وقال: «وأما قوله: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} ، فإن تأويله على ما قد بيّنت، من أنه: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} ، فلم تدركوه مما كنتم ترجون إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور، وحيازة غنائمهم {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} ، في أنفسكم، من جرح من جرح وقتل من قتل من إخوانكم» 119.
وقال: « {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} من الهزيمة» 120.
وقال السعدي: «يقول تعالى مشجعًا لعباده المؤمنين، ومقويًا لعزائمهم ومنهضًا لهممهم: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} » 121.
ثالثًا: الحزن حال الكرب:
من الحزن الذي جاء منهيًّا عنه في القرآن الكريم الحزن حال الكرب، وقد وقع الكرب لنبي الله لوط عليه الصلاة والسلام ومريم-عليها السلام-وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ونهوا جميعًا عن الحزن في تلك الأحوال، وهذا تفصيل تلك الأحوال:
1.لوط عليه الصلاة والسلام.
لما أرسل الله ملائكته لإهلاك قوم لوط جاءوا لوطًا عليه الصلاة والسلام في صورة فتيان حسان، فأصابه عليه الصلاة والسلام الهم ونزل به الكرب خوفًا على ضيوفه من أذى قومه، وكان لا يعرف أنهم ملائكة، وما لبث غير يسير حتى جاء قومه يريدون من لوط أن يترك لهم ضيوفه ليفعلوا بهم ما يريدون، فأخذ يدافع قومه ويجادلهم علّهم يرجعون، ولكن دون جدوى، ومن شدة الكرب الذي نزل به والخوف على ضيوفه قال لقومه: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) } [هود:80] .
فقالت له الملائكة: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود:81] .
في هذا الحال وفي هذه الكربة ينهى نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام عن الحزن، لأن أولئك الأشرار لن يصلوا إلى ضيوفه، وأن العذاب نازل بقومه.
يقول الله سبحانه: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) } [العنكبوت:33] .
قال ابن كثير: «لما استنصر لوط عليه السلام بالله عز وجل عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم عليه السلام في هيئة أضياف ... ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شبان حسان، فلما رآهم كذلك {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} أي: اغتم بأمرهم إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة قالوا: {لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ} » 122.
وقال سيد قطب -بعد أن ذكر مشهدين للآيات السابقة لهذه الآية-: «وينتقل إلى مشهد ثالث. مشهد لوط وقد جاء إليه الملائكة في هيئة فتية صباح ملاح وهو يعلم شنشنة قومه، وما ينتظر ضيوفه هؤلاء منهم من سوء لا يملك له دفعًا. فضاق صدره وساءه حضورهم إليه، في هذا الظرف العصيب: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} .. ويختصر هنا هجوم القوم على الضيوف، ومحاورة لوط لهم، وهم في سعار الشذوذ المريض .. ويمضي إلى النهاية الأخيرة. إذ يكشف له الرسل عن حقيقتهم، ويخبرونه بمهمتهم، وهو في هذا الكرب وذلك الضيق: {وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} » 123.
2.مريم عليها السلام عند مخاضها.
لما حملت مريم عليها السلام بعيسى عليه السلام خافت من الفضيحة فابتعدت عن الناس 124 إلى مكان بعيد، «فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيًا منسيًّا فلا تذكر» 125.
وما تتمنى هذه الأمنية إلا أن الكرب قد بلغ بها مبلغه، واشتد عليها حتى قالت هذا القول، وفي هذا الحال العصيب والكرب الشديد تنهى عن الحزن، وتبشر بأن الله أكرمها بنهر تشرب منه.
قال الله تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) } [مريم:24] .
قال السعدي: «فحينئذ سكّن الملك روعها وثبّت جأشها وناداها من تحتها، لعله في مكان أنزل من مكانها، وقال لها: لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي، فـ {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} أي: نهرًا تشربين منه» 126.
3.أبو بكر عندما كان في الغار مع النبي صلى الله عليه وسلم.
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رفيقًا للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار يوم الهجرة، وجاء المشركون يبحثون عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حتى وصلوا إلى باب الغار فأخذ الكرب أبا بكر وبلغ به مبلغًا عظيمًا، خوفًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، فإذا بالتوجيه النبوي لرفيق الدرب بأن لا يحزن، لأن الله معهم.
قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } [التوبة:40] .
قال الإمام الطبري: « {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} ، إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر، {لَا تَحْزَنْ} ، وذلك أنه خاف من الطّلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَا تَحْزَنْ} ، لأن الله معنا والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا» 127.
وقال العز بن عبد السلام: «ولما ألمّ الحزن قلب أبي بكر رضي الله تعالى عنه بما تخيله من وهن الدين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تحزن إن الله معنا بالنصر عليهم» 128.
رابعًا: الحزن عند الموت:
لا شك أن الموت مصيبة عظيمة يصاب بها الإنسان وله كرب شديدة وأهوال عظيمة حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم عند موته كان يدخل يده في ركوة 129 فيها ماء ويمسح بها جبينه ويقول: (لا إله إلّا اللّه، إنّ للموت سكراتٍ) 130.
في هذه الكربة العظيمة هناك صنف من الناس تتنزل عليهم الملائكة وتقول لهم: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} ، تنهاهم عن الحزن في ذلك الكرب من باب البشرى لهم.
قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) } [فصلت:30] .
قال الشوكاني: « {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} أن هي المخفّفة أو المفسرة أو الناصبة، ولا على الوجهين الأوّلين ناهيةٌ، وعلى الثّالث نافيةٌ، والمعنى: لا تخافوا ممّا تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدّنيا من أهلٍ وولدٍ ومالٍ. قال مجاهدٌ: لا تخافوا الموت ولا تحزنوا على أولادكم، فإنّ اللّه خليفتكم عليهم. وقال عطاءٌ: لا تخافوا ردّ ثوابكم فإنّه مقبولٌ، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإنّي أغفرها لكم» 131.
خامسًا: الحزن على الفائت:
لما وقعت غزوة أحد كان في بداية الأمر النصر والظفر للمسلمين على المشركين، حتى أن منهم من بدأ بجمع الغنائم، ولكن لما خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا من فوق الجبل التفّ عليهم المشركون وتحولت المعركة من نصر إلى هزيمة وفات المسلمون ما كانوا قد أحرزوه من نصر وغنيمة، فأصابهم الغم والحزن، فأنزل الله سبحانه بعد هذه المعركة آيات تنهاهم على الحزن على ما فاتهم.
قال تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) } [آل عمران:153] .
قال الألوسي: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من النصر» 132.
وقال البغوي: «من الفتح والغنيمة» 133.
وقال ابن كثير: «أي على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم» 134.
وفي سورة الحديد نهانا الله سبحانه عن الحزن على ما يفوتنا من الدنيا.
قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد:22 - 23] .
قال الإمام الطبري: «يعني تعالى ذكره: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في أموالكم ولا في أنفسكم، إلا في كتاب قد كتب ذلك فيه، من قبل أن نخلق نفوسكم {لِكَيْلَا تَأْسَوْا} يقول: لكيلا تحزنوا، {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الدنيا، فلم تدركوه منها، {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} منها» 135.
وقال المراغي: «أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا بآت» 136.
هذه هي الآيات التي فيها النهي عن الحزن، وهي متنوعة كما مرت معنا فمنها ما ينهى عن الحزن على إعراض المعرضين، ومنها ما ينهى عن الحزن عند الهزيمة، ومنها ما ينهى عن الحزن عند الكرب، ومنها ما ينهى عن الحزن على الفائت.
في ذلك اليوم العصيب، يوم الفزع الأكبر، يوم الأهوال العظيمة والشدائد الجسام، يؤمِّن الله سبحانه وتعالى صنفًا من عباده، وهم المتقون، يطمئنهم بأنهم لا خوف عليه ولاهم يحزنون، هؤلاء العباد يتكرم عليه الرحمن ويجعلهم في أمن وأمان.
يقول الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) } [الأنبياء:98 - 103] .
أي: من كتبت له السعادة والنجاة من النار فأولئك يكونون مبعدين عنها لا يسمعون صوت لهيبها، ولا يخافون من أهوالها وآلامها، بل يكونون في نعيم دائم وتستقبلهم الملائكة مهنئين لهم قائلين: هذا يومكم الذي كنتم توعدون في الدنيا 137.
قال الشوكاني: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} قرأ أبو جعفر وابن محيصن {لَا يَحْزُنُهُمُ} بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون {لَا يَحْزُنُهُمُ} بفتح الياء وضم الزاي. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، والفزع الأكبر: أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب 138.
وقال ابن كثير: « {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} قيل: المراد بذلك الموت، رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة عن عطاء، وقيل: المراد بالفزع الأكبر النفخة في الصور، قاله العوفي عن ابن عباس، وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره، وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري، وقيل: حين تطبق النار على أهلها، قاله سعيد بن جبير وابن جريج، وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار، قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي حاتم عنه» 139.
وقال القرطبي: «والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة والبعث، عن ابن عباس» 140.
فتحصل في تفسير الفزع الأكبر الأقوال الآتية:
-الموت.
-النفخة في الصور.
-حين يؤمر بالعبد إلى النار.
-حين تطبق النار على أهلها.
-حين يذبح الموت بين الجنة والنار.
-أهوال يوم القيامة والبعث.
ولا تنافي بين تلك الأقوال، فإن الله يؤمن عبده المؤمن من كل ذلك.
يقول الألوسي: « {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} بيان لنجاتهم من الإفزاع بالكلية بعد نجاتهم من النار؛ لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر الإفزاع لم يحزنهم ما عداه بالضرورة كذا قيل» 141.
ومن الآيات الدالة على نفي الحزن عن عباد الله المتقين يوم البعث قوله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) } [الزخرف:67 - 68] .
والمعنى: يا عباد الله المؤمنين الذين تحققتم في العبودية لرب العالمين، لا خوفٌ عليكم في هذا اليوم العصيب، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من الدنيا 142.
وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم: يا عبادي لا خوف عليكم 143.
يقول الإمام الطبري: «وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة ما ذكر عليه. ومعنى الكلام: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} ، فإنهم يقال لهم: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم من عقابي، فإني قد أمنتكم منه برضاي عنكم، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا؛ فإن الذي قدمتم عليه خير لكم مما فارقتموه منها» 144.
أما متى يقال لهم ذلك، فقد ذكر الإمام الطبري بسنده إلى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحد إلا فزع، فينادي مناد: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ، فيرجوها الناس كلهم، قال: فيتبعها {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) } [الزخرف:69] قال: فييأس الناس منها غير المسلمين 145.
يقول الشوكاني: «يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله بهذه المقالة فيذهب عند ذلك خوفهم، ويرتفع حزنهم» 146.
أما معنى قوله: {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} «أي: لا خوف يلحقكم فيما تستقبلونه من الأمور، ولا حزن يصيبكم فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كل وجه، ثبت المحبوب المطلوب» 147.
ففي ذلك اليوم الشديد الأهوال نفى الله عن عباده المتقين الحزن والخوف من تلك الأهوال، فعناية الله تحفهم وأمنه يحفظهم، جعلنا الله من عباده المتقين.
-الجنة هي دار النعيم، ودار الكرامة، ومن يدخلها يكون منعمًا أبد الآبدين، لا همٌّ فيها ولا بأسٌ ولا حزنٌ، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه) 148، وزاد أحمد: (في الجنّة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ) 149.
وقال تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) } [يس:55 - 58] .
ومن كان هذا حاله فعلى ماذا يحزن؟! إذن فمن النعيم الذي امتن الله به على عباده في دار كرامته أنه جعلهم في فرح وسرور، وليس في خوف وحزن.
وأهل الجنة يدركون هذا الفضل -وهو ذهاب الحزن عنهم- ولذا فهم يحمدونه سبحانه ويشكرونه.
قال سبحانه وتعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) } [فاطر:34] .
قال ابن عاشور: «والمراد: أنهم لما أعطوا ما أعطوه زال عنهم ما كانوا فيه قبل من هول الموقف ومن خشية العقاب بالنسبة للسابقين والمقتصدين ومما كانوا فيه من عقاب بالنسبة لظالمي أنفسهم» 150.
وقال أبو بكر الجزائري: «أي كل الحزن فلا حزن يصيبهم إذ لا موت في الجنة ولا فراق ولا خوف ولا همّ ولا كرب فمن أين يأتي الحزن» 151.
كما أن الله سبحانه وتعالى قد نفى الحزن عن أهل الجنة، وقد جاء ذلك في غير ما موضع من القرآن الكريم، قال الله سبحانه وتعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) } [الأعراف:49] .
قال القاسمي: «وقوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} أي: لا خوف عليكم من العذاب النازل بالكفار، ولا تحزنون كحزن الكفار على فوات النعيم، وهذا إما من قول أصحاب الأعراف، يتآمرون بينهم بدخول الجنة بعد تبكيت أهل النار، فيقول بعضهم لبعض: ادخلوا الجنة، وإما من كلام أهل الأعراف للمؤمنين، أي: يقولون لهم: ادخلوا الجنة، أو من تتمة مخاطبة أهل الأعراف للرجال، كأنه قيل لهم: انظروا إلى هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته، كيف نالوها، حيث قيل من قبله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} وعلى كلّ فالجملة مبنية على قول محذوف إيجازًا، للعلم به» 152.
ورجح صاحب تفسير المنار أن هذا القول ليس من قول أصحاب الأعراف، فقال: « {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} أي: قيل لهم من قبل الرحمن عز وجل: « {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ} مما يكون في مستقبل أمركم، {وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} من جراء شيء ينغص عليكم حاضركم، وحذف القول للعلم به من قرائن الكلام كثير في التنزيل وفي كلام العرب الخلص، ولكنه قل في كلام المولدين، حتى لا تراه إلا في كلام بعض بلغاء المنشئين، وقيل: إن أهل الأعراف هم الذين يقولون لهؤلاء ادخلوا الجنة إلخ. وهو بعيد بل لا يصح مطلقًا على القول بأنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم؛ إذ لا يليق بحالهم أن يخاطبوا من هم فوقهم بهذا الأمر لا قبل دخول الجنة ولا بعده. وهو وإن كان يليق من الملائكة أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالمتبادر الأول، وهو الحكاية بتقدير القول» 153.
فمن يدخل الجنة يقال له: {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ، سواء الداخلون هم الضعفاء والمساكين الذين سخر منهم رؤساء أهل النار، أم غيرهم، فالحزن منفي عنهم.
قال الشنقيطي: «واختلف في قائل هذا القول، فظاهر القرآن أنه من بقية كلام أصحاب الأعراف، يوبخون رؤساء أهل النار، ويقولون لهم: أهؤلاء الضعفاء المساكين الذين كنتم تسخرون منهم في الدنيا، وتستهزئون بهم، وتضحكون منهم، وتقولون: الله أعظم من أن يعبأ بهؤلاء، والله لا يدخلهم جنة، ولا يدخلهم نعيمًا أبدًا {أَهَؤُلَاءِ} الضعفاء المساكين الذين كنتم تستهزئون بهم في الدنيا وتسخرون منهم وتقسمون -تحلفون بالله- {لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} ماذا قال لهم الله؟ قال لهم: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ، وعلى هذا فيكون أصحاب الأعراف قد وبّخوا رؤساء الكفر والقادة بأنهم لم يغن عنهم تكبرهم في الدنيا وجمعهم، وأن الضعفاء المساكين الذين كانوا يسخرون منهم أحلّهم الله دار كرامته، ونفى عنهم الخوف والحزن أبدًا.