فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 2431

الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا) إلى أن قال: (ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلم سلم) قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار) قال أبو هريرة راوي الحديث: «والذي نفس أبي هريرة بيده: إن قعر جهنم لسبعون خريفًا» 136.

فهنيئًا لمن قام بحق الأمانة، فجرى على الصراط، ونجا من عذاب جهنم، والحسرة والندامة على من تساهل فخان أمانته، وضيع وسقط في الغدر، والشهوة العارضة، أو الحقد الأعمى الذي يحمله على الخيانة والغدر والنكث.

2.انتشار الطمأنينة والسعادة في المجتمع:

ومن آثار الأمانة في الدنيا استقامة أحوال المسلمين ما ثبتوا عليها، وتخلقوا بها، فإن ضيعوها، ولم يؤدوها إلى أهلها، فسدت حياتهم، وساءت معاملاتهم، وعاشوا حياة الغدر والغش والخيانة، وعدم الطمأنينة.

والمجتمعات في ظل قيام أفرادها بأداء أماناتهم يعم فيها السعادة والطمأنينة، ويعيش الفرد فيها حياة طيبة، وحين تختفي الأمانة من حياتهم تفسد حياتهم، وتسوء معاملاتهم، ويعيشون حياة خالية من الطمأنينة والسعادة، وراحة البال، وواقع الناس اليوم خير دليل على ذلك، حيث عم التعامل بالغدر والخيانة والغش والخداع والكذب في سائر أحوالهم ومعاملاتهم إلا من رحم الله.

ومن علامات سوء الزمان، وفساد المجتمع، وخبث السرائر ضياع الأمانة، والتفريط في الرعاية، والتهاون في المسئولية، واتخاذ المصالح الخاصة الهدف والغاية، ونبذ المصالح العامة من أجل المصالح الخاصة، والمنافع الذاتية.

وتبرز آثار تضييع الأمانة في فساد أخلاق المجتمع، وانقلاب الموازين الصحيحة، وتزيين المحرمات، حتى تصبح بعض المجتمعات المسلمة لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا، فيعم النفاق، ويكثر الزنا، وتنتشر الخمور والمخدرات، وما يتبع ذلك من ارتفاع أسافل الناس على خيارهم، بسبب توسيد الأمور لغير أهلها.

ولهذا فأداء الأمانة هو من الواجبات العظيمة على الفرد والمجتمع، والذي به يسعد المجتمع، وينتشر فيه الخير والطمأنينة، ومن أسباب المصائب والعقوبات الخاصة والعامة في المجتمع تضييع الأمانات، وعدم أدائها لأهلها، وكم من إنسان قد ابتلي بأنواع من الأمراض والأسقام والأوجاع بسبب تضييعه لما قد اؤتمن عليه من حقوق الناس.

وقد اعتبر ضياع الأمانة وفشو الغدر والخيانة من علامات الساعة وأشراطها؛ ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إضاعتها، والتهاون فيها، وأشار إلى أن في إضاعتها انحلال أمر المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث إذ جاء أعرابي، فقال: متى الساعة؟ قال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) قال: كيف إضاعتها؟ قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة) 137.

قال العلماء رحمهم الله في بيان معنى هذا الحديث الشريف: معنى وسد الأمر إلى غير أهله: أن الأئمة والحكام قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فيجب عليهم تولية الأمناء أهل الكفاءة والدين والأمانة والعلم، فإذا قلدوا غير هؤلاء، وقدموا عليهم أهل الفسق والفجور والجهالة فقد ضيعوا الأمانة التي حملهم الله إياها.

وفي ضياع الأمانة أيضًا اختلال الموازين، وفساد القيم، حيث تنقلب الموازين، وتضطرب المقاييس، وتفسد الأخلاق والقيم والتعاليم.

قال صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة في أمر العامة) قيل: وما الرويبضة؟ قال: (الرجل التافه) 138.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يخون الأمين، ويؤتمن الخائن) 139.

وفي هذا غاية في اختلال الموازين في المجتمع، نسأل الله السلامة والعافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت