فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 2431

{وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} أي: يهديهم إلى حقائق الأشياء، ويبين لهم الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ويبشرهم أن لهم أجرًا حسنًا، ماكثين فيه أبدًا، وأيضًا فإنه كلما نزل شيئًا فشيئًا كان أعظم هداية وبشارة لهم مما لو أتاهم جملة واحدة، وتفرق الفكر فيه، بل ينزل الله حكمًا وبشارة أكثر، فإذا فهموه وعقلوه وعرفوا المراد منه وترووا منه أنزل نظيره وهكذا.

ولذلك بلغ الصحابة رضي الله عنهم به مبلغًا عظيمًا، وتغيرت أخلاقهم وطبائعهم، وانتقلوا إلى أخلاق وعوائد وأعمال فاقوا بها غيرهم.

وكان أعلى وأولى لمن بعدهم أن يتربوا بعلومه ويتخلقوا بأخلاقه، ويستضيئوا بنوره في ظلمات الغي والجهالات ويجعلوه إمامهم في جميع الحالات، فبذلك تستقيم أمورهم الدينية والدنيوية 24.

يقول صاحب الظلال رحمه الله: «إن المشركين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب، لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي، وأنه الرسالة الأخيرة التي ليست بعدها من السماء رسالة، وأن الله الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع، فإذا بدل آية انتهى أجلها واستنفدت أغراضها، ليأتي بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة، وأصلح للبقاء بعد ذلك الدهر الطويل الذي لا يعلمه إلا هو، فالشأن له، ومثل آيات هذا الكتاب كمثل الدواء تعطى للمريض منه جرعات حتى يشفى، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية.

إن المشركين لا يدركون شيئًا من هذا كله، ومن ثم لم يدركوا حكمة تبديل آية مكان آية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فحسبوها افتراء منه، وهو الصادق الأمين الذي لم يعهدوا عليه كذبًا قط 25.

وقد حاول المشركون بكل الطرق فتنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليفتري على الله غير القرآن بما يوافق أهواءهم، لكن الله حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} [الإسراء: 73] .

يذكر تعالى منته على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: قد كادوا لك أمرًا لم يدركوه، وتحيلوا لك، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك 26.

أخبرنا الله عز وجل في كتابه الكريم عن تعنت الكافرين، واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه:

فتارة يزعمون أنه سحرٌ.

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [سبأ: 43] .

إنهم بقولهم هذا يغالطون أنفسهم، ويغالطون قومهم لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم، وهذا شأن المغلوب المحجوج أن يتعلق بالمعاذير الكاذبة.

وتارة يزعمون أنه أضغاث أحلام، وتارة يزعمون أنه شعر جاء به شاعر، كما قال تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] .

يذكر تعالى ائتفاك المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من القرآن العظيم، وأنهم سفهوه، وقالوا فيه الأقاويل الباطلة المختلفة.

فتارة يقولون: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} بمنزلة كلام النائم الهاذي، الذي لا يحس بما يقول، وتارة يقولون: {افْتَرَاهُ} واختلقه وتقوله من عند نفسه.

وتارة يقولون: إنه {شَاعِرٌ} وما جاء به شعر.

وكل من له أدنى معرفة بالواقع، من حالة الرسول، ونظر في هذا الذي جاء به، جزم جزمًا لا يقبل الشك، أنه أجل الكلام وأعلاه، وأنه من عند الله، وأن أحدًا من البشر لا يقدر على الإتيان بمثل بعضه، كما تحدى الله أعداءه بذلك، ليعارضوا مع توفر دواعيهم لمعارضته وعداوته، فلم يقدروا على شيء من معارضته، وهم يعلمون ذلك وإلا فما الذي أقامهم وأقعدهم وأقض مضاجعهم وبلبل ألسنتهم إلا الحق الذي لا يقوم له شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت