكتبه وأن يبلغوا ما في كتبه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعدم تحريفها، إلا أنهم نقضوا هذه المواثيق إلا من عصمه الله منهم.

أولًا: تنزيه الله عن السِنَة والنوم:

قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] .

نفى الله عز وجل في هذه الآية أن تأخذه سِنَة ولا نوم، ولم يقل: لا ينام؛ لأن النوم يكون باختيار، والأخذ يكون بالقهر، والنوم من صفات النقص التي اتصفت به المخلوقات، فهي تحتاج إلى النوم من أجل الاستراحة من تعب سبق واستعادة القوة لعمل مستقبل، ولما كان أهل الجنة كاملي الحياة، كانوا لا ينامون 21، «والسِنَة والنوم من الأوصاف المستحيلة في حق الله تعالى، فإن النوم أخو الموت، ومن تأخذه السِنَة والنوم لا يكون قيومًا دائمًا بنفسه، مقيمًا لغيره، فإن السنة والنوم يناقض ذلك» 22، والسِنَة ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نومًا، وقال السدي: السِنَة: ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان، وهي أول النوم، والنوم معروف وهو فتور يعتري أعصاب الدماغ من تعب إعمال الأعصاب من تصاعد الأبخرة البدنية الناشئة عن الهضم والعمل العصبي، فيشتد عند مغيب الشمس ومجيء الظلمة فيطلب الدماغ والجهاز العصبي الذي يدبره الدماغ استراحة طبيعية فيغيب الحس شيئًا فشيئًا وتثقل حركة الأعضاء، ثم يغيب الحس إلى أن تسترجع الأعصاب نشاطها فتكون اليقظة.

ونفي استيلاء السِنَة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس، وفي هذه الجملة تأكيد لما قبلها، وإقرار لمعنى الحياة والقيومية الدائمة الكاملة، وفي لفظ الأخذ غلبة ما، فلذلك حسنت في هذا الموضع بالنفي.

فالله عز وجل لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيومًا، فهو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، ولو نام كان مغلوبًا مقهورًا؛ لأن النوم غالب النائم وقاهره، ولو وسن لكانت السماوات والأرض وما فيهما دكًا؛ لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانع المقدر عن التقدير بوسنه، وهذا توكيد لقيامه سبحانه على كل شيء، وقيام كل شيء به، ولكنه توكيد في صورة تعبيرية تقرب للإدراك البشري صورة القيام الدائم، في الوقت الذي تعبر فيه هذه الصورة عن الحقيقة الواقعة من مخالفة الله سبحانه لكل شيء 23.

جاء في الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) 24.

وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال إلاَ إذا تضمَن إثباتًا، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدحٍ كقوله: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] .

فإنه يتضمن كمال الحياة والقيام 25، فالله عز وجل لا ينام، أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، وإلا لكان ذلك نقصًا في حياته وقيوميته.

ولهذا أردف هذين الاسمين بنفي السِنَة والنوم، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء ولا يغيب عنه شيء، وجل عن أن يشبهه الأنام في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله؛ لأن الصفات تابعة لموصوفها فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقات 26.

«وفي ذلك نفي النقائص عن الله المتضمن لإثبات الكمالات» 27.

فحياة الله عز وجل غير قابلة للزوال ولا للنقص ولا للابتداء، بخلاف حياة الإنسان فإنه وإن حاول أن يمتنع عن النوم فلابد أن يأخذه النوم أو يهلك، فالحاصل أن الله له الحياة الكاملة أزلًا: ابتداء وانتهاء واستمرارًا، فابتداء حيث لم تسبق، وانتهاء حيث لا يلحقها زوال، واستمرارًا حيث إنها حياة كاملة لا يعتريها سِنَة ولا نومًا ولا نقصًا بأي نوع من أنواع النقص 28.

ثانيًا: أخذ الميثاق:

بعد أن اصطفى الله تعالى الأنبياء كلفهم بتبليغ رسالته لأقوامهم، وأخذ منهم ميثاقًا غليظًا أن يبلغوا هذه الرسالة بأمانة وإخلاص، وأن يصدق بعضهم بعضًا، فجميعهم يحملون الرسالة نفسها، فأقروا على ذلك الميثاق، وشهد الله معهم على ذلك.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:81] .

تتحدث الآية عن أخذ الله ميثاق النبيين صلوات الله عليهم فيخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر وقت أخذه تعالى لميثاق الأنبياء.

وقد اختلف في تفسير الميثاق على أقوال:

الأول: أن الله أخذ ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضًا بالإيمان، ويأمر بعضهم بعضًا بذلك، فهذا معنى النصرة له، والإيمان به.

وهو ظاهر الآية، فحاصله أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر وينصره.

والقول الثاني: أن الله أخذ ميثاق الذين مع النبيين.

والثالث: أن في الكلام حذفًا، والمعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا.

وقوله: {أَأَقْرَرْتُمْ} هو من الإقرار، سمي العهد إصرًا لما فيه من التشديد والمعنى: وأخذتم على ذلك عهدي، ويستأنف الحديث بقوله: {قَالُوا أَقْرَرْنَا} وكأنه أراد القول: ماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل: قالوا: أقررنا. وإنما لم يذكر أحدهم الإصر اكتفاء بذلك 29.

قوله: {فَاشْهَدُوا} أي: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار.

وقيل: الخطاب فيه للملائكة.

{وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي: وأنا من الشاهدين على إقراركم ذلك.

وإدخال (مع) على المخاطبين، لأنهم المباشرون للشهادة حقيقة، وفيه من التأكيد والتحذير مالا يخفى.

{فَمَنْ تَوَلَّى} أي: أعرض عما ذكر بعد ذلك الميثاق، والتوكيد بالإقرار والشهادة، {فَأُولَئِكَ} المتولون المتصفون بالصفات القبيحة {هُمُ الْفَاسِقُونَ} الخارجون عن الطاعة من الكفرة 30.

فمما سبق يتبين لنا أن الله سبحانه أخذ موثقًا جليلًا كان هو شاهده وأشهد عليه رسله، موثقًا على كل رسول، أن صدق الأنبياء الذين سبقوه وكتبهم فهي جميعها من عند الله، أن يؤمن به وينصره، ويتبع دينه، فجميعهم من المنبع نفسه، وجعل هذا عهدًا بينه وبين كل رسول.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب:7] .

يخاطب المولى عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم قائلًا: واذكر حين أخذنا من النبيين جميعًا ميثاقهم، ومنك يا محمد خصوصًا، ومن نوح وابراهيم وعيسى عليهم السلام، وقد أخذ الله ذلك الميثاق ليسألهم يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم ووفوا به، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين، أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال للصادق: صدقت، كان صادقًا في قوله، أو ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم، وتأويل مسألة الرسل: تبكيت الكافرين بهم، و قدم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على نوح ومن بعده؛ وذلك لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين: قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه، وقال: مِيثَاقًا غَلِيظًا؛ للدلالة على عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه، وقيل: الميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا، وقد أكد الله على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين، فقد أعد للمؤمنين جنات النعيم كما أعد للكافرين عذابًا أليمًا 31.

فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، ونحن نشهد أن الرسل قد بَلَغُوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح الجلي، الذي لا لبس فيه، ولا شك، ولا امتراء، وإن كذبهم مَنْ كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومَنْ خالفهم فهو على الضلال 32.

خلق الله عز وجل بني آدم، وكرمهم على سائر المخلوقات، وجعلهم مستخلفين في الأرض، لإعمارها وإفراده بالعبادة، فأخذ عليهم الميثاق وهم في عالم الذر بأنه هو ربهم وهو وحده المستحق للعبادة والطاعة، وأشهدهم على ذلك، لتكون حجة عليهم يوم القيامة.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172] .

يخاطب المولى عز وجل في هذه الآية نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم قائلًا له: واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك، وإقرارهم به.

ولهذه الآية تأويلان:

أحدهما: قول البعض: وإذ أخذ ربك من بني آدم عليه السلام من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال الله وملائكته شهدنا عليكم بإقراركم بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.

والثاني: قال آخرون: ذلك خبر من الله عن قِيل بعض بني آدم لبعضٍ حين أشهد الله بعضهم على بعض، وقالوا: معنى قوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وأشهد بعضهم على بعض بإقرارهم بذلك 33.

واختلف في هذه الآية، هل هي خاصة أو عامة، فقيل: الآية خاصة؛ لأنه تعالى قال: {مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} ، فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم عليه السلام لصلبه.

وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء.

وقيل: بل هي عامة لجميع الناس؛ لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلًا فغذي وربي، وأن له مدبرًا وخالقًا.

فهذا معنى {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} .

ومعنى {قَالُوا بَلَى} أي: إن ذلك واجب عليهم.

وقوله تعالى: {مِنْ ظُهُورِهِمْ} ألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم، وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ.

ووجه النظم على هذا: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم، وإنما لم يذكر ظهر آدم عليه السلام؛ لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه، وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره.

فاستغنى عن ذكره لقوله: {مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} بالجمع؛ لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع؛ لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى 34.

والقول في {قَالُوا بَلَى} لدلالة حالهم على الاعتراف بالربوبية لله تعالى.

وحاصل المعنى: أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، وجعل في فطرة حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها.

والمقصود من قصة أخذ العهد تذكير المشركين بما أودع الله في الفطرة من التوحيد.

وهذا الأسلوب هو من تحويل الخطاب عن مخاطب إلى غيره، وليس من الالتفاف لاختلاف المخاطبين، والمعنى: أن ذلك لمَا جُعل في الفطرة عند التكوين كانت عقول البشر منساقة إليه، فلا يغفل عنه أحد منهم فيعتذرَ يوم القيامة إذا سئل عن الإشراك، بعذر الغفلة؛ فهذا إبطال للاعتذار بالغفلة، ولذلك وقع تقدير حرف نفي أي: أنْ لا تقولوا، وعُطف عليه الاعتذار بالجهل دون الغفلة بأن يقولوا: إننا اتبعنا آباءنا وما ظننا الإشراك إلا حقًا، فلما كان في أصل الفطرة العلمُ بوحدانية الله بطل الاعتذار 35.

بعد أن أرسل الله النبيين إلى أهل الكتاب، وأنزل عليهم الكتب السماوية بما فيها من تشريع، أخذ على أهل الكتاب ميثاق تبيينها للناس وتعليمهم إياها، ولكنهم قاموا بتحريف الكتب السماوية؛ وفقًا لأهوائهم، وتركوا شريعة الله السليمة وراء ظهورها ورفضوا الاحتكام لها، كما أخذ علي بني إسرائيل ميثاقًا بعدم الشرك بالله وعدم تكذيب الأنبياء، ولكنهم كعادتهم لا عهد لهم ولا ذمة، وخير دليل على ذلك قتلهم للأنبياء ومعاداتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وما يفعلونه من معاداة للإسلام والمسلمين اليوم في فلسطين، واعتدائهم على حرمات بيوت الله، وسعيهم الحثيث لهدم المسجد الأقصى، فلا أمان لهم إلى يوم القيامة، وكذلك أخذ المواثيق على النصارى باتباع عيسى عليه السلام ولكنهم أشركوا بالله واتخذوا من المسيح إلهًا لهم، فألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران:187] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت