فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 2431

وهذا لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءه نساء أهلها يبايعنه فأخذ عليهن: أن لا يشركن ... إلخ.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنّ بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ} [الممتحنة: 12] .. إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة) 113.

وقالت أم عطية رضي الله عنها: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام على الباب، فسلّم، فرددن عليه السلام، فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكنّ: أن لا تشركن بالله شيئًا، فقلن: نعم) 114.

ومما يدل مشروعية البيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ البيعة من الصحابة في مواقف كثيرة، وعلى أمور مختلفة، كما في بيعة العقبة الأولى حيث بايع المسلمون الرسول صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء قبل أن تفرض عليهم الحرب، وفي بيعة العقبة الثانية، وفي بيعة الرضوان، وغيرها من البيعات.

كما دل على مشروعية البيعة الإجماع، فقد أجمع الفقهاء في الجملة على وجوب بيعة المسلمين لإمام لهم يمثّلهم، ويقوم على أمورهم؛ حتى لا تذهب ريحهم، ويتولى أمر البيعة في بادئ الأمر بعض وجهاء المسلمين من أهل الحل والعقد، الذين يختارون الإمام الصالح بحسب اجتهادهم ومشورتهم، ثم يدعون عموم الناس لمبايعته، فقد قال الإمام النووي: «أجمع العلماء على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة» 115.

فالبيعة لخليفة المسلمين أمر معلوم من الدين بالضرورة، وعدم نصب خليفة أو حاكم مسلم سيورث الإضرار والفوضى والاختلاف والتنازع.

3.الفرق بين مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعة غيره.

إن موضوع بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم يقتصر على التزام المبايعين وتعهّدهم بالسمع والطاعة، وخاصةً الالتزام بما بايعوا عليه، أما تعيينه صلى الله عليه وسلم للإمامة فإنما كان ذلك بالوحي، وأما بيعة غيره فهي التزام من كل من الطرفين، فهي من أهل الحل والعقد التزام للإمام بالسمع والطاعة، والإقرار بإمامته، والتزام من المبايع بإقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة، ويترتّب على البيعة إذا تمّت على الوجه المشروع انعقاد الإمامة لمن بايعه أهل الحل والعقد، وأما سائر الناس غير أهل الحل والعقد فعليهم أن يبايعوه بعد ذلك تبعًا لأهل الحل والعقد.

4.أثر البيعة في انعقاد الإمامة.

اختيار أهل الحل والعقد للإمام، وبيعتهم له، هي إحدى طرق التولي، بل هي الأصل في انعقاد الإمامة، وأهل الحل والعقد هم العلماء وجماعة أهل الرأي والتدبير، الذين اجتمع فيهم العلم والأمانة والعدالة والرأي.

والأصل في البيعة أن تكون على الكتاب والسنة، وإقامة الحق والعدل من قبله، وعلى السمع والطاعة في المعروف من قبلهم، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يلقنهم قيد الاستطاعة عند المبايعة، وقد بايعوه أيضًا على الإسلام، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، وعلى الصبر وعدم الفرار من القتال، وعلى بيعة النساء المنصوصة في القرآن.

وهذه الطريق هي إحدى الطرق الصحيحة عند أهل السنة لتولي الخلافة، وتنعقد الإمامة أيضًا بالتغلب، أو أن يجعل الخليفة الأمر شورى بين أهل الحل والعقد.

5.البيعة العامة.

البيعة قد تكون بيعة عامة كبرى، تعطى لإمام المسلمين الذي اجتمع عليه الناس كلهم، لاستيفاء شروط الإمامة، أو لكفاءته أكثر من غيره، أو لتغلبه، وهذا النوع هو المقصود عند إطلاق لفظ البيعة، ففي بيعة المتغلب قال الإمام الشاطبي: «قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة، قال: لا، قيل له: فإن كانوا أئمة جور، فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه أنه كتب إليه: أقر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله» 116.

وهذه البيعة العامة لا تكون إلا بمبايعة أهل الحل والعقد للمرشح للإمامة، وعليه فإن أداءها واجب على الأمة كافة، ويعدّ من نقضها باغيًا، والتارك لها من غير تأول يموت ميتة جاهلية؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) 117.

وقوله: (مات ميتة جاهلية) أي: مات كميتة أهل الجاهلية، وليس أنه مات على الكفر، كما فهمه بعضهم، قال النووي رحمه الله: «أي: على صفة موتهم، من حيث هي فوضى لا إمام لهم» 118.

وقال ابن حجر رحمه الله: «والمراد بالميتة الجاهلية -وهي بكسر الميم-: حالة الموت، كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا» 119.

وهذه البيعة لا تقبل التعدد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) 120.

وتنخرم هذه البيعة، ويسقط واجب الطاعة إذا ما طرأ على الإمام الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله تعالى البرهان، أو طرأ عليه أمر يعجز معه عن القيام بأعبائها كالجنون ونحوه، كما هو مفصل في كتب الفقه والسياسة الشرعية 121.

6.البيعة الخاصة.

وقد تكون البيعة بيعة صغرى جزئية خاصة، وللعلماء في هذا النوع من التحالف والعهد تفصيل:

فإذا كان موضوع التحالف مخالفًا للشرع فالعهد باطل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط؛ شرط الله أحق وأوثق) 122 وإذا كان العقد على أمر شرعي كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويكون العهد على طاعة من يرتضونه لعلمه، أو كفايته، فقد سوغها بعض العلماء. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية مشروعية هذا التعاهد، فقال: «ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإن كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا» 123.

وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، إلا أمّروا عليهم أحدهم) 124 بقوله: «فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة» 125.

فتأمير الأمير وأخذ البيعة له أمر فطري، ونجد أنه كانت هناك إمارات تتم في ظروف خاصة لمهام خاصة، مثل: إمارة الحج، وإمارة السفر والقتال، ومنها: تأمير خالد بن الوليد في مؤتة، والأمر في هذه الإمارات والبيعات يتم بصورة طبيعية لا يفهم منها أنها تحل محل الإمارة أو البيعة العامة.

فالناس لهم أن يتعاهدوا على فعل أي طاعة من الطاعات، كالجهاد أو الدعوة، أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو إغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم وهكذا، فلا يشترط لصحة هذه البيعات أن تكون على إقامة أحكام الإسلام كلها، وهذا أيضًا قد سبق بيانه فيما سقناه من أدلة.

7.كيفية البيعة.

كيفيّتها أن يقول كل من أهل الحل والعقد المبايعين لمن يبايعونه بالخلافة: قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة، ولا يحتاج ذلك إلى صفقة اليد، إلا إذا اقتضى الأمر التأكيد، كما حصل في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه حين تخوّف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاختلاف بين المسلمين، قال لأبي بكر رضي الله عنه: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعه، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار 126.

وكانت البيعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بالمصافحة، وبيعة النساء بالكلام، وما مست يده الكريمة صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا يملكها، فيقول لمن يبايعه: بايعتك، أو أبايعك على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره 127.

فلما ولي الحجاج رتّبها أيمانًا تشتمل على اليمين بالله والطلاق والعتاق وصدقة المال، قال ابن القيم: «ومن هذه الالتزامات التي لم يلزم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها، الأيمان التي رتّبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف، وهي أيمان البيعة ... ، فأحدث الحجاج في الإسلام بيعة غير هذه تتضمن اليمين بالله تعالى، والطلاق، والعتاق، وصدقة المال، والحج» 128.

والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة، وأما في الأقاليم فقد يأخذها الإمام، وقد يأخذها نواب الإمام، كما حدث في بيعة الصديق رضي الله عنه، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة.

8.نقض البيعة.

البيعة عهد وموثق يعطيه المسلم طائعًا مختارًا لربه، مستسلمًا لمشيئته، مدافعًا عن دينه، فإذا كانت البيعة على الإسلام، فعهدهم أن لا يشركوا بالله شيئًا، وإذا كانت البيعة على الجهاد فعهدهم أن يبذلوا أنفسهم حمية لدينهم لا لأنفسهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، وإذا كانت البيعة على النصرة فعهدهم أن يسمعوا ويطيعوا للقيادة المؤمنة، وأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وأن لا ينازعوا الأمر أهله.

وقد حرّم الشرع على المسلم إذا بايع الإمام أن ينقض بيعته، أو يترك طاعته، إلا لموجب شرعي يقتضي انتقاض البيعة، كردة الإمام، فإن نقض البيعة لغير ذلك فهو حرام، وقد ورد النهي عنه في قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] .

فذكر الله سبحانه وتعالى بيعتهم لرسوله، وأكدها بكونها بيعة له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم؛ إذ كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، وهو رسوله ونبيه، فالعقد معه عقد مع مرسله، وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده، ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثه على نفسه، وأن للموفي بها أجرًا عظيمًا، فكل مؤمن قد بايع الله على لسان رسوله بيعة على الإسلام وحقوقه، فناكث وموف، ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله أنه يخذل رسوله وأولياءه وجنده، ويظفر بهم عدوهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم؛ وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هو أهل أن يعامله به ربه ومولاه، ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذٍ من الصدق والوفاء، وكمال الانقياد والطاعة، وإيثار الله ورسوله على ما سواه، فأنزل الله السكينة والطمأنينة والرضا في قلوبهم، وأثابهم على الرضا بحكمه والصبر لأمره فتحًا قريبًا، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر ومغانمها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر 129.

فبيعة إمام المسلمين واجبة على كل مسلم، لا يسع أحد التنصل منها أو الخروج عليها ألبتة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وستكون خلفاء فتكثر) ، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول) 130. وقال صلى الله عليه وسلم: (من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع) 131.

فأمر بالوفاء ببيعتهم وطاعتهم، وذم من لم يبايع في قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية) 132.

وأمر بلزوم هذه البيعة في قوله صلى الله عليه وسلم: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) 133.

وقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله: «ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًّا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين» 134.

أما بيعات الناس وعهودهم على الطاعات فلا تجب إلا على من دخل فيها برضاه، فتجب عليه بالعهد الذي ألزم به نفسه، كأن يتعاهد اثنان على حفظ القرآن أو بعضه، فحفظ القرآن ليس بواجب على كل مسلم من حيث الأصل، أما إذا عاهد غيره عليه فقد وجب عليه الحفظ بالعهد لا بالأصل.

ثانيًا: المبايَع:

المبايَع هو الركن الثاني من أركان البيعة، وهو الرسول أو الإمام، أو المربي، أو أمير القوم في السفر والمهمات القصيرة، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنة، والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة، ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.

فعملية البيعة أو المبايعة هي في جوهرها وأصلها عقدٌ وميثاق بين طرفين: الأمير، أو الإمام المرشح لرئاسة الدولة، والجمهور، أما هو فيبايع على الحكم بالكتاب والسنة والنصح للمسلمين، وأما الجمهور المبايع فعلى الطاعة في حدود طاعة الله ورسوله 135.

وهذا يعني أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، لا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة، أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد فعل مثل ذلك خروجًا على الإسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الإيمان، حيث قال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

ونلحظ أن عقد البيعة يتضمن -دائمًا- الشروط التي قبل المسلمون بمقتضاها تولية الحاكم، فقد كان الخليفة أو الإمام يعلن عن هذه الشروط، وإن اعتبرت معلنة ضمنًا بعد عصر الخلافة الراشدة، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول بعد أن بايعه المسلمون بالخلافة: «أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم» 136.

ومن هذا الخطاب نستنتج أن البيعة لا تعطي الحاكم سلطة مطلقة كما يعتقد بعضهم، وإنما سلطات مقيدة، فالخليفة -أولًا: ملتزم بتنفيذ أحكام الشريعة «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله» ، والمسلمون لهم حق المراقبة لأعمال الحاكم «فإن أسأت فقوموني» ، بل لهم أن يعزلوه إن أساء وخالف أحكام الإسلام، وهناك إعلان آخر هام بالمساواة بين عناصر الأمة، وتطبيق العدل بين كل الناس، بصرف النظر عن قوة المحكوم أو ضعفه «والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه» .

كما أنه يشترط لأهل الحل والعقد شروط يجب توافرها فيهم؛ كالأمانة والعدل وحسن الرأي، فكذلك للخليفة المبايَع شروط يجب توافرها فيه، وبعض هذه الشروط مختلف فيها، وبعضها الآخر متفق عليه، فشرط الإسلام لم يختلف عليه أحد من أهل العلم؛ لأن مقتضى البيعة تطبيق شرع الله تعالى، وإقامة الحدود، وحراسة الثغور، فكيف سيطبق كافرٌ شرع الله تعالى، ويقوم بهذه الأعمال؟! بل إن كان مسلمًا وطرأ عليه الكفر فإنه يعزل لكفره.

قال ابن حزم رحمه الله في بيان شروط الإمامة: «وأن يكون مسلمًا؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .

والخلافة أعظم السبيل؛ ولأمره تعالى بإصغار أهل الكتاب، وأخذهم بأداء الجزية» 137.

وقال النووي رحمه الله: «قال القاضي: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل» 138.

وفي بيعة الإمامة يجب أن يكون المبايع له مستوفيًا لشرائط الإمامة من قرشيةٍ وغيرها، وقد تستثنى بعض الشروط لمن غلب بالقهر، أما في بيعات الناس وعهودهم على الطاعات فلا تلزم هذه الشروط؛ لأنها بيعات خاصة، فقد يبايع الناس من ليس بقرشي ولا مجتهد ولا حر، وهذا مستفاد مما جاء من الأدلة.

ولكي تكون البيعة واقعة على الوجه الصحيح لا بد من توافر بعض الشروط، وهي:

1.أن تجتمع في المأخوذ له البيعة الشروط المطلوبة في الإمام، وعلى هذا فلا تنعقد الإمامة لواحد فقد شرطًا من الشروط إلا في حال الضرورة، غير شرط الإسلام فإنه لا يسقط.

2.أن يكون الذين عقدوا البيعة للإمام هم أهل الحل والعقد، فإذا عقدها له غيرهم فلا تنعقد، يقول شمس الدين الرملي: «أما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة بها» 139.

3.أن يقبل الشخص الذي عقدوا له الإمامة هذا المنصب، يقول الإمام النووي: «ويشترط لانعقاد الإمامة أن يجيب المبايع، فإن امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها، إلا أن لا يكون من يصلح إلا واحد، فيجبر بلا خلاف» 140.

4.الإشهاد على البيعة، وهو شرط اختلف فيه على ثلاثة أقوال:

أحدها: أن البيعة لا تحتاج إلى إشهاد؛ لأنه لم يقم دليل من السمع على وجوب الإشهاد؛ ولا يوجب العقل ذلك، وممن قال بهذا الرأي إمام الحرمين الجويني، حيث قال: «ثم ربما كان الأمر ينجر إلى إنكار وجحود، ونزاع في مقصود، ومس الحاجة إلى شهود، وقد ندبنا إلى الإشهاد على البيوع ... ، والمسألة مظنونة مجتهد فيها» 141.

الثاني: وجوب الإشهاد عليها؛ وذلك لأنه لو لم يجب الإشهاد لم نأمن أن يدعي أناس انعقاد الإمامة لهم سرًّا، فيؤدي إلى الهرج والفتنة، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني 142.

الثالث: ينظر إلى عدد العاقدين، فإن كانوا جمعًا لم يشترط الإشهاد، وإن كان العاقد واحدًا اشترط ذلك، وممن ذهب إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله حيث قال: «قلت: الأصح: لا يشترط إن كان العاقدون جمعًا، وإن كان واحدًا، اشترط الإشهاد» 143.

5.ألا يقارن هذا العقد عقد لآخر؛ فلا يجوز أن تعقد الإمامة لأكثر من واحد، وقد أجمع العلماء أنه لا يصح أن تعقد البيعة لأكثر من إمام، سواء أكان ذلك التعدد حاصلًا بطريق الصدفة والاتفاق؛ أم غير ذلك، قال إمام الحرمين: «إن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد؛ متضايق الخطط والمخالف غير جائز، وقد حصل الإجماع عليه» 144.

وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) 145.

والمقصود أنه يشترط في المختار عشرة أوصاف: أن يكون ذكرًا، حرًّا، بالغًا، عاقلًا، مسلمًا، عدلًا، شجاعًا، عالمًا، كافيًا لما يتولاه من سياسة الأمة ومصالحها، فإذا اختاروه على هذه المواصفات فقد تمت البيعة له من قبل الأمة، ولزمهم طاعته، وتنفيذ ما أمر به، وترك ما نهى عنه، إلا إذا أمر بمعصية الله فلا يطاع؛ لقوله: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف) 146.

بيعة الإمام دائمة لا تنقطع إلا إذا مات الإمام، أو طرأ عليه سبب يوجب العزل من نقص في الدين، أو نقص مؤثر في البدن 147.

ثالثًا: المبايع:

الركن الثالث للبيعة هو المبايع، وهو الطرف الذي أعطي البيعة لمن يستحقها، وهم صنفان:

ولهذا فالبيعة نوعان:

بيعة خاصة: يقوم بها أهل الحل والعقد، الذين يختارون فيما بينهم واحدًا يكون أصلح الموجودين لتولي الإمارة، بحيث يتم الاختيار بحرية تامة دون إكراه.

بيعة عامة: وتأتي بعد البيعة الخاصة، وتكون عامة لكل الناس يأخذها الخليفة، أو الأمير بنفسه، أو من ينيبه عنه، وهي عبارة عن إعلان الولاء والطاعة والاعتراف بالأمر الواقع، وعدم الخروج على الجماعة 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت