فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 2431

وإنما يقولون هذه الأقوال فيه -حيث لم يؤمنوا به- تنفيرًا عنه لمن لم يعرفه، وهو أكبر الآيات المستمرة، الدالة على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه، وهو كاف شاف.

فمن طلب دليلًا غيره، أو اقترح آية من الآيات سواه، فهو جاهل ظالم مشبه لهؤلاء المعاندين الذين كذبوه وطلبوا من الآيات الاقتراح ما هو أضر شيء عليهم، وليس لهم فيها مصلحة؛ لأنهم إن كان قصدهم معرفة الحق إذا تبين دليله، فقد تبين دليله بدونها، وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم، إن لم يأت بما طلبوا فإنهم بهذه الحالة -على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات- لا يؤمنون قطعًا، فلو جاءتهم كل آية، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم 27.

وتارة يزعمون أنه: {إِفْكٌ مُفْتَرًى} وهذا القول من بهتانهم، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] .

يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن: إن هذا القرآن كذب كذبه محمد، وإفك افتراه على الله، وأعانه على ذلك قوم آخرون، فرد الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم، وإقدام على الظلم والزور.

فهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال صدقه وأمانته وبره التام، وأنه لا يمكنه، لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه، وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك، فقد جاءوا بهذا القول ظلمًا وزورًا.

ومن جملة أقاويلهم فيه أن قالوا: هذا الذي جاء به محمد {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} أي: هذا قصص الأولين وأساطيرهم التي تتلقاها الأفواه، وينقلها كل أحد استنسخها محمد {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} وهذا القول منهم فيه عدة عظائم:

منها: رميهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب والجرأة العظيمة.

ومنها: إخبارهم عن هذا القرآن الذي هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله بأنه كذب وافتراء.

ومنها: أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه للخالق الكامل من كل وجه بصفة من صفاته، وهي الكلام.

ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علمت حالته، وهم أشد الناس علمًا بها، أنه لا يكتب، ولا يجتمع بمن يكتب له، وقد زعموا ذلك 28، وما جرأهم على هذا البهتان إلا إشراكهم وتصلبهم فيه، ليس ذلك لشبهة تبعثهم على هذه المقالة لانتفاء شبهة ذلك 29.

وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى} [سبأ: 43] .

يخبر تعالى عن حالة المشركين عندما تتلى عليهم آيات الله البينات، وحججه الظاهرات، وبراهينه القاطعات، الدالة على كل خير، الناهية عن كل شر، التي هي أعظم نعمة جاءتهم، ومنةٍ وصلت إليهم، الموجبة لمقابلتها بالإيمان والتصديق والانقياد والتسليم، أنهم يقابلونها بضد ما ينبغي، ويكذبون من جاءهم بها 30.

«فلم يثبتوا على صفة له، ولا على رأي يرونه فيه؛ لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعللات، فلا يستطيعون، فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء، ومن تعليل إلى تعليل، حائرين غير مستقرين، ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون» 31.

ودفاعًا عن القرآن ضد افتراءات المكذبين قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: لو افتريت يا محمد على القرآن كذبًا لطبع الله على قلبك، ولسلبك ما آتاك من القرآن، كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) } [الشورى: 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت