«وقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ} تقرير وتوبيخ، والإنسان اسم جنس وهذه أقوال كانت لكفار قريش فعليها هو الرد، .. وقال القتبي: {نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} معناه نتقنها سوية، والبنان: الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم إنما تجمع ويسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: {نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظما واحدا كخف البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى قادرين في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل منفعته بيده، فكأن التقدير بلى نحن أهل أن نجمعها قادرين على إزالة منفعة بيده، ففي هذا توعد ما» 87.
-رغم وضوح الأدلة والآيات لكل ذي قلب وعينين على إمكان البعث بعد الموت وأن الله قادر عليه، إلا أن فريقا من الناس أنكروا البعث بعد الموت وكذبوا به وراحوا يلقون الشبه على استحالته، وهم في ذلك أصناف متعددة.
أولًا: أصناف المنكرين للبعث بعد الموت:
المنكرون للبعث بعد الموت يصنفون بحسب إنكارهم للمبدأ ولوجود الخالق أربعة أصناف:
الصنف الأول: أنكروا المبدأ والمعاد، وزعموا أن الأكوان تتصرف بطبيعتها فتوجد وتعدم بأنفسها، ليس لها ربٌ يتصرف فيها، إنما هي أرحامٌ تدفع وأرضٌ تبلع، وهؤلاء هم جمهور الفلاسفة الدهرية والطبائعية.
والصنف الثاني: من الدهرية طائفةٌ يقال لهم الدورية، وهم منكرون للخالق أيضًا، ويعتقدون أن في كل ستةٍ وثلاثين ألف سنةٍ يعود كل شيءٍ إلي ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مراتٍ لا تتناهى، فكابروا في المعقول، وكذبوا المنقول، قبحهم الله تعالى.
وهاتان الطائفتان يعمهم قوله عز وجل: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] .
ولهذا عن السلف الصالح فيها تفسيران الأول معنى قول منكري البعث: {نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا أبدًا، وهو قول الطائفة الأولى، والمعنى الثاني أنهم عنوا كونهم يموتون ويحيون هم أنفسهم، ويتكرر ذلك منهم أبدًا ولا حساب ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم، ولا محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية.
الصنف الثالث: الدهرية من مشركي العرب ومن وافقهم، وهم مقرون بالبداءة، وأن الله تعالى ربهم وخالقهم، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] .
ومع هذا قالوا: {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) } [الدخان: 35] .
فأقروا بالبداءة والمبدئ، وأنكروا البعث والمعاد، وهم المذكورون في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته) 88.
والصنف الرابع: ملاحدة الجهمية ومن وافقهم، أقروا بمعادٍ ليس على ما في القرآن ولا فيما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل، بل زعموا أن هذا العالم يعدم عدمًا محضًا، وليس المعاد هو بل عالمٌ آخر غيره، فحينئذٍ تكون الأرض التي تحدث أخبارها وتخبر بما عمل عليها من خيرٍ وشرٍ ليست هي هذه، وتكون الأجساد التي تعذب وتجازى وتشهد على من عمل بها المعاصي ليست هي التي أعيدت بل هي غيرها، والأبدان التي تنعم في الجنة وتثاب ليست هي التي عملت الطاعة، ولا أنها تحولت من حالٍ إلى حالٍ، بل هي غيرها تبتدأ ابتداءً محضًا، فأنكروا معاد الأبدان، وزعموا أن المعاد بداءةٌ أخرى 89.
أما من حيث الاختلاف في إنكار المعاد الجسماني أو الروحاني أو هما معا فالمنكرون للبعث المخالفون لما عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل الملل على المعاد الروحاني والجسماني معا أصناف ثلاثة:
1.المنكرون للمعاد الروحاني فقط.
وهؤلاء يقولون بمادية الروح وأنها حالة في الجسم سارية فيه سريان الماء في العود الأخضر أو النار في الفحم، والإنسان عندهم روح وبدن وكلاهما جسم مادى.
وهؤلاء خلافنا معهم بالأساس في حقيقة الروح، وأنها ليست مادية، بل هي خلق من خلق الله ليست بجسم ولكنها تحل في الأجسام كما يشاء الله.
أو نقول إن كانت تسميتهم للروح مادة تسمية اصطلاحية فلا مشاحة في الاصطلاح، وحينئذ لا يكونون منكرين لبعث الأرواح والأجسام.
2.المنكرون للمعاد الجسماني فقط.
وهؤلاء من يطلقون عليهم الفلاسفة الإلهيين، وينتسبون إلى الإسلام رغم مخالفتهم لكثير من عقائده الأساسية ولما هو معلوم من الدين بالضرورة كالفارابي وابن سينا ومن سار على دربهم من المتكلمين والمشتغلين بالفلسفة، ويتلخص مذهبهم في قضية البعث أو المعاد أن الأجساد لا تحشر ولا تبعث، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية، ولعلهم في مقالتهم هذه متأثرين بأساتذتهم في هذا الاتجاه، الذين يمثلهم في الفكر اليوناني سقراط وأفلاطون وأرسطو، فهؤلاء جميعًا يرون أن النفس لها وجود متقدم على البدن، وأن البعث هو عودة الروح إلى عالمها بعد مفارقة البدن الذى هو من جملة المركبات التي مصيرها الانحلال والفناء.
وهذا شأن المنافقين الذين يظهرون الإسلام وتعظيم الرسل والانقياد للشرائع في الظاهر من المتفلسفة والمتصوفة ومن لف لفهم، وهم في الباطن كفار منكرون لما هو معلوم من الدين بالضرورة، يخلطون تعاليم الرسل بقول الصابئة والمجوس وغيرهم من المشركين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم يحرفون الكلام عن مواضعه، ويقولون: هذه أمثالٌ ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم مؤلف من قول المجوس والصابئة، ومثل المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الإسلام، وطائفة ممن ضاهوهم: من كاتب، أو متطبب، أو متكلم، أو متصوف، كأصحاب رسائل «إخوان الصفا» وغيرهم، أو منافق، وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان» 90.
3.المنكرون للمعاد الجسماني والروحاني معا.
وهؤلاء هم من يسمون الفلاسفة الطبيعيين، وقد فسر هؤلاء الفلاسفة الإنسان تفسيرًا ماديا بحتًا وينكرون كل ما وراء الحس والتجربة المادية، لذا فإنهم يرفضون أن تكون الطبيعة الإنسانية مشتملة على نفس تغاير في طبيعتها المادية المحسوسة وصفاتها، ومن هنا أجمع القدماء منهم والمحدثون على إنكار عقيدة البعث بعد الموت، لأن الموت عندهم عدم محض، وليس هناك يوم آخر يعاد فيه الإنسان فيحاسب على ما قدمت يداه، وما الأمر -في نظر هؤلاء- إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وما يهلكنا إلا الدهر، وهؤلاء من يسمون الدهرية والطبائعية والطبيعيين، يقول رب العزة حاكيًا مذهبهم ومبكتا لهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) } [الجاثية: 24] .
ويوجد لهم أشباه في العصر الحديث من الملحدين كالشيوعيين وسائر أصحاب المذاهب المادية الباطلة، والعقلانية الفاسدة، الذين لا يتبعون الرسل ولا يدينون بالأديان والشرائع، وإنما يتبعون أهواءهم ويستندون إلى العقل ويرفضون الوحي الإلهي، وأولئك كفار خارجون عن الملل كلها، متفق على كفرهم بين جميع أصحاب الشرائع والديانات.
ثانيًا: أسباب إنكار البعث:
من أسباب إنكار البعث عند هؤلاء المنكرين للبعث هو اعتمادهم على بعض الشبه العقلية، والاستدلال العقلي الخاطئ.
وأعظم شبهة لدى المنكرين للبعث هي استبعاد إعادة الأجسام بعد تمزقها، وتفتتها، ثم اختلاطها بأجزاء الأرض، إذ تصبح متصورة بصورة التراب، فكيف يمكن إعادتها إلى حالتها التي كانت عليها من قبل؟!
هذا أمر غريب على عقول المنكرين، وعجيب في نفس الوقت عندهم، والحديث عنه خرافة، والمتحدث به، إما مفتر على الله الكذب، وإما مجنون سلب عقله، فخيل له جنونه ذلك الحديث وأجراه على لسانه.
وقد عبر شاعرهم عن ذلك الإنكار، مبينًا أن الحديث عنه خرافة بقوله 91:
حياة ثم موت ثم نشر
حديث خرافة يا أم عمرو
وقال آخر 92:
أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا
وكيف حياة أصداء وهام
ويقول الحق جل شأنه، مخبرا عن ذلك الجحود العنيد والإنكار الشديد، ونسبتهم إلى قائله الجنون، أو الكذب والافتراء على الله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) } [سبأ: 7 - 8] .
«أي هل نرشدكم إلى رجلٍ ينبئكم، أي يقول لكم: إنكم تبعثون بعد البلى في القبور، وهذا صادرٌ عن فرط إنكارهم» 93.
«يعنون بذلك الرجل، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه رجل أتى بما يستغرب منه، حتى صار - بزعمهم - فرجة يتفرجون عليه، وأعجوبة يسخرون منه، وأنه كيف يقول إنكم مبعوثون بعدما مزقكم البلى، وتفرقت أوصالكم، واضمحلت أعضاؤكم؟!» 94.
«ثم إنه تعالى أجابهم مرةً أخرى وقال: بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب في مقابلة قولهم: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} وقوله: {وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} في مقابلة قولهم: {بِهِ جِنَّةٌ} وكلاهما مناسبٌ. أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤذيةٌ، لأنه شهادةٌ عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوه إلى الكذب. وأما الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء، لأنه لا يشهد عليه بأنه يعذب، ولكن ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد، لأن من يسمي المهتدي ضالًا يكون هو الضال، فمن يسمي الهادي ضالًا يكون أضل، والنبي عليه الصلاة والسلام كان هادي كل مهتد» 95.
«ثم ذكرهم بتلك الأدلة فقال: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) } [سبأ: 8 - 9] .
أي: دلالة واضحة على قدرة الله، فكيف يستبعد عليه إعادة تلك الأجسام الضعيفة بعد تفرقها، وهو القادر على خلق هذه الآيات العظيمة، من السماء والأرض، ذلك هو دليل البعث؛ لأنه يدل على كمال القدرة، ومن المقدور عليه إعادة خلق الإنسان وإيجاده مرة أخرى.
وقد قرن هذا الدليل بالتهديد حيث قال: {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} .
ثم بين تعالى أن المنتفع بتلك الآيات كل من يرجع إلى ربه، ويتوب إليه، لا من يتمادى في عناده وتعصبه، فقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} » 96.
ويقول الله تعالى حاكيًا عن المشركين استبعادهم وقوع البعث بعد الموت، وعدم إمكانه، وتعجبهم من شأنه وشأن القائل به: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) } [ق: 1 - 3] .
«قوله تعالى: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} أي إنهم لم يستنكروا أصل الإرسال إليهم، وإنما أنكروا كون المرسل بشرًا مثلهم ينذرهم عذاب يوم القيامة وهم لا يؤمنون بالبعث الآخر فلذا قالوا ما أخبر تعالى به عنهم وقوله {فَقَالَ الْكَافِرُونَ} أي بالبعث {هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} أي أمر يدعو إلى التعجب إذ من مات وصار ترابا لا يعقل أن يبعث مرة أخرى فيسأل ويحاسب ويجزي وقد أفصحوا عن معتقدهم بقولهم {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} ذلك الرجوع إلى الحياة رجوع بعيد التحقيق» 97.
«الواقع أنهم يعبرون بذلك عن أنفسهم، ويستبعدون البعث ووقوعه ظنا منهم أن قدرة الله تشبه قدرتهم، فقاسوا قدرة الله على قدرتهم، وقياس الغائب على الشاهد باطل في نظر العقلاء، ولذلك صور الله عز وجل هذا الظن الخاطئ في قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] .
ولذا فقد استعظمت عقولهم هذا الأمر، وجعلته في حكم المستحيل، و إلا فلو نظروا بغير هذه النظرة القاصرة، وتأملوا في أنفسهم في مبدأ خلقهم، وفيما بين أيديهم من الآيات الدالة على القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء متى ما أرادته لما صدر منهم هذا القول المنكر» 98.
وقد رد على قولهم ذلك بقوله سبحانه: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) } [ق: 4 - 5]
«ردٌ لقولهم: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] .
فإن إحالتهم البعث ناشئةٌ عن عدة شبهٍ منها: أن تفرق أجزاء الأجساد في مناحي الأرض ومهاب الرياح لا تبقي أملًا في إمكان جمعها، إذ لا يحيط بها محيطٌ، وأنها لو علمت مواقعها لتعذر التقاطها وجمعها، ولو جمعت كيف تعود إلى صورها التي كانت مشكلةً بها، وأنها لو عادت كيف تعود إليها، فاقتصر في إقلاع شبههم على إقلاع أصلها وهو عدم العلم بمواقع تلك الأجزاء وذراتها .. والمعنى: أن جمع أجزاء الأجسام ممكنٌ لا يعزب عن علم الله، وإذا كان عالمًا بتلك الأجزاء كما هو مقتضى عموم العلم الإلهي وكان قد أراد إحياء أصحابها كما أخبر به، فلا يعظم على قدرته جمعها وتركيبها أجسامًا كأجسام أصحابها حين فارقوا الحياة» 99.
وهذا من الإعجاز فقد رد على تلك الشبه المتعددة والاحتمالات الكثيرة برد موجز مفحم، فالذي خلقها عالم بمحل كل جزء منها بعد تفرقها، لا يعزب عنه منها شيء، وهو قادر على إعادة تركيبها كما كانت، كما ابتدأ خلقها أول مرة.
«فقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ} إيماءٌ إلى دليل الإمكان، لأن مرجعه إلى عموم العلم كما قلنا، فأساس مبنى الرد هو عموم علم الله تعالى، لأن يجمع إبطال الاحتمالات التي تنشأ عن شبهتهم، فلو قال: نحن قادرون على إرجاع ما تنقص الأرض منهم لخطر في وساوس نفوسهم شبهة أن الله وإن سلمنا أنه قادرٌ فإن أجزاء الأجساد إذا تفرقت لا يعلمها الله حتى تتسلط على جمعها قدرته، فكان البناء على عموم العلم أقطع لاحتمالاتهم، واعلم أن هذا الكلام بيانٌ للإمكان رعيًا لما تضمنه كلامهم من الإحالة، لأن ثبوت الإمكان يقلع اعتقاد الاستحالة من نفوسهم، وهو كافٍ لإبطال تكذيبهم، ولاستدعائهم للنظر في الدعوة، ثم يبقى النظر في كيفية الإعادة، وهي أمرٌ لم نكلف بالبحث عنه» 100.
«وبعد أن بين الله لهم شمول علمه، وإحاطته بالجزئيات والكليات -إذ إن العالم بجزئيات الأشياء لا تخفى عليه كلياتها- بين لهم سبب اضطرابهم في أمر البعث وأنه تكذيبهم للحق الذي جاءهم من خالقهم، إذ الإخبار عنه حق، والمخبر به صادق، قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} أي مضطرب غير مستقر» 101.
كان من بين الشبه التي أثارها المشركون على إنكارهم للبعث ما حكاه القرآن الكريم من قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) } [النحل: 38 - 40] .
وهذا «انتقالٌ لحكاية مقالةٍ أخرى من شنيع مقالاتهم في كفرهم، واستدلالٌ من أدلة تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به إظهارًا لدعوته في مظهر المحال، وذلك إنكارهم الحياة الثانية والبعث بعد الموت» 102.
«قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فني وصار عدمًا محضًا ونفيًا صرفًا، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئًا آخر غيره. وهذا القسم واليمين إشارةٌ إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محالٌ في بديهة العقل: وأقسموا بالله جهد أيمانهم على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري» 103.
وقال الألوسي: «وهو مبني على أن الميت يعدم ويفنى وأن البعث إعادة له وأنه يستحيل إعادة المعدوم، وقد ذهب إلى هذه الاستحالة الفلاسفة ولم يوافقهم في دعوى ذلك أحد من المتكلمين إلا الكرامية وأبو الحسين البصري من المعتزلة، واحتجوا عليها بما رده المحققون، وبعضهم ادعى الضرورة في ذلك وأن ما يذكر في بيانه تنبيهات عليه» 104.
وتقرير هذه الشبهة كما قال الرازي: «أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشيء إذا عدم فقد فني ولم يبق له ذاتٌ ولا حقيقةٌ بعد فنائه وعدمه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئًا مغايرًا للأول فلا يكون عينه» 105.
«فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم: {بَلَى} أي: بلى سيكون ذلك، {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} أي: لابد منه، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر.
ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ} أي: للناس {الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي: من كل شيء، و {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] .
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} أي: في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت» 106.
قال الرازي: «ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكنٌ ويدل عليه وجهان:
الوجه الأول: أنه وعدٌ حقٌ على الله تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعدًا حقًا على الله تعالى، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي، وبين المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم، وهو قوله: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} .
والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجدًا للأشياء ومكونًا لها لا يتوقف على سبق مادةٍ ولا مدةٍ ولا آلةٍ، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشيئته، وليس لقدرته دافعٌ ولا لمشيئته مانعٌ فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وإذا كان كذلك، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الابتداء وجب أن يكون قادرًا عليه في الإعادة، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق» 107.
وقد ذكر الله تعالى قولهم باستحالة البعث بعد الموت في مواضع عدة منها قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) } [المؤمنون: 81 - 83] .